هل تتمكن واشنطن من استثمار النافذة الديبلوماسية قبل حلول الشتاء، أم أن تعقيدات الحرب الروسية- الأوكرانية ستدفع بالمواجهة إلى موسم جديد من القتال؟
د. خالد العزي*
عاد التحرك الأميركي إلى واجهة الحرب الروسية-الأوكرانية، مع زيارة مبعوثَي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو ثم كييف الأسبوع الماضي، وطرح أفكار تهدف إلى إعادة إطلاق المفاوضات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة.
ولهذا، فإن السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب قد لا يكون “سلاماً شاملاً”، وإنما التوصل إلى هدنةٍ مرحلية أو وقفٍ متدرج لإطلاق النار، يترافق مع تبادل الأسرى، وحماية منشآت الطاقة، وترتيبات إنسانية، قبل الانتقال إلى مفاوضات سياسية أوسع.
واعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن المبعوثين الأميركيين قدما “أفكاراً جيدة”، في حين قالت موسكو إنها تأمل استئناف المحادثات قريباً، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل أساسي: هل تستطيع واشنطن دفع موسكو وكييف نحو تسوية توقف الحرب وتضع حداً لنزيف الدم، أم أن الخلافات العميقة ستبقى أقوى من المبادرات الديبلوماسية؟
هل يتوقف نزيف الدم قبل الشتاء؟
أصبح الوقت عاملًا بالغ الأهمية في هذه الحرب. فكلما اقترب فصل الشتاء، ارتفعت كلفة استمرار المواجهة، خصوصاً مع تصاعد الضربات الجوية واستهداف البنية التحتية وشبكات الطاقة.
ومن هنا تبدو الفترة القادمة، نافذةً ديبلوماسية يمكن استثمارها للتوصل، في مرحلة أولى، إلى وقف لإطلاق النار أو إجراءات لخفض التصعيد، قبل الانتقال إلى الملفات السياسية الأكثر تعقيداً.
وقد تحدث زيلينسكي عن إمكان اتخاذ خطوات لخفض التصعيد خلال الشتاء وإعادة إطلاق المفاوضات، بما يعكس إدراكاً أن استمرار الحرب لن يؤدي بالضرورة إلى تحقيق أهدافها، بل قد يزيد الخسائر ويعمق الأزمة.
لكن وقف القتال لا يعني بالضرورة الوصول إلى السلام النهائي، فهناك فرق بين هدنة موقتة وتسوية سياسية تنهي الحرب وتحدد مستقبل العلاقات بين موسكو وكييف.
القضايا الأصعب في طريق التسوية
تبقى القضايا العالقة بين الطرفين من أبرز العقبات أمام أي اتفاق. فروسيا تريد تحقيق مكاسب وأهداف تقول إنها لم تتمكن من تحقيقها خلال سنوات الحرب الخمس، بينما تتمسك أوكرانيا بموقفها الرافض للتنازل عن أراضٍ إضافية.
وتأتي قضايا الأراضي والحدود والضمانات الأمنية لأوكرانيا ومستقبل علاقتها بحلف شمال الأطلسي، إضافة إلى العقوبات المفروضة على روسيا، في مقدم الملفات الأكثر تعقيداً، ويمكن لأي منها أن يعطل الاتفاق إذا لم تجد الأطراف صيغة مقبولة للتعامل معه.
كما تريد موسكو أن تتضمن التسوية معالجة ما تعتبرها الأسباب الجوهرية للحرب، بينما ترفض كييف تقديم تنازلات إضافية في مسألة الأراضي، خصوصاً في ظل صمودها وقدرتها على الحفاظ على توازن نسبي في المعادلة العسكرية والسياسية بين الطرفين.
هل تستطيع واشنطن الضغط على الطرفين؟
تمتلك الولايات المتحدة أوراق ضغط مهمة حيال الطرفين، فهي تستطيع ممارسة الضغط على موسكو عبر العقوبات والعلاقات الاقتصادية والسياسية، وفي الوقت نفسه التأثير في كييف بحكم الدعم العسكري والمالي الذي تحتاج إليه.
لكن نجاح الوساطة يتطلب ألا تتحول واشنطن إلى طرف يفرض التسوية على أحد الجانبين، لأن أي اتفاق لا يحظى بقبول روسي وأوكراني سيكون معرضاً للانهيار.
كما أن أوروبا لن تكون بعيدة من أي تسوية، لأن الأمن الأوروبي سيكون أحد أهم نتائجها، ولأن الدول الأوروبية تقدم دعماً كبيراً لأوكرانيا، ما يجعلها طرفاً أساسياً في أي ترتيبات مستقبلية.
في نهاية المطاف، قد لا يكون المطلوب في المرحلة الأولى التوصل إلى اتفاق سلام شامل، بل وقف نزيف الدم وفتح الطريق أمام مفاوضات جادة تعالج الملفات الأكثر تعقيداً.
فإيقاف الحرب، ولو بصورة مرحلية، يمكن أن يكون المدخل الواقعي نحو تسوية أوسع، إذا استطاعت الولايات المتحدة جمع المصالح المتعارضة ووضع موسكو وكييف أمام خيار سياسي أقل كلفة من استمرار الحرب.
ويبقى السؤال: هل تتمكن واشنطن من استثمار هذه النافذة الديبلوماسية قبل حلول الشتاء، أم أن تعقيدات الحرب ومواقف الطرفين ستدفع بالمواجهة إلى موسم جديد من القتال، بما يحمله ذلك من مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية؟
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية