
داخل مستودع لتفتيش الشحنات الجوية، لوس أنجليس، مايو 2024 (رويترز
تراجع وفيات الفنتانيل في أميركا وكندا منذ عام 2023 أثار تساؤلات حول دور الصين، بعدما تزامن الانخفاض مع تشديد بكين الرقابة على المواد الكيماوية الأولية المستخدمة في تصنيع المخدر. أزمة الفنتانيل لم تعُد قضية صحية فقط، بل تحولت إلى ورقة جيوسياسية في العلاقات الأميركية- الصينية.
كان فرض رسوم جديدة على كندا والصين والمكسيك من الإجراءات الأولى التي اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد عودته للرئاسة في يناير (كانون الثاني) عام 2025، إذ اتهم هذه الدول بإرسال مادة “الفنتانيل” إلى الولايات المتحدة. الادعاء المذكور ضد كندا لم يكُن منطقياً ولم يستند إلى أي أساس. إلا أن دور الصين في هذه المسألة يبقى أكثر تعقيداً، إذ شهدت الولايات المتحدة، ابتداءً من عام 2015، حال تسارع كبير في انتشار وباء الجرعات الزائدة من المواد الأفيونية، مع وصول كميات من الفنتانيل، بدايةً مستوردة من الصين مباشرة، ولاحقاً مصنّعة في المكسيك بفضل استخدام مواد كيماوية أولية (سلائف) رخيصة تنتج في الصين.
وعام 2000، سجلت وفاة 17 ألف شخص في الولايات المتحدة بفعل جرعات المخدرات الزائدة، من بينهم فقط قرابة 780 شخصاً توفوا جراء تناول مواد أفيونية اصطناعية مثل الفنتانيل. وبعد عقدين من الزمن وصلت حالات الوفاة جراء الجرعات الزائدة من المخدرات إلى 92 ألف حالة. وفي منتصف عام 2023 بلغ هذا العدد ذروته مع تسجيل 111 ألف حالة وفاة على الـ12 شهراً السابقة، وكان الفنتانيل سبباً في 70 في المئة منها. لكن بدءاً من يونيو (حزيران) عام 2023، وعلى نحو غير متوقع، بدأت تلك الأرقام والنسب المروّعة بالتراجع والانخفاض. وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تقلصت نسب الجرعات الزائدة المميتة طوال الأشهر الـ12 التي سبقته بمعدل قارب الـ40 في المئة، لتصل إلى 73 ألف حالة – أي أقل بكثير من المعدل المسجل عام 2020. وتراجع عدد الوفيات الناتجة من الفنتانيل بمعدل ناهز الـ50 في المئة. وبموازاة التراجع المسجل في الولايات المتحدة، سجلت كندا تراجعاً مماثلاً.
وساد اعتقاد بداية عند بعض خبراء سياسات المخدرات يرى في هذا التحول مجرد عودة للأرقام والنسب الأساسية، وذلك بعد جائحة “كوفيد – 19″، حين أدت مشاعر الخوف والحزن ومظاهر العزلة الاجتماعية إلى زيادة حالات تعاطي المخدرات ورفع معدل الوفيات جراء الجرعات الزائدة. إلا أن توقيت التراجع لا يتوافق مع انحسار تلك الضغوطات، فهو بدأ بعد فترة طويلة من انتهاء تدابير الإغلاق المرتبطة بـ”كوفيد”، واستمرت نسب الوفيات بالانخفاض طوال عامين. وضمن مقالة نشرناها مع زملائنا كايسي فانغيلوف وهارولد بولاك وبرايس باردو في مجلة “ساينس”، وجدنا أن إمدادات الفنتانيل في كل من الولايات المتحدة وكندا تقلصت في وقت تزامن تقريباً مع تراجع معدل الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة. ولأن الفنتانيل غير القانوني المستهلك في الولايات المتحدة يُستورد بالدرجة الأولى من المكسيك، فيما الفنتانيل المستهلك في كندا يُصنع أيضاً في كندا، فإن الجدول الزمني المرتبط بهذا الأمر يطرح احتمالاً مهماً في أن تكون صدمة الإمدادات مصدرها الصين التي توفر المواد الكيماوية الأولية التي تغذي إنتاج الفنتانيل في أميركا الشمالية.
الصين هي مصدر المشكلة، لكن من المحتمل أيضاً أن تكون مصدر الحل. فالحملة الفاعلة التي تشنها السلطات الصينية على مصنعي المواد الأولية اللازمة لإنتاج مادة الفنتانيل قادرة على تقويض آفة هذه المادة المخدرة في الولايات المتحدة بصورة كبيرة. وإن كانت لدى الصين القدرة على تقييد الجهات غير القانونية والفاعلة في مجال المخدرات، فإن الأمر من الممكن أن يجعل مسألة السيطرة على الفنتانيل عنصراً دائماً من عناصر المفاوضات بين واشنطن وبكين، مما يؤدي إلى مزيد من التعاون أو التوتر، بناء على ما إذا كانت معدلات الجرعات الزائدة في حال ارتفاع أو تراجع. وفي الحالين، على الساسة الأميركيين بغية وضع سياسات ناجحة، أن يتمتعوا بفضول أكبر تجاه مصادر سلسلة توريد الأدوية والعقاقير بأكملها.
نفاد العرض
إن مشكلة الفنتانيل المصنع بطرق غير قانونية تقتصر إلى حد كبير على أميركا الشمالية. فهذه المادة دخلت إلى أسواق المواد الأفيونية غير القانونية في كندا والولايات المتحدة قرابة عام 2014 لأن تجار المخدرات في هذين البلدين وجدوا فاعلية في اعتماد الفنتانيل الرخيص بدلاً من الهيروين غالي الثمن الذي كان مهيمناً في السابق. حينها، كان الطلب على الفنتانيل محدوداً، وكان يمكن تلبيته عادة عن طريق الحصول على الفنتانيل عبر نظام الرعاية الصحية.
واستُهلك الفنتانيل بداية وفي الدرجة الأولى من قبل متعاطي الهيروين، مما أدى إلى ارتفاع كبير في معدل الوفيات في أوساطهم. وتوسعت بيئة المستهلكين المحتملين – كما ارتفعت أعداد الوفيات المرتبطة به – عندما راح المروجون وتجار المخدرات يسوقون الفنتانيل على شكل حبوب مزيفة انتشرت في أوساط من يتجنبون استخدام حقن المخدرات. كذلك، راح مروجون آخرون يمزجونه مع “الميثامفيتامين” والكوكايين اللتين لم يطور كثير من مستخدميهما قدرة على تحمل المواد الأفيونية.
وكما أسهمت عوامل متعددة في ارتفاع وفيات الفنتانيل، فمن المرجح أن يكون أكثر من عامل أسهم في تراجع هذه الوفيات اعتباراً من أواخر عام 2023. فقد ركزت التفسيرات السابقة غالباً على العوامل التي خفضت الطلب على الفنتانيل مثل تحسن خيارات العلاج، وتوسع إتاحة عقار “النالوكسون” المنقذ من الجرعات الزائدة، وتراجع التعاطي بدافع الخوف من المخدر. لكن أيّاً من عوامل الطلب عليه هذه لم يفسر بما فيه الكفاية التراجع المفاجئ والكبير في معدل الوفيات الناجمة عن استخدام المخدرات في كل من الولايات المتحدة وكندا، إذ إن النالوكسون مثلاً غدا متوافراً في صيدليات الولايات المتحدة من دون وصفة طبية عام 2023، بيد أن ذلك لم ينتج زيادة موازية في توزيعه (النالوكسون)، وفي أية حال، فإن كندا كانت اتخذت هذه الخطوة ذاتها قبل سنوات عدة، تحديداً عام 2016.
في المقابل، وعلى نحو غير متوقع، سجلت مؤشرات الإمداد التقليدية انخفاضاً تزامن تقريباً مع تراجع معدلات الوفيات. فبدأت مضبوطات الفنتانيل لدى إدارة مكافحة المخدرات الأميركية وهيئة الجمارك وحماية الحدود بالتدني خلال النصف الثاني من عام 2023. وبالمثل، بلغ رصد الفنتانيل في التحاليل المخبرية للمخدرات المضبوطة لدى أجهزة الشرطة المحلية والتابعة للولايات ذروته في النصف الأول من العام، قبل أن يهبط بنسبة 15 في المئة خلال الأشهر الستة التالية، واستمر هذا التراجع حتى نهاية عام 2024. وانخفض أيضاً في كندا بنسبة 10 في المئة خلال النصف الثاني من عام 2023 مقارنة بالنصف الأول من هذا العام. وكان مؤشر الإمداد (أو العرض) الثالث، المتمثل في نقاء الفنتانيل المضبوط (في شكل مسحوق أو حبوب)، يرتفع على نحو مطّرد قبل يونيو (حزيران) 2023، لكنه حينها بدأ فجأة بالانخفاض، وفق “التقييم الوطني لأخطار المخدرات” الصادر عام 2025 من “إدارة مكافحة المخدرات” في الولايات المتحدة الأميركية.
والمؤشر غير التقليدي لإمدادات الفنتانيل المحظور يؤكد نظرية “صدمة الإمداد” (أو العرض). فعلى منصة التواصل الاجتماعي “ريديت” Reddit، يتيح منتدى r\fentanyl لـ38 ألف مستخدم مناقشة استعمال هذا المخدر ومشاركة النصائح المتعلقة بكيفية التعامل مع أخطاره. ومنتديات أخرى ذات صلة مثل r\heroin وr\opiates، تتضمن أيضاً في بعض الأحيان مناقشات تتناول الفنتانيل. وقد دققنا في تلك المناقشات بحثاً عن إشارات إلى نقص الفنتانيل أو شحه. وقبل سبتمبر عام 2023، كانت هذه الإشارات نادرة، لكنها ارتفعت بصورة حادة لتصبح أكثر بنحو 15 مرة قبل نهاية العام. ولم يظهر ارتفاع مماثل في الحديث عن نقص مخدرات أخرى مثل الميثامفيتامين، مما يشير إلى أن صعوبة الحصول على الفنتانيل كانت المشكلة الأبرز لدى مستخدمي “ريديت”.
ومن الممكن أن تكون عوامل عدة أسهمت في حدوث صدمة بإمدادات الفنتانيل. ففي المكسيك، قام أحد الأجنحة القوية في “كارتيل سينالوا” الذي تعده الحكومة الأميركية المنتج الأساس للفنتانيل المتجه إلى الولايات المتحدة، بالإعلان على الملأ في يوليو (تموز) عام 2023 بأنه يحظر المختبرات المستقلة من إنتاج الفنتانيل وبيعه في مناطق نفوذه. وبعد ذلك بوقت قصير قامت مختبرات مستقلة صغيرة بإغلاق أبوابها فعلاً، كما عثر على بعض المنتجين المستقلين لهذا المخدر، ميتين. وإضافة إلى هذا، كانت “إدارة مكافحة المخدرات” و”جهاز الجمارك وحراسة الحدود” في الولايات المتحدة يرفعان مزيداً من القضايا ضد المهربين الكبار، مما قد يكون صعّب عمليات تهريب الفنتانيل وأعاق عمليات إيصاله وتوزيعه في الولايات المتحدة.
