
من جو المسرحية السورية “فيلم هندي” (خدمة العرض)
سامر محمد إسماعيل.. ناقد. اندبندنت عربية
ملخص
تقدّم الكاتبة والمخرجة السورية لوتس مسعود في عرضها المسرحي “فيلم هندي” حكاية شقيقين يتعرّضان لحادث سيارة وينجوان منه بصعوبة. ثم يجدان نفسيهما أمام بناء مدمّر في منطقة مهجورة. هناك، يسمعان صرخة فتاة يعقبها إطلاق نار، وحين يدخل الشقيق الأصغر لاستطلاع ما حدث، يكتشف جثّتها، ويعلق داخل البناء إثر انغلاق بوابة حديدية خلفه. ينتظر الشقيقان النجدة من صديق مشترك، لكنه لا يأتي، فيما يتصاعد الصراع بينهما، كاشفاً جوانب خفيّة من شخصيّتيهما.
تتّخذ لوتس مسعود من تعبير “فيلم هندي” عنواناً ومدخلاً لتوريط شخصيّاتها في مآزق متلاحقة. فالتعبير يحيل إلى صورة نمطيّة عن السينما الهندية التجارية، بما تحفل به من مغامرات ومبالغات وحكايات يصعب تصديقها. هكذا، يغدو العنوان مفتاحاً لقراءة واقع سوري تجاوز المخيّلة، وإطاراً فنياً تؤدّي فيه الظروف المعاكسة دور البطولة، إذ تتكاثر العوائق أمام الشخصيّات وتحول دون بلوغ غاياتها.
منذ المشهد الأول في العرض، الذي يحتضنه مسرح الدراما في دار الأوبرا السورية، نتابع حواراً محتدماً داخل سيارة بين زياد (نوار سعد الدين) وورد (غدير عبد اللطيف). وسرعان ما يكشف الحوار عن تنافر مزاجَي الشقيقين، بدءاً من ذائقتهما الموسيقية؛ فالأكبر يصرّ على ضبط المذياع على أغنية “رقّ الحبيب” لأم كلثوم، فيما يلحّ الأصغر على الاستماع إلى أغنية هابطة.
يتصاعد الحوار إلى مشادّة حول امرأة متزوّجة ربطت كلاً منهما بها علاقة غرامية، قبل أن يكتشفا أنها كانت على علاقة برجل ثالث أيضاً. عندها يفقد الأخ الأكبر السيطرة على السيارة، ويصطدم بالحاجز الوسطي للطريق. ينجو الشقيقان بأعجوبة، ثم تنفجر السيارة على مقربة منهما، ليجدا نفسيهما في منطقة مهجورة قبالة بناء مدمّر. وقبل أن يستعيدا رباطة جأشهما، يسمعان صرخة نسائية مدوّية، يعقبها دويّ طلقة نارية. يصرّ الأصغر على استطلاع الأمر، ويحاول الأكبر ثنيه عن ذلك، لكن فضوله يدفعه إلى دخول البناء، حيث تنغلق خلفه بوابة حديدية، فيصبح عالقاً في الداخل.
يتّصل ورد بصديق مشترك طلباً للمساعدة، فيعده بالوصول خلال نصف ساعة، غير أنّ الوقت يمضي من دون أن يظهر المنقذ المنتظر. تتضاعف وحشة المكان مع وجود جثّة فتاة مجهولة، ويتعاظم خوف الشقيقين من اتهامهما بجريمة قتل لم يرتكباها. عندئذ، يشرع كلّ منهما في كيل الاتهامات للآخر، فتتكشّف تباعاً تفاصيل مستترة من حياتهما.
الأخ الاكبر
نتعرّف إلى الأخ الأكبر الذي كرّس نفسه لإعالة شقيقه ووالدته بعد وفاة الأب، فيما يبدو الأصغر طائشاً وأنانياً. لكنّ العرض لا يثبت عند هذه القسمة الحادّة بين أخ متفانٍ وآخر عابث؛ فمع احتدام الصراع، نكتشف أنّ زياد تواطأ مع لصوص لسرقة منزل عائلته، بغية تأمين تكاليف عملية جراحية للأم، فيما رهن ورد المنزل نفسه لتغطية نفقات هجرته إلى كندا.
تتوالى المآزق، ويزداد ارتباك الشقيقين، ولا سيّما مع ظهور أبي النور (شريف قصّار)، الذي تقدّمه الكاتبة والمخرجة رجلاً فقد صوابه بفعل حروب الإخوة أيضاً. ومن خلاله، تستعيد حكاية البناء المدمّر، يوم كان يعجّ بالحياة، بأطفال يقصدون مدارسهم وأشجار تملأ حدائقه، قبل أن يدبّ الشقاق بين السوريين، ويحوّل القصف المكان إلى خرابة تستشري بين جدرانها جرائم القتل والاغتصاب والسرقة.
تجسّد شخصية أبي النور وجهاً لحرب أوسع من نزاع شقيقين على عشيقة أو ميراث. فأصوات القصف التي ما زال الرجل الخمسيني يسمع أصداءها في رأسه تطرحه أرضاً كلّما دوّت، وتجعله شاهداً على عذابات يعجز الكلام عن وصفها. تتجلّى تلك العذابات في حركاته المشتّتة؛ حركات رجل فقد أفراد أسرته في حرب عبثية، ولم يبقَ له منها سوى مذياع معطّل وألعاب لأطفال الحي يحشوها في جيوب ملابسه الرثّة. وترافقه أغنية «أنا هويت وانتهيت» لسيد درويش كلّما استدعت ذاكرته أطياف أطفاله وزوجته الموتى.
أمام هذا كلّه، يواصل زياد وورد مبارزتهما الكلامية، التي تتحوّل إلى عراك بالأيدي إثر اتصال هاتفي من مجهول يخبرهما بأنّ والدتهما فارقت الحياة منذ ساعات الصباح الأولى. وفجأة، يكتشفان أنّ البوابة الحديدية، الشبيهة بقضبان سجن، كانت مفتوحة طوال الوقت. يدخل الأخ الأكبر إلى البناء ويشرع في خنق ورد، قبل أن ينقلب المشهد سريعاً، فيