-
رشا النداف… الجمهورية .نت
-
-
-
مطلعَ هذا الشهر، كشفَ مستشار الأمن القومي العراقي قاسم العبودي، أن الوفدين السوري والعراقي عقدا اجتماعاً مع الجانب الأميركي على هامش اجتماع التحالف الدولي ضد «داعش» في روما، وناقشا مصيرَ المحتجزين. وفي هذا الاجتماع طلب الجانب السوري تسليم نحو أربعة آلافِ سوريٍّ لمحاكمتهم داخل البلاد، لكنّ العراق رفض التسليم الجماعي، إذ قال قاسم العبودي لـ«أسوشيتد برس» إن العراق يُجري تحقيقات، وإن «كلَّ من يثبت ارتكابه جرائم في العراق سيُحاكم وفق القانون العراقي».
فيما كان القضاء العراقي قد أعلن سابقاً، في بيان مطلع أيلول (سبتمبر) 2026، استكمالَ التحقيق واستجوابَ 5.704 محتجزين نُقلوا من شمال شرقي سوريا، وأنَّ بعض الملفات تتعلَّق بجرائم ارتُكبت بحق ضحايا عراقيين، بينها قضايا تخصُّ إيزيديين، إذ إن التحقيقات كشفت معلومات عن «جرائم جسيمة ذات بعد دولي» بحق المجتمع الإيزيدي، وأنه حدَّد ستة متهمين وردت في ملفاتهم أدوار مباشرة في سبي إيزيديات أو احتجازهن أو نقلهن أو بيعهن أو الإشراف عليهن أو الاستفادة من نظام الاسترقاق.
تعود بداية المسار إلى 18 كانون الثاني (يناير) 2026، حين وقّعت الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» اتفاقاً لوقف إطلاق النار والاندماج، نصَّ على دمج الإدارة المسؤولة عن سجناء ومخيمات «داعش»، والقوات المكلَّفة بحراستها، ضمن مؤسسات الدولة السورية، لتتولَّى سلطة دمشق المسؤولية القانونية والأمنية عنها. لكن انتقال السجون لم يجرِ وفقَ عملية تسليم مُنظّمة. فبعد الاتفاق بيوم واحد، تجدَّدت المواجهات وفقدت «قسد» السيطرة على سجن الشدادي، وسط روايتين متعارضتين: قالت «قسد» إن قواتٍ مرتبطةً بسلطة دمشق هاجمت المنشأة، بينما نفت وزارة الدفاع في السلطة السورية ذلك واتَّهمتها بترك السجن والسماح بفرار محتجزين.
مسؤول أميركي تحدَّث إلى وكالة رويترز حينها قال إن حراس «قسد» غادروا المنشأة، وفرّ نحو 200 من عناصر التنظيم ذوي الرتب المنخفضة، قبل أن تستعيد القوات الحكومية عدداً كبيراً منهم. وقدَّمت وزارة الداخلية السورية رقماً أقل، مُعلِنةً فرار نحو 120 محتجزاً وإعادة اعتقال 81 منهم.
في 21 من الشهر نفسه بدأت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» عملية نقل المحتجزين إلى العراق، حيث وافق مجلس الأمن الوطني العراقي على استقبال المحتجزين بالتنسيق مع التحالف الدولي لمنع هروب المحتجزين قرب الحدود العراقية. تسلّم الجنود الأميركيون الرجال والفتيان ميدانياً من حراس «قسد»، ثم نقلتهم القوات الأميركية براً وجواً إلى الأراضي العراقية. استمرت العملية 23 يوماً وانتهت في 12 شباط (فبراير)، وبلغ العدد النهائي الذي سجله القضاء العراقي 5.704 محتجزين.
بدأت محكمة تحقيق الكرخ الأولى والأجهزة العراقية تدقيق الهويات والاستجواب وجمع الأدلة. أظهرت الأرقام الأولية وجود 3.543 سورياً، وبعد التدقيق ظهر رقم 3.497 سورياً، إضافة إلى 474 عراقياً وعشرات الجنسيات الأخرى. ففي 1 أيلول (سبتمبر) أعلن القضاء العراقي اكتمال استجواب جميع المحتجزين. وقال إن الأدلة لم تكن كافية لاستمرار الإجراءات بحق 457 سورياً، وبدأ استكمال ترتيبات إطلاق سراحهم وتسليمهم إلى سوريا. وفي تشرين الأول (أكتوبر) قال مستشار الأمن القومي العراقي في تصريح لوكالة أسوشيتد برس إن نحو 50 سورياً أُعيدوا فعلياً بعدما تبيّن أنهم ليسوا أعضاء في «داعش». ولم تُعلِن بغداد حصيلةً نهائيةً أو مصيرَ بقية المشمولين بالقرار، الذين يُفترض أنهم ظلوا بانتظار استكمال إجراءات التسليم.
منذ ربيع 2026، نظّم أهالي المحتجزين وقفات متكررة أمام وزارة الخارجية وفي ساحة الأمويين بدمشق، إضافة إلى احتجاجات في ريف الحسكة ودير الزور، ثم أمام السفارة العراقية في دمشق في تشرين الأول (أكتوبر)، وطالبوا بقوائم رسمية لأسماءِ المنقولين وأماكن احتجازهم، وتمكين العائلات من التواصل معهم، وإعادة السوريين لمحاكمتهم داخل البلاد.