إلا أن تلك التطورات التي حصلت مع “كارتيل سينالوا” لا تفسر على نحو وافٍ سبب انخفاض جرعات الفنتانيل الزائدة والمميتة في كندا أيضاً، حيث يُنتج الفنتانيل المحظور محلياً في الدرجة الأولى، ولا يستورد من المكسيك أو الولايات المتحدة، إذ إن إنتاج الفنتانيل الكندي يستخدم مواد كيماوية أولية من الصين، تماماً كما يفعل المنتجون المكسيكيون (المواد الأولية في أميركا الشمالية تخضع لرقابة صارمة بالتالي ليست لها أسواق شرعية. فيما تملك الصين بالمقابل، قطاع صناعة الكيماويات الأكبر في العالم وهي لا تفرض عليه قيوداً متشددة). لذلك يبدو ممكناً أن تكون هذه الاتجاهات الانحدارية في إمدادات الفنتانيل وفي الجرعات الزائدة المميتة متصلة بانخفاض تدفقات المواد الأولية الكيماوية الوافدة من الصين.
التحكم بالكيمياء
في الحقيقة ليست هناك طريقة للقيام بتحليل دقيق لتدفق المواد الأولية الكيماوية من دون الحصول على معلومات من بكين. والوصول إلى بيانات شفافة وموثوقة في شأن السلوك الذي تنتهجه الحكومة الصينية هو عموماً مهمة دونها تحديات، وذاك مماثل أيضاً في ما يتعلق بتصرفاتها إزاء منتجي المواد الأولية. فالسلطات الصينية تود صون سمعتها في مسألة اتخاذ القرارات المستقلة، ولا تريد الظهور كمن يتصرف بناء على طلبات الحكومة الأميركية، إذ في مطلع العقد الأول من القرن الـ21 مثلاً، شددت الصين التدابير والقوانين البيئية، لكنها نادراً ما أبرزت خطواتها وتحركاتها خلال المفاوضات الدولية في هذا السياق.
ومع هذا، في مايو (أيار) عام 2019، قامت الصين بإضافة الفنتانيل إلى لائحة المواد الخاضعة للرقابة التي تعتمدها، مما أعاق الإنتاج المحلي لهذا المخدر (ولكن ليس المواد الأولية الكيماوية المطلوبة لإنتاجه). ويبدو أن تلك السياسة أدت إلى حد كبير إلى وقف الاستيراد المباشر للفنتانيل من الصين إلى أميركا الشمالية. ثم، ابتداء من عام 2023، بدا أن السلطات الصينية فرضت أيضاً قيوداً صارمة على تصنيع المواد الأولية المطلوبة لإنتاجه. وفي ذلك العام، وجد المكتب الدولي لمكافحة المخدرات التابع لوزارة الخارجية الأميركية أن السلطات الصينية حققت في 274 حالة وصادرت قرابة 1000 طن من المواد الكيماوية الأولية. وهذا يمثل زيادة بنسبة 42 في المئة مقارنة بعام 2022. وسجلت أيضاً في الإطار ذاته جهوداً لإغلاق مواقع إلكترونية تنشر إعلانات للمواد الكيماوية الأولية.
وفي النصف الثاني من عام 2023، فيما راحت العلاقات الأميركية – الصينية تتعافى من التوتر الذي سببته زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى تايوان قبل سنة، بدأت الصين باتخاذ تدابير إضافية لضبط المواد الأولية، بمفردها وأيضاً بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة. وعززت أجهزة إنفاذ القانون الصينية في هذا السياق تدابير إدارة المواد الكيماوية الأولية والإشراف عليها، بما في ذلك عبر تحسين إجراءات الحصول على رخص، وزيادة عمليات التفتيش وتطبيق تقنيات جديدة للضبط والمراقبة. وبعد الاجتماع بين الرئيس الأميركي جو بايدن والزعيم الصيني شي جينبينغ في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023، اتفق الطرفان على التعاون في جهود مكافحة المخدرات. وأصدرت الهيئة الوطنية الصينية لمكافحة المخدرات في الإطار تحذيراً من توريد المواد الأولية، خصوصاً إلى أميركا الشمالية. كذلك عززت الحكومة الصينية تدابير ضبطها لمواد إنتاج الفنتانيل الأولية بغية الامتثال لمعاهدات الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات (ولم تمتثل بكين تماماً لتلك المعاهدات إلا في يونيو عام 2025). وبحسب إدارة مكافحة المخدرات الأميركية فإن هذه الخطوات التي اتخذتها السلطات الصينية ربما تكون جعلت منتجي المواد الأولية الصينيين حذرين من توريد هذه المواد الأولية الخاضعة للضبط والرقابة، إلى زبائن دوليين.
