تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • محسن رضائي… جنرال حروب وصانع سلام محتمل
  • مقالات رأي

محسن رضائي… جنرال حروب وصانع سلام محتمل

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026 تمت قراءة 1 دقيقة

 

رويترز

رويترز
محسن رضائي، يحضر مراسم وداع المرشد السابق أقيمت للوفود الدولية في مصلى الإمام الخميني الكبير بطهران في 3 يوليو 2026
أليكس فاتانكا…. المجلة

بعد عقود من الانتكاسات السياسية، يعود القائد السابق لـ”الحرس الثوري” الإيراني، محسن رضائي، إلى قلب السلطة. فهل دفعته ظروف الحرب إلى الواجهة مصادفة، أم إن المراقبين ظلوا يستخفّون بقدراته طوال هذه السنوات؟

في عام 1981، عُيّن الثوري الشاب محسن رضائي (وكان في السابعة والعشرين من عمره) قائدا لـ”الحرس الثوري” الإيراني، بضغط من أحمد الخميني، نجل آية الله روح الله الخميني، دون أن يكون ثمة إجماع حوله

وبعد خمسة وأربعين عاما، أعادته أزمة جديدة في القيادة الإيرانية إلى قلب السلطة. فالقائد السابق، البالغ اليوم اثنتين وسبعين سنة، يشغل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الهيئة الرئيسة المعنية بتنسيق شؤون الأمن القومي في إيران. وقد وجّه إليه نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، رسالة مباشرة يدعوه فيها إلى استئناف المفاوضات. وفي واشنطن، يُقال إن مسؤولين استخباراتيين يرونه الشخصية الأقدر على تأمين موافقة طهران على اتفاق.

إنها عودة استثنائية لرجل انتهت طموحاته الرئاسية مرارا بهزائم مهينة، وتحولت وصفاته الاقتصادية إلى مادة للتندر. ومع ذلك، استطاع رضائي تجاوز الانتكاسات السياسية، والجدل حول قراراته العسكرية، والتحولات في القيادة التي أنهت مسيرة كثيرين غيره. وتثير عودته سؤالا أوسع عن طبيعة النفوذ في الجمهورية الإسلامية اليوم: هل يستند إلى شرعية شعبية، أم إلى شبكة علاقات تُنسج وتُراكم عبر عقود؟ وفي حالة رضائي، تبدو العلاقات هي التي ترجّح الكفة.

القائد الذي بنى مؤسسة

وُلد رضائي عام 1954 في محافظة خوزستان. ويروي في مذكراته أنه كان يرعى الأغنام في الثامنة من عمره حين أقنعه رجل غريب بالالتحاق بمدرسة ليلية. وأصبحت هذه الحادثة جزءا من الرواية التي يحرص على تقديمها عن مسيرته: فتى فقير من الأقاليم شق طريقه بالتعليم والنضال الثوري وقوة الإرادة.

انضم قبل ثورة عام 1979 إلى جماعة “منصورون” الإسلامية السرية، ثم أسهم بعد الثورة في تأسيس الجهاز الاستخباراتي لـ”الحرس الثوري”. وكان من رفاقه الأوائل علي شمخاني، وهو ثوري آخر من خوزستان، أصبح لاحقا أحد أبرز رجال المؤسسة الأمنية الإيرانية.

وفي عهد رضائي، تطور “الحرس الثوري” من قوة ثورية محدودة التنظيم إلى مؤسسة عسكرية تمتلك قوات برية وبحرية وجوية خاصة بها. ومنحته الحرب العراقية-الإيرانية سلطة استثنائية، وأتاحت له بناء شبكة راسخة من القادة الذين تدرجوا في مسيرتهم العسكرية تحت إمرته. وكان من بينهم رجال تولوا لاحقا أرفع المناصب الأمنية، وفي مقدمتهم قاسم سليماني. وقد أثبتت العلاقات التي نشأت خلال الحرب أنها أطول عمرا وأشد رسوخا في موازين السلطة من قيادته العسكرية نفسها.