في أول ردٍّ مباشر خلال اعتصام نيسان (أبريل)، دعا مدير إدارة الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية، قتيبة إدلبي، الأهالي إلى تسجيل أسماء أبنائهم عبر منصات الوزارة وتشكيل لجان لمتابعة الملف. لكن المحتجين اعتبروا ذلك استمراراً للمماطلة، بسبب عدم صدور قوائم رسمية أو نتائج ملموسة في حينه.
وفي الحسكة، التقى مسؤولون محليّون عائلات المحتجزين، وقالوا إن الملف «على رأس الأولويات» بحسب تقرير لعنب بلدي، ووعدوا بجمع الأسماء ورفعها إلى الجهات المختصة ومتابعة أوضاع من نُقلوا إلى العراق. كما أفادت تقارير لاحقة بأن الخارجية تلقَّت مطالب الأهالي، ومنها إرسالُ وفدٍ إلى سجن الكرخ والكشف عن أسماء المرحّلين واستعادتهم، لكن لم تُعلن نتائج زيارة رسمية للسجن أو آلية تواصل منتظمة مع العائلات.
كما أعلنت وزارة العدل إرسالَ لجانٍ قضائية إلى شمال شرقي سوريا مطلع العام والتعهُّد بفحص الملفات، لكن لم تنشر الحكومة آليةً خاصةً لمحاكمة عناصر التنظيم أو تفاصيل عن المحاكم والنيابات والسجون التي ستتولى الملف.
يُفرّق جلال الحمد، وهو باحثٌ في حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، بين السوريين الذين تتوافرُ أدلةٌ على ارتكابهم جرائم داخل العراق أو بحق عراقيين، وبين من لم تثبُت بحقهم جرائم من هذا النوع. ويقول إن من حقِّ العراق محاكمة أفراد الفئة الأولى أمام قضائه، بينما يحقُّ لسوريا المطالبة بتسلُّم مواطنيها الذين لم يرتكبوا جرائم تقع ضمن اختصاص القضاء العراقي، ومن بينهم أشخاصٌ لم تُثبِت التحقيقات العراقية أصلاً انتماءهم إلى تنظيم «داعش» أو لم يرتكبوا جرائم على الأراضي العراقية أو ضدَّ مواطنين عراقيين.
لكن الحمد يُشدِّد على أنَّ تحديد جهة المحاكمة لا يُنهي المخاوف المتعلقة بحقوق المحتجزين، موضحاً أنَّ «المحاكمات في العراق قد تشُوبها مشكلات تتعلق بضمان المحاكمة العادلة، وعدم التعرض للتعذيب أو تهديد الحق في الحياة»، وأنَّ هذه المخاوف «موجودة في البلدين». وكانت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية قد حذَّرتا من احتمال التعذيب والمحاكمات غير العادلة وصدور أحكام بالإعدام في العراق، وطالبتا بفحص المسؤولية الجنائية لكلِّ متهمٍ على حدة، وضمان الوصول الفعلي إلى المحامين والمترجمين، واستبعاد الاعترافات المنتزعة بالتعذيب أو سوء المعاملة. وتزداد هذه المخاوف، وفق هيومن رايتس ووتش، بسبب اتِّساع الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب العراقي وإمكانية فرض الإعدام أو السجن المؤبد على أفعال مُعرّفة بصورة فضفاضةٍ، بصرف النظر عن جسامة الفعل أو شكل المشاركة فيه.
وهذا الخطر لا يُمكن استبعاده من حيث المبدأ في سوريا أيضاً. لذلك، يرى الحمد أن حقوق المحتجزين وضمانات المحاكمة العادلة يجب أن تؤخذ في الحسبان بصرف النظر عن الدولة التي ستتولى التحقيق والمحاكمة. كما يوضِّح أن التشريع السوري لا يُجرِّم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بوصفها جرائم مستقلة، وإن كان يسمح بملاحقة عددٍ من الأفعال المكوّنة لها، مثل القتل والخطف والتعذيب. وهذه الثغرات لا تمنع السلطة السورية من المطالبة بالمحتجزين السوريين، لكنها تُثير أسئلةً بشأن التكييف القانوني للجرائم وقدرةِ المحاكمات على معالجة المسؤولية الفردية لكلِّ متَّهمٍ، بدلاً من الاقتصار على تُهم الإرهاب أو الجرائم الجنائية العادية.
وبحسب الحمد، تبقى المشكلة الأساسية في غياب الشفافية عن التحقيقات والمحاكمات والمفاوضات المتعلِّقة بالتسليم: «لا توجد شفافية كاملة فيما يخص المحاكمات والإجراءات والتحقيقات، وحتى قرار تسليمهم إلى سوريا، فالرأيُ العام لا يطّلع عليها». ولذلك، يرى أنَّ إدارة الملف تقتضي أولاً الفصل بين من يُشتبه بارتكابهم جرائم داخل العراق أو بحق عراقيين، وبين من لا تتوافر بحقهم أدلةٌ من هذا النوع، مع تحديد جهة الاختصاص لكلِّ ملفٍ وضمان محاكمة فردية وعادلة، سواء جرت في العراق أم في سوريا.
ويظلُّ مدى جاهزيةِ القضاء السوري لاستقبال آلاف الملفات، والحصول على الأدلة الموجودة لدى العراق والتحالف و«قسد»، والتحقيق في الجرائم العابرة للحدود، سؤالاً قائماً في ظلِّ عدم إعلان دمشق خطةً قضائيةً تفصيليةً لهذا الملف.
-