جهاد بزّي – كاتب لبناني
“ما الحلّ يا حسين؟” أسأله بصدق الباحث عن خروج من هذا المأزق الجماعي المرعب، الذي وإن يبدأ بالشيعة فمن الحتمي أن ينفلش على البلد برمّته إن استمرّ خصوم الطائفة بالتشفّي بخسارتها، وبتحفيز إسرائيل على استكمال ما بدأته.
بينما يعيدني ابن أخي من أطراف الضاحية إلى بيروت، يدخل في ازدحام سير في عمقها، أسأل ممازحاً كيف نستطيع أخذ مسافة آمنة من الدرّاجة النارية التالية، التي ستستهدفها المسيّرة الإسرائيلية ونحن في نهر من الدرّاجات تمرّ عن يميننا ويسارنا وفوقنا وتحتنا؟ يأخذ مزاحي جدّاً، ويظنّ أنني فعلاً خائف فيقرّر أخذ طريق آخر، وأرفض ضاحكاً، ما الذي تقوله؟
لكنّني أعجز عن منع نفسي من التفكير في الاحتمال. إنه نفسه الذي يراود كلّ راكب طائرة، ولو لمرّة خلال الرحلة، بأن احتمال سقوطها وارد، إن في الضاحية أو الحمرا أو على طريق خلدة، وإذا كان لبنان كلّه مفتوحاً على الاغتيالات الآتية فجأة من السماء، فإن المناطق الشيعية تعيش هذا الهاجس دون انقطاع، منذ بداية الحرب قبل أكثر من سنتين، مضافاً إليه ما يخصّهم به أفيخاي أدرعي من تحذيراته النابعة عن حرص “من القلب” على سلامتهم، ومن الغارات التي دون تحذير، ومن تهجير قسري وامّحاء قرى وبلدات برمّتها، وفقدان الأمل في العودة إليها، وبإعادة بناء ما تهدّم…
شيعة لبنان في حرب لم تتوقّف من اليوم الأوّل لـ”الإسناد”، خسروا فيها قائداً لم يأتِ الزمن لهم بمثله منذ مصرع الحسين بن علي في كربلاء؛ على ما يرى كثر منهم. خسروا عدداً مهولاً من شبّانهم، وبات لديهم آلاف من جرحى الحرب المصابين بأغلى ما يملكه البشر عادة، الأعين.
خسروا كلّ البنية التي رفع عليها “حزب الله” صراعه مع إسرائيل، حين حوّلهم إلى ندّ لعدوّهم ولمن خلفه، وجعلهم قوّة إقليمية يحسب لها؛ برأيهم، ألف حساب، ويذهب أبناؤهم في حروب وقائية إلى سوريا للدفاع عن وجودهم في لبنان.
“حزب الله” جعلهم يشعرون بالتفوّق على الطوائف الأخرى، ليس عسكرياً فحسب، بل أخلاقياً أيضاً. وكما في حرب تمّوز 2006، كانوا مستعدّين للذهاب إلى النهاية معه لو خرج من هذه الحرب بالنتائج نفسها لتلك الحرب، منها الحفاظ على رمزهم حفيد الرسول، لكنّه لم يستطع شيئاً. ظهر لا حيل ولا قوّة، صامتاً بإرادته أو بدونها عن الإهانات الإسرائيلية اليومية، التي تذكّره كلّ يوم أنه تعرّض لهزيمة نكراء، ولا يريد الاعتراف.
مع ذلك، وعلى الرغم من اعتراف الطائفة الضمني بهزيمتها، وميوعة الأرض التي كانت شديدة الصلابة أسفلها، لم تنقلب الطائفة على ابنها أي “حزب الله”، وبعدما كان يحميها بات دورها حمايته.
في سيّارة أوبر، بين نقطتين في بيروت، يختفي شعور الحرب الذي يسطو على سماء الضاحية، يشرح لي حسين؛ سائقها البعلبكي، حجم الخسارة التي تعرّض لها شخصياً من دمار بيته، وأخذه تعويضاً لا يُذكر أمام ما دفعه لتأثيث شقّة انتقل إليها قبل الحرب بقليل، ثم نزح منها، يعتب على “الإسناد” قليلاً، لكن هذا ماضٍ مضى الآن. الحاضر والآتي هما المهمّان.
فلنسلّم السلاح يا حسين ونرتاح… “إلا السلاح” يقول رافعاً سبّابته، فالخطر على الطائفة الآن مثلّث الأضلاع، من سوريا وإسرائيل والداخل.