غير أن سنوات الحرب أفرزت خصومات حادة؛ فقد اصطدم رضائي مرارا بأكبر هاشمي رفسنجاني وحسن روحاني بشأن الاستراتيجية العسكرية، وتوزيع الموارد، والعلاقة بين “الحرس الثوري” والسلطات المدنية. كما تنازع مع قادة الجيش النظامي على صلاحيات القيادة والسيطرة على العمليات.

ولا تزال عملية “كربلاء 4” الكارثية، التي شُنّت في ديسمبر/كانون الأول 1986، من أكثر المحطات إثارة للجدل في سجله العسكري. وبعد عقود، أثار رضائي غضب المحاربين القدامى وعائلات القتلى حين ألمح إلى أن العملية كانت خدعة عسكرية لتضليل العراق. واتهمه منتقدوه بمحاولة تبرير قرارات باهظة الكلفة البشرية بأثر رجعي.

على أن إرثه يتجاوز سجل المعارك التي قادها؛ فقد أسهمت سنوات قيادته في ترسيخ مكانة “الحرس الثوري” مؤسسة قادرة على بسط نفوذها خارج إيران. وكان الانتشار الإيراني المبكر في لبنان عام 1982، الذي أسهم في نشأة “حزب الله”، قد جرى اسميا تحت قيادته. وينتمي رضائي إلى الجيل الذي شرع في ترجمة الأيديولوجيا الثورية إلى نفوذ عسكري إقليمي.

الجنرال الذي أصبح خبيرا اقتصاديا

في عام 1997، استبدل علي خامنئي برضائي يحيى رحيم صفوي في قيادة “الحرس الثوري”، بعد وقت قصير من الفوز المفاجئ للمرشح الإصلاحي محمد خاتمي في الانتخابات الرئاسية. وكان رضائي قد دعم منافس خاتمي المحافظ المتشدد علي أكبر ناطق نوري، ولذلك فُسرت إقالته على نطاق واسع بأنها انتكاسة سياسية.

لكن رحيله كشف عمق التأييد الذي كان يحظى به داخل “الحرس الثوري”؛ فقد وقّع أربعة وثلاثون قائدا رسالة تشيد به، في احتجاج ضمني على إبعاده. وكان قاسم سليماني من بين الموقعين، وقد أضفى صعوده اللاحق أهمية أكبر على شبكة العلاقات التي نشأت خلال الحرب.

غير أن خامنئي لم يُبعد رضائي عن دوائر السلطة؛ فقد تولى منصب أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام، المؤسسة التي تسهم في تسوية الخلافات التشريعية ورسم السياسات الطويلة الأمد، وبقي في المنصب أربعة وعشرين عاما.

ولهذا الفارق دلالته؛ فقد خسر رضائي قيادة المؤسسة التي أسهم في بنائها، لكنه احتفظ بموقع داخل النظام، وبقدرته على التواصل مع القيادة العليا، وبصلاته الممتدة في أوساط الحكم. وخلال تلك السنوات، اتسع اهتمامه بإدارة الاقتصاد، واتسعت معه طموحاته.

عاد إلى الدراسة الجامعية، وحصل عام 2000 على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة طهران. ورغم أن حصوله على الدرجة موثق، فقد أثارت ظروف دراسته جدلا سياسيا. وخلال مناظرة رئاسية عام 2021، اتهمه محافظ البنك المركزي السابق عبد الناصر همتي بالحصول على معاملة أكاديمية تفضيلية، شملت-بحسب قوله- انتقال أساتذته إلى مكتبه لإجراء الامتحانات.

وقدّم رضائي نفسه خبيرا اقتصاديا قادرا على إنقاذ إيران من سوء الإدارة المزمن. وتضمنت مقترحاته الفيدرالية الاقتصادية، وإعانات نقدية سخية، ووعودا طموحة بشأن العملة الإيرانية. وخلال حملته الانتخابية عام 2021، تعهد بصرف 450 ألف تومان شهريا لأربعين مليون مواطن، وأشار إلى قدرته على جعل العملة الإيرانية من أقوى العملات في المنطقة.

