الدولة الثيوقراطيّة هي نظام حكم دينيّ يستمدّ سلطته من الله، وبالتالي الحاكم الذي يتربّع على رأس هذا النظام يستمدّ شرعيّته من الحكم باسم الله. وهو الجهة المخوّلة تفسير الدين وأحكامه، وبيان كيفيّة تطبيقه، وتحديد حدود سلطته وهيمنته.
الحاكم في النظام الثيوقراطيّ مختار من الله، إمّا بصورة مباشرة، كما في حالة الأنبياء والرسل، أو بصورة غير مباشرة في النظم التي تقوم على التلفيق بين الجانب الغيبيّ والآليّات الديمقراطيّة أو المستحدثة، في ظلّ غياب المعصوم أو المختار.
لتعزيز أركان سلطته الدينيّة، وتأكيد البعد الثيوقراطيّ للنظام، يلجأ إلى تكريس سلطة المؤسّسة الدينيّة وسيطرتها، بحيث تتولّى مهمّة توجيه سياسات النظام وتسويغ قرارات السلطة في الشأن العامّ، وتسيير شؤون البلاد بما ينسجم مع التعاليم الدينيّة والأحكام الشرعيّة المقدّسة. وتتحمّل هذه المؤسّسة، إلى جانب الدولة التي أنتجتها، مسؤوليّة التصدّي لأيّ صوت معارض أو أيّ حالة اعتراض أو رفض داخل المجتمع، باعتبار أنّ ما يقوم به هؤلاء يندرج، وفق منطقها، تحت عنوان معارضة الإرادة الإلهيّة.
ماضويّة الدّولة ونظريّة ولاية الفقيه
الدولة الثيوقراطيّة دولة دينية، أو ذات طابع دينيّ، ولذا هي في جوهرها دولة ماضويّة، بمعنى أنّ مثالها الأعلى يكمن في الماضي، وأنّ سعيها ينصبّ دائماً على استحضار هذا الماضي بوصفه المثال، وإسقاطه على الحاضر، ورسم معالم المستقبل انطلاقاً منه.
لا يخرج النظام الإسلاميّ في إيران، الذي يحكم من خلال آليّات السلطة الحديثة عبر التلفيق بين البعدين الدينيّ والجمهوريّ، عن هذا التعريف للدولة الثيوقراطيّة. ويصبح معه نظام ولاية الفقيه، وسلطته، وقيادته للدولة والدين، وحاكميّته على الأحكام الشرعيّة والدينيّة في المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ، تجسيداً للحاكميّة المطلقة باسم الله، باعتباره امتداداً لسلطة الأئمّة المعصومين، بوصفهم خلفاء للنبيّ محمّد، الذي يمثّل سلطة الله على الأرض.
على الرغم من أنّ القول بولاية الفقيه لا يستغرق جميع آراء كبار علماء المذهب الشيعيّ ومراجعه وفقهائه، بل يمثّل رأياً إلى جانب آراء أخرى لا ترى للفقيه هذه الصلاحيّة المطلقة في ظلّ غياب المعصوم المعيَّن من قبل الله، تجعل هذه النظريّة وتطبيقاتها منظومة الحكم والسلطة الدينيّة لدى الشيعة أكثر انغلاقاً وتشدّداً، مقارنة بالمقاربة التي يقدّمها الفكر السياسيّ لدى أهل السنّة والجماعة ونظريّة الحكم في الإسلام، باستثناء من يتبنّون منهجاً يدعو إلى إعادة إحياء الخلافة، وهي المقاربة التي تمنح الحاكم هامشاً أوسع من حرّيّة العمل، مع الحفاظ على القالب الماضويّ للسلطة ومرجعيّتها الدينيّة.
هنري كوربان والمستقبل بوصفه امتداداً للماضي
ربّما التفسير المنقول عن الفيلسوف الفرنسيّ هنري كوربان، في سياق فهمه للمحرّكات الفكريّة والأيديولوجيّة والعقائديّة لدى الشيعة الاثني عشريّة، يندرج في هذا الإطار، إذ يقول: “كلّ الأديان تموت بموت أنبيائها: اليهوديّة ماتت بموت موسى، والمسيحيّة ماتت بموت عيسى، وأهل السنّة ماتوا بموت محمّد، ووحدهم الشيعة رفضوا أن يموتوا، فهم غير مرشّحين للموت لأنّهم وضعوا الحسين في بداية الطريق، ووضعوا المهديّ في آخر الطريق. فالإمام الحسين يدفعهم من عمق التاريخ، ومن المستقبل يستدعيهم الإمام المهديّ قائلاً: هلمّوا”. وهي مقولة تندرج ضمن سياق الاستحضار الدائم للماضي بوصفه المثال والطموح.