لكن أيضاً لا يمكن استبعاد تفسيرات أخرى استبعاداً كاملاً. فانخفاض معدل الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة في الولايات المتحدة بدأ قبل وقت قصير من بدء إجراءات الضبط والتنظيم في الصين، وإن كان بعضهم يرى أن العمليات الواسعة في النصف الثاني من عام 2023 لا بد من أنها سُبقت بجهود تمهيدية. إلى ذلك، يؤكد محللون في السياسة الخارجية أمثال فاندا فيلباب – براون، مديرة مبادرة “معهد بروكينغز” الخاصة بالجماعات المسلحة غير الحكومية، أنه لو كانت بكين مسؤولة عن تقليص وباء الفنتانيل في الولايات المتحدة، لكان المسؤولون الصينيون منذ البداية أعلنوا ذلك على الملأ.
إلا أن بكين، من الناحية الأخرى، كانت لديها بعض الدوافع لإبقاء جهودها خارج نطاق التداول العام، فلو أعلنت نجاحها وأشادت به، تكون اعترفت ضمنياً بما سبق من فشل في التحكم بصادراتها من الفنتانيل. وحتى لو ساعدت الإجراءات الصينية الآن في هذه المسألة، فإن تدفق الفنتانيل إلى أميركا الشمالية لم يكبح كلياً، وترمب ربما لا يزال يستخدم مسألة تورط الصين في الفنتانيل لتبرير فرضه الرسوم الجمركية. ففي النهاية حقيقة أن كندا لا تصدر كميات كبيرة من الفنتانيل إلى الولايات المتحدة لم تمنع الرئيس من فرض رسوم جمركية على الواردات الآتية من هذا البلد الجار.
كذلك من المحيّر أيضاً أن يكون الانخفاض في معدل الوفيات الناجمة عن جرعات الفنتانيل الزائدة استمر لفترة طويلة جداً. فجهود الضبط والسيطرة لا تؤدي في العادة إلى تقليص الإمدادات بمعدلات كبيرة وعلى مدى فترات طويلة كهذه، لأن منتجي المخدرات والمتاجرين بها يميلون إلى التكيف بسرعة. وتراجع إمدادات المواد الأولية من الصين، سيؤدي نظرياً إلى التحول لاستيراد هذه المواد الأولية من أماكن أخرى. الهند مثلاً هي البلد الذي يحتل المرتبة الثانية في العالم بصناعة الأدوية. لكن على رغم أن الهند أكثر شفافية وأفضل حالاً في مسألة المراقبة مقارنة بالصين، فإنها تبقى أقل اتساقاً من ناحية التنظيم، وتعاني أيضاً الفساد حتى. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة تذكر على أن الهند أصبحت مصدراً منتظماً لمنتجي الفنتانيل في أميركا الشمالية.
ومن المحتمل أيضاً أن تكون جهود متزامنة، وإن كانت مستقلة، في كل من كندا والمكسيك أسهمت في عرقلة إنتاج الفنتانيل، مما أدى إلى تراجع معدلات الوفيات. فقد حققت أجهزة إنفاذ القانون الكندية نجاحات لافتة، شملت مصادرة قياسية للمواد الأولية عام 2022، وإغلاق عدد من “المختبرات العملاقة”، ولا سيما منذ عام 2024، غير أن التحولات في مؤشرات الإمداد الكندية لا تتطابق تماماً مع نظيراتها في الولايات المتحدة، ولا تسجل الانعطاف ذاته في التوقيت نفسه.