وأثارت وعوده موجة من السخرية، شأنها شأن محاولاته المتكررة للوصول إلى الرئاسة. فقد انسحب قبيل انتخابات 2005، ثم خاض الانتخابات وخسر في أعوام 2009 و2013 و2021. وفي السباق الأخير، تجاوز عدد الأصوات الباطلة الأصوات التي حصل عليها، والبالغة نحو 3.4 مليون صوت.

ومع ذلك، لم تُطفئ الهزائم الانتخابية جذوة طموحه؛ ففي عام 2021، عيّنه الرئيس إبراهيم رئيسي نائبا للرئيس للشؤون الاقتصادية، غير أن ولايته انتهت عام 2023 من دون أن يتحقق التحول الاقتصادي الذي وعد به.

وكان التناقض صارخا: أخفق رضائي في إقناع الناخبين بقدرته على الحكم، فيما واصل القادة المتعاقبون إيجاد مواقع له داخل السلطة. ولعلهم رأوا أن إبقاء قائد سابق طموح داخل خيمة النظام أكثر أمانا من تركه خارجها.

 

الأصدقاء والخصوم و”المرشد الأعلى” الجديد

يصعب فهم عودة رضائي إلى واجهة السلطة من دون النظر إلى الخسائر الفادحة التي مُنيت بها القيادة الإيرانية خلال حرب عام 2026؛ فقد قُتل علي خامنئي وعلي شمخاني وحسين سلامي وعلي لاريجاني، إلى جانب عدد كبير من كبار القادة العسكريين. ووجدت النخبة السياسية التي نجت من الحرب نفسها أمام نقص مفاجئ في الشخصيات ذات الذاكرة المؤسسية والخبرة في إدارة الأزمات الوطنية.

وكان رضائي يجمع بين هاتين الميزتين؛ ففي مارس/آذار، عيّنه مجتبى خامنئي مستشارا عسكريا، ثم اختاره في أغسطس/آب ممثلا له في المجلس الأعلى للأمن القومي. وبعد ذلك، عيّنه الرئيس مسعود بيزشكيان أمينا للمجلس، وفقا للعرف الذي يجمع بين الأمانة العامة وعضوية المجلس ممثلا لـ”المرشد الأعلى”. غير أن تسلسل التعيينات كان غير مألوف، إذ بادر مجتبى أولا، ثم تبعه بيزشكيان.

وتتزايد التقارير الغربية التي تصف رضائي بأنه من المقربين إلى مجتبى خامنئي. وثمة شواهد على ثقة سياسية بين الرجلين، أبرزها هذه التعيينات والاتصالات الأخيرة التي أشارت إليها التقارير. أما عمق العلاقة الشخصية التي قد تكون نشأت بينهما عبر السنوات، فلا يزال من الصعب الجزم به استنادا إلى المعلومات المتاحة.

وربما تنبع أهمية رضائي بالنسبة إلى مجتبى من مكانته داخل مؤسسات النظام أكثر من علاقته الشخصية به. فـ”المرشد الأعلى” الجديد يحتاج إلى شخصيات مخضرمة تصل “الحرس الثوري” بالحكومة المدنية والأجنحة المتنافسة داخل السلطة. وقد أمضى رضائي عقودا في بناء علاقاته داخل هذه الدوائر، مما يؤهله للاضطلاع بدور الوسيط بينها. كما أن بقاءه في المشهد بعدما غاب كثير من أبناء جيله جعله مستودعا نادرا للعلاقات والخبرة والذاكرة المؤسسية.

 

وتقوم علاقته مع بيزشكيان على حسابات عملية مماثلة؛ فالرئيس يتولى رسميا رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي، بينما يدير رضائي أمانته العامة، ويشغل أحد المقعدين المخصصين لممثلي “المرشد الأعلى”، فيما يشغل المقعد الآخر المحافظ المتشدد سعيد جليلي. ويعكس تعاونهما الحاجة إلى التنسيق في زمن الحرب، دون أن يعني بالضرورة توافقا سياسيا. ويستطيع رضائي التأثير في جدول أعمال المجلس وتنسيق تنفيذ قراراته، لكنه لا يملك صلاحية رسم سياسة الأمن القومي منفردا، إذ تبقى الكلمة الفصل لـ”المرشد الأعلى”.