“ما الحلّ يا حسين؟” أسأله بصدق الباحث عن خروج من هذا المأزق الجماعي المرعب، الذي وإن يبدأ بالشيعة فمن الحتمي أن ينفلش على البلد برمّته إن استمرّ خصوم الطائفة بالتشفّي بخسارتها، وبتحفيز إسرائيل على استكمال ما بدأته.
هذه الشماتة والفوقية بالتعاطي مع الشيعة لأنهم كانوا فوقيين من قبل، دائرة مفرغة تشبه ما كان مع المسيحيين بعد سقوط بعبدا بيد جيش حافظ الأسد ودخولهم في ليل هزيمتهم الطويل. إعادة تدوير أبدية لنفايات الصراع اللبناني وأدواته.
مع ذلك، فالخصومة مع لبنانيي الداخل ليست هي الأساس في الحال الذي تعيشه الطائفة، مأساتها الآن أكبر بكثير من نشاز الأصوات البذيئة التي تتبادل الشتائم بين مؤيّدي الحزب وخصومه، مأساتها أكبر من الوحل السياسي اللبناني الوضيع الذي يصرّ الجميع على الخوض فيه لأنهم لا يعرفون غيره، أو لأن الكارثة أكبر من قدرتهم على استيعابها.
ما الحلّ يا حسين؟ “حزب الله” عاجز حالياً عن حماية أبنائه الذين تصطادهم إسرائيل ما إن يخرجوا إلى الضوء كما يبدو، عاجز عن حماية البيوت وعاجز عن حماية صواريخه نفسها، وكلّ ما يفعله هو وضع عبارات في أفواه مناصريه، منها أنه انتقل إلى “العمل السرّي” وأنه استعاد عافيته.
كيف يستعيد حزب عافيته يا حسين؟ هذا حزب تعرّض لحرب كبرى، وليس إلى جراحة لاستئصال مرارته يستعيد بعدها العافية، قل شيئاً يا حسين، أنت وأنا نريد حلاً.
لماذا لا ترمي الطائفة نفسها في حضن الدولة، أسأله. ترمي نفسها تماماً يعني. تعطي ثقتها بهذا الجهاز كما هو، برؤسائه الثلاثة، وثانيهم هو من هو، وبالجيش اللبناني الذي لا شكّ في وطنيته، والدولة تحمي الطائفة.
وهل هذه دولة يمكن الوثوق بها؟ أجل يا حسين، وبقوّة. هذه دولة الطائفة الشيعية جزء رئيسي من هويّتها وتشكيلها، وهي ممثّلة فيها خير تمثيل، ليست عدوّة. ومناصرو الحزب يخطئون إذ يشتمونها ويعادونها ويحمّلونها مسؤوليّة ما تفعله إسرائيل، فقط لأن الحزب؛ بجلالة قدره، يريد تحويل النظر عن عجزه المريع في مواجهة هذا الوحش الذي خلفه يقف دونالد ترامب شخصياً.
يوصلني حسين إلى وجهتي من دون اتّفاق واضح بيننا، ولن أقوّله قولي هذا الذي سأختم به ما أكتب، مستغفراً الله العظيم: على الحزب أن يكون وفيّاً لطائفته التي حضنته طوال أكثر من ٤٠ سنة، أن يخاطبها بصدق تامّ ويقول لها ما تأخر عن قوله: لقد هُزمنا هزيمة قاسية، سقط محور برمّته إثرها، وعلينا ألا نغرق في قراءة التجربة كما الأحزاب الشيوعية السابقة، بل الوصول إلى حلول جذرية تفهم واقعاً جديداً للطائفة ومنطقتها، ولشكل جديد من الحروب يتخطّى عقيدة انتصار الدم على السيف. على الحزب أن يقول للطائفة إنه لم يعد مطلوباً منها أيّ دور إقليمي، إن للقدس أهلاً يحرّرونها، ولليمن يمنييه، ولمرقد السيّدة زينب في الشام ربّاً يحميه، وإن النظام الإيراني حالياً في وضع يرثى له، وإنه آن الآوان لهذه الطائفة أن تتخلّى عن البارانويا التي عمل على زرعها في نفوسهم طوال عقود، وأن تتواضع وأن تعترف بأن اللجوء إلى الدولة بدلاً ليس عيباً، وأن قيمتها المضافة تكون بالتساوي مع الطوائف الأخرى وليس بالاستقواء عليها ولا بالفوبيا منها، فليقل لهذه الطائفة للمرّة الأخيرة.
ليقل الحزب للطائفة الشيعية لقد أدّيت قسطك للعلى من الصراعات السرمدية، وآن لك أن تعودي إلى حياتك العادية، طائفة أخرى دون زيادة أو نقصان عن الطوائف الثانية، وترتاحي.
ما رأيك بهذا الحلّ يا حسين؟
موقع درج