إعرف عدوك
لكن مع ذلك، فإن الوجهة العامة توحي بتدخل بكين في ما يحصل. والتفكير بدور صيني في مسألة الحد من وباء الفنتانيل بأميركا الشمالية هو أمر مهم. وإن كانت الإجراءات الصينية للسيطرة على إمدادات المواد الأولية الكيماوية أسهمت في الانخفاض الأحدث بمعدل الوفيات الناجمة عن جرعات الفنتانيل الزائدة، فإنها قد تشكل مثالاً نادراً على تعاون هادئ يقوم بين القوى العظمى وينقذ حياة عشرات آلاف البشر. كذلك، من الممكن أن يعكس هذا الدور ديناميكيات داخلية في نظام الحكم الصيني، وهي ديناميكيات يجدر بالمحللين السعي إلى فهمها على نحو أعمق.
للأسف هناك عوامل سياسية داخل الولايات المتحدة قد تعوّق، وعلى نحو غير منطقي، محاولات فهم احتمال أن تكون الجهود الصينية أثرت في أزمة الفنتانيل الأميركية. ويعتقد بعض المسؤولين البارزين المنتخبين في واشنطن ببساطة بأن إمداد الولايات المتحدة بالفنتانيل الرخيص يشكل جزءاً من حملة الصين ضد منافستها الاستراتيجية الأبرز، أميركا. كما أن قطاعي الصحة العامة والأكاديميا يرفضان عموماً أية سياسات تهدف إلى السيطرة على إمدادات المخدرات غير المشروعة. ولقد جاءت الحرب المفرطة على المخدرات – خصوصاً المعدلات الكبيرة لمدد احتجاز الأفراد التي فرضتها، وبصورة غير متناسبة في أوساط الأقليات العرقية – لتلقي بظلالها على مجموعة كاملة من سياسات السيطرة على الإمدادات. وهذه الأصوات المؤثرة بالتالي تتجنب إعطاء الفضل لتدابير السيطرة على المواد الأولية، وحتى للنجاحات المتواضعة في هذا المجال.
وإن لم تكُن إجراءات الصين أدت إلى تقييد إمدادات الفنتانيل، فإن اللغز المفضي إلى تقليص معدل الوفيات لا يسهم إلا في تأكيد مدى ضآلة فهم واشنطن وبكين للقوى التي تحاولان التعامل معها وإدارتها. وهذا في جزء منه يعكس التلكؤ الاستثنائي للإدارات الديمقراطية والجمهورية على حد سواء في مسألة الاستثمار ببرامج مراقبة منتظمة يمكنها توفير فهم عميق لديناميكيات أسواق المخدرات. والمدهش هنا أنه حتى مع ارتفاع معدلات جرعات المخدرات الزائدة إلى مستويات كارثية، فقد جرى الاستغناء عن بعض برامج المراقبة والضبط الأساسية. إلا أن أنظمة البيانات التي شهدت تحسناً في المقابل من شأنها مساعدة البلدان في فهم السلاسل الدولية لإمدادات المخدرات غير المشروعة وكبحها، خصوصاً إن طبقت تلك الأنظمة بالتعاون مع المجتمع الدولي، على أن الأمر المؤكد يبقى أن الفنتانيل لم يعُد مجرد حال طوارئ صحية عامة، بل هو تذكير بأنه في عالم مجزأ مثل عالمنا الراهن، حتى الكيمياء باتت لعبة جيوسياسية.
بيتر رويتر هو أستاذ جامعي بارز في كلية السياسات العامة وقسم دراسات علم الجريمة بـ”جامعة ميريلاند”.
جوناثان كولكينس هو أستاذ جامعي بكرسي هـ. غايفورد ستيفر لأبحاث العمليات والسياسات العامة في كلية هاينس كوليدج بجامعة “كارنيغي ميلون”.
كيث هامفريس هو أستاذ في كرسي إستير تينغ التذكارية بقسم علم النفس والعلوم السلوكية في “جامعة ستانفورد”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 30 أبريل (نيسان) 2026