أما علاقته برئيس مجلس الشورى الإسلامي، محمد باقر قاليباف، فهي أشد تعقيدا؛ فقد كان قاليباف أحد مرؤوسي رضائي في “الحرس الثوري”، قبل أن يتحول إلى منافس له على النفوذ السياسي. ومع ذلك، أيد رضائي ترشحه للرئاسة عام 2024، مما يدل على أن الخصومة بينهما ليست ثابتة أو نهائية.

وباتت التوترات بين المعسكرات السياسية المحيطة بهما واضحة؛ فقد رحّب موقع “رجا نيوز” المتشدد بصعود رضائي، فيما شن هجمات لاذعة على إدارة قاليباف للمفاوضات مع واشنطن. ويتهم المدافعون عن قاليباف هؤلاء المنتقدين بأنهم لا يعارضون المفاوضات إلا حين يتولاها هو.

وتكمن المفارقة في أن بعض الأصوات التي نددت بدبلوماسية قاليباف ووصفتها بالاستسلام، باتت ترحب بمشاركة رضائي في المفاوضات. ويوحي ذلك بأن الخلاف يتجاوز مبدأ التفاوض مع واشنطن إلى التنافس على إدارة المحادثات وحصد المكالمات والمكاسب السياسية من نتائجها.

وتكشف هذه الانقسامات طبيعة الرصيد السياسي الذي يستند إليه رضائي؛ فقد لا يمتلك جناحا موحدا يدين له بالولاء، لكنه يحتفظ بصلات داخل أجنحة متعددة. ويرى فيه بعض مؤيديه ثوريا مخضرما جديرا بالثقة، بينما يجد آخرون في صعوده فرصة لإضعاف خصومهم.

متشدد يدرك أهمية الدبلوماسية

لا تزال تجربة رضائي في الحرب العراقية-الإيرانية تحكم نظرته إلى العالم؛ فهو يرى في الضغوط الغربية عنصرا ثابتا في البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران، ويعتقد أن القوة العسكرية ضرورية لصون استقلالها السياسي.

غير أن تصويره معارضا للمفاوضات طوال مسيرته ينطوي على قدر من التبسيط؛ فخلال المحادثات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015، دافع رضائي علنا عن المفاوضين الإيرانيين، مشيرا إلى أنهم يعملون تحت إشراف خامنئي. لكنه قرن دعمه بتحفظات، إذ شدد على ضرورة أن يحافظ أي اتفاق على القدرات النووية الإيرانية، وأن يخضع للتدقيق المؤسسي اللازم. وحذّر لاحقا من أن تجديد العقوبات الأميركية سيستدعي ردّا إيرانيا.

 

وكان انتقاده لمذكرة إسلام آباد الموقعة في يونيو/حزيران 2026 أشد حدة؛ فقد رأى أن الاتفاق شابه غموض خطير بشأن مضيق هرمز والإفراج عن الأموال الإيرانية، واعترض خصوصا على ترتيبات تمنح واشنطن مكاسب فورية، فيما تبقى إيران رهينة وعود بتخفيف الضغوط مستقبلا.

وتهدف شروطه السبعة لاستئناف الدبلوماسية إلى إزالة هذا الغموض، وهي تعكس رغبته في التفاوض من موقع يمتلك أوراق ضغط أقوى، من دون أن تعني بالضرورة رفض المفاوضات.

وينطلق تفكيره الإقليمي من المنطق ذاته؛ فقد أيّد التدخل الإيراني في سوريا، محذرا من أن خسارة دمشق ستعرّض للخطر استثمارات استراتيجية تمتد نحو البحر المتوسط. ودافع طويلا عن عقيدة الدفاع المتقدم، والحرب غير المتكافئة، ومنع الخصوم من الانفراد بالتفوق الإقليمي.

ومع ذلك، فإن رؤيته تتسع للدبلوماسية والتعاون الإقليمي؛ فمنذ حرب عام 2026، أخذ رضائي يدعو بصورة متزايدة إلى منظومة أمن إقليمي تديرها دول الشرق الأوسط بعيدا عن القوى الخارجية. ويرى في تراجع النفوذ الأميركي فرصة استراتيجية، وإن كان حماسه للتعاون مع الصين وروسيا لا يعني ولاء غير مشروط لأي منهما.