تأتي مقولة كوربان هذه في سياق محاولته فهم تجربة الثورة الإسلاميّة في إيران، ونظامها الإسلاميّ، ونظرية ولاية الفقيه، عندما اعتبر أنّ القوّة المحرّكة للفكر الشيعيّ تكمن في أنّه يضع الحسين في بداية الطريق، والمهديّ في نهايتها. إلّا أنّها تبقى، في جوهرها، مقولة ماضويّة أيضاً. فالمحرّك نحو المستقبل هو عقيدة نقلت الماضي وجعلته مصيراً أو صيرورة ترسم حدود مسار هذه الجماعة، من الحسين بدايةً إلى المهدي نهايةً. ومن ثَمّ الوعد بالعدل والسلام هو وعد تاريخيّ منبثق من عمق الماضي يقوم على حتميّة تحقّقه في المستقبل.
استحضار كربلاء في بناء العقيدة القتاليّة الإيرانيّة
إنّ استحضار المثال من الماضي، أو بتعبير أكثر تبسيطاً، ماضويّة النظام الإسلاميّ في إيران برزت في العديد من المحطّات السياسيّة المفصليّة في تاريخ إيران الحديث. ويتجلّى ذلك في أكثر من مستوى، بدءاً من سرديّة الشاه السابق بأنّه “ظلّ الله على الأرض”، وأنّ شرعيّته تُستمدّ من ولائه لأئمّة أهل البيت، وصولاً إلى اليوميّات القتاليّة وسرديّات الحرب العراقيّة ـ الإيرانيّة، وما رافقها من روايات عن مشاهدة المقاتلين لـ”الفارس الغامض” مرتدياً ثياباً بيضاً، يخرج من عالم الغيب على خطوط التماسّ في أكثر اللحظات حرجاً ودقّة في المعارك، والحديث عن أنّه “المهديّ” الذي يقف إلى جانب المقاتلين ويساعدهم على تحقيق النصر، بوصفه نصراً للإسلام والدين والدولة الإسلاميّة الممهّدة لظهوره المنتظر.
تحوّلت هذه السرديّة إلى عنصر تعبئة روحيّة وعقائديّة وأيديولوجيّة ومعنويّة يمدّ المقاتلين بطاقة نفسيّة تساعدهم على مواصلة القتال وتعزيز الإيمان بإمكان تحقيق النصر.
في موازاة سرديّة الإمام الغائب الذي يساند المقاتلين ويشحذ هممهم، خاض الإيرانيّون الحرب مع العراق بعقليّة “كربلائيّة” أيضاً، أي أنّهم استحضروا المثال من الماضي وجعلوه أساساً لاستراتيجيتهم في القتال، وحصروا خياراتهم بين النصر أو الشهادة، وكلاهما كان يمثّل انتصاراً في المفهوم والمنظور الأيديولوجيَّين اللذين كانا يحرّكاهم. وقد حملت كبرى عمليّاتهم العسكريّة الهجوميّة ضدّ القوّات العراقيّة اسم “كربلاء”، حتّى تلك العمليّات التي ألحقت بهم خسائر بشريّة فادحة وقاسية.
من “تجرّع كأس السّمّ” إلى الاتّفاق النّوويّ
عندما وصلت الحرب إلى طريق مسدود، وتحوّلت إلى استنزاف طويل ومكلف، لم يلجأ مؤسّس الجمهوريّة الإسلاميّة، السيّد الخمينيّ، إلى البحث عن مسوّغ عقائديّ أو أيديولوجيّ لتبرير وقف الحرب مع العراق والموافقة على قرار مجلس الأمن الدوليّ رقم 598، بل أقرّ بأنّ المعطيات الميدانيّة والقدرات المادّيّة لا تسمح بمواصلة الحرب، إلى جانب أنّ حجم الخسائر البشريّة والعسكريّة والاقتصاديّة التي تكبّدتها إيران أصبحت كبيرة ومرشّحة لمزيد من التصاعد، وأنّه لم يعد أمامه سوى خيار “تجرّع كأس السمّ” بإعلان موافقته على وقف الحرب.
يعني ذلك أنّ قناعته لم تغادر الإطار الكربلائيّ الحسينيّ الذي حكم نظرته إلى هذه الحرب، ولم تتبلور لديه، في المقابل، قناعة بضرورة انتهاج ما يشبه الخيار الذي سلكه الإمام الحسن بن عليّ، الإمام الثاني لدى الشيعة الاثني عشريّة، الذي عقد صلحاً مع معاوية. ولذلك لم يقدّم قراره بوصفه تحوّلاً في الرؤية العقائديّة أو الأيديولوجيّة، بل باعتباره خياراً اضطراريّاً ومؤلماً فرضته الوقائع الميدانيّة.
إذا كانت خيارات الخمينيّ المؤسّس لم تغادر دائرة الالتزام العقائديّ والأيديولوجيّ، بوصفه حاكماً يمثّل، في نظر أتباع هذه النظريّة، امتداداً لسلطة الله والأنبياء والأئمّة على الأرض، فإنّ سؤالاً جوهريّاً يبرز عند الانتقال إلى المسار الذي اعتمده النظام الإيرانيّ، بقيادة خليفته المرشد السيّد عليّ خامنئيّ، عام 2015، في تسويغ التوقيع على الاتّفاق النوويّ مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، التي تُعدّ، في المفهوم الأيديولوجيّ للنظام، “الشيطان الأكبر”.
في الحلقة الثانية: العقل السياسيّ لإيران.