وقد حرص منذ سنوات على توطيد علاقاته بالحزب الشيوعي الصيني الحاكم؛ ففي عام 2019، استضاف وفدا رفيع المستوى برئاسة سونغ تاو، ودعا إلى شراكة استراتيجية تشمل الاقتصاد والسياسة والدفاع. ويرى في القوة الاقتصادية الصينية دليلا على إمكان إفراغ العقوبات الدولية من فاعليتها، بتعزيز الإنتاج المحلي وبناء اقتصاد قادر على الصمود.

 

أما روسيا، فتحتل موقعا أكثر تعقيدا في حساباته؛ فقد انتقد رضائي موسكو مرارا بسبب مواقفها من الجزر الخليجية المتنازع عليها وممر زنغزور في جنوب القوقاز. وفي عام 2023، حذّر من أن إيران لن تعود إلى زمن التبعية الذي عرفته في عهدي القاجار والبهلوي، مؤكدا أن الصداقة مع روسيا لا تمنح موسكو حق استغلال طهران. ومع ذلك، أجرى في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني اتصالا هاتفيا مباشرا بالرئيس فلاديمير بوتين، جدّد خلاله التأكيد على التعاون الاستراتيجي بين البلدين. وعكس الاتصال تنامي مكانته الدبلوماسية، ونهجه القائم على المصالح في إدارة الشراكات الخارجية.

وتوحي لقاءاته الأخيرة مع كبار المسؤولين السعوديين والأتراك والباكستانيين بأنه يسعى إلى استثمار أوراق القوة التي اكتسبتها إيران خلال الحرب لتأسيس دور دبلوماسي جديد لنفسه. وهو يرى أن على إيران المشاركة في أي ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، وأن الدول العربية لا تستطيع التعويل إلى ما لا نهاية على الحماية الأميركية. أما مدى اقتناع هذه الحكومات بتقديراته، فتلك مسألة أخرى.

 

ويريد رضائي للمفاوضات، إن استؤنفت، أن تجري من موقع تعتبره طهران موقع قوة. ومن هنا يأتي إصراره على رفع العقوبات، وإنهاء الحصار الأميركي، والحصول على ضمانات تحول دون شن هجمات جديدة. وقد أكد أيضا أن إيران لم تتخذ قرارا رسميا بتغيير عقيدتها النووية.

وتبلغ لغته أحيانا حد المبالغة والتهديد الصريح؛ فقد توعّد أخيرا بأن إيران ستكسر “قرون أميركا” إذا استؤنفت الحرب. ولم تسلم أوروبا من غضبه، إذ اتهم حكوماتها في أواخر أكتوبر/تشرين الأول بالتصفيق للعمليات العسكرية الإسرائيلية، ثم الشكوى من التداعيات الاقتصادية الهائلة للحرب. وكانت رسالته أن تأييد أوروبا للحرب بات يفرض عليها ثمنا يتعين دفعه. غير أن اختزال رضائي في هذه التصريحات يحجب حساباته الاستراتيجية، وفي مقدمتها قناعته بأن واشنطن لن تقتنع بجدوى التفاوض الجاد مع طهران إلا حين تدرك كلفة مواجهتها.

محاور واشنطن الجديد

يحمل الاهتمام الغربي المفاجئ برضائي دلالات لافتة؛ فقد نقل ديفيد إغناتيوس في صحيفة “واشنطن بوست” أن مسؤولين أميركيين يرون فيه الشخصية الإيرانية المحورية القادرة على جمع المؤسسات المتنافسة داخل طهران حول اتفاق.

وربما أصاب هؤلاء في تقدير قدرته على الوصول إلى مراكز القرار، غير أن القرب من دوائر السلطة لا يعني امتلاك صلاحية تقديم التنازلات. كما أن تلقيه رسالة من فانس لا يعني أنه حل محل قاليباف في قيادة المفاوضات الإيرانية؛ فقد شدد مسؤولون إيرانيون على أن الهيكل التفاوضي القائم لم يتغير.

ويكشف رد رضائي على فانس التناقضات المحيطة بسمعته الجديدة صانع سلام محتملا. فقد أقر بتلقي الرسالة، ورحّب بنبرتها الأكثر احتراما، لكنه أصر على قبول واشنطن الشروط الإيرانية أولا. ووفقا لتقرير غير مؤكد نشره موقع “إرم نيوز” الإماراتي، رفض أيضا مقترحا قطريا لإقامة اتصال مباشر بين دبلوماسيين أميركيين ووفد إيراني في الدوحة. وإذا صحت الرواية، فإن صعوده إلى الواجهة لا يعني بالضرورة استعداد طهران لإبداء مرونة أكبر.

وثمة تعقيد آخر يحيط بدوره الجديد. فلا يزال رضائي مطلوبا بموجب نشرة حمراء صادرة عن الإنتربول على خلفية تفجير مركز الجمعية التعاضدية اليهودية الأرجنتينية “آميا” في بوينس آيرس عام 1994. ويرفض رضائي والحكومة الإيرانية الاتهامات الموجهة إليه. وهكذا، تبقى سمعته الدولية مثقلة بقضايا لا تستطيع واشنطن التغاضي عنها بسهولة.

لكن السؤال الأهم يتعلق بقدرته على التوفيق بين مطالب إيران المتزاحمة: ضمان أمنها، وإنعاش اقتصادها، والحفاظ على مصداقيتها الثورية.

ويعود صعوده جزئيا إلى الفراغ القيادي الذي خلّفته الحرب، لكنه ثمرة أيضا لمسيرة سياسية طويلة أمضاها في صون علاقاته، والحفاظ على مكانته شخصية يحتاج إليها “المرشدون الأعلى” المتعاقبون.

فالرجل الذي أخفق مرارا في الوصول إلى رئاسة الجمهورية عبر صناديق الاقتراع، استطاع أن يراكم نفوذه داخل مؤسسة لا تكاد الانتخابات تؤدي دورا يُذكر في تحديد موازين القوة فيها. وربما لم يكن رضائي يوما السياسي اللامع الذي تخيله، لكنه أدرك حقيقة جوهرية في طبيعة الجمهورية الإسلامية: الرؤساء يأتون ويرحلون، والاتجاهات السياسية تتبدل، أما الرصيد الثوري والعلاقات الراسخة داخل مؤسسات النظام، فتظل محتفظة بقيمتها.

وبالنسبة إلى واشنطن، يكمن الخطر في الخلط بين نفوذ رضائي واستعداده لتقديم التنازلات. أما بالنسبة إلى طهران، فالاختبار هو ما إذا كان رجل نجا من حروب الأمس يستطيع أن يسهم في تجنيب البلاد حربا جديدة.

 

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: مدينة مطاطّة، من دمشق لنيويورك حوار مع المؤلف وعازف الكلارينِت السوري كنان عظمة
التالي: جريحان ورهينة

قصص ذات صلة

  • مقالات رأي

كيف أصبح العالم معبدا هائلا من الشاشات؟

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

فوضى بعض وكالات الأنباء

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

عماد جمعة لـ”المجلة” بعد 12 سنة في السجن: خططنا لضرب “حزب الله” من لبنان… وبايعت “داعش” تحت التهديد (1-2)

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • كيف أصبح العالم معبدا هائلا من الشاشات؟
  • فوضى بعض وكالات الأنباء
  • عماد جمعة لـ”المجلة” بعد 12 سنة في السجن: خططنا لضرب “حزب الله” من لبنان… وبايعت “داعش” تحت التهديد (1-2)
  • سوريا ومحنة المواطنة
  • جريحان ورهينة

لربما فاتك

  • مقالات رأي

كيف أصبح العالم معبدا هائلا من الشاشات؟

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

فوضى بعض وكالات الأنباء

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

عماد جمعة لـ”المجلة” بعد 12 سنة في السجن: خططنا لضرب “حزب الله” من لبنان… وبايعت “داعش” تحت التهديد (1-2)

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

سوريا ومحنة المواطنة

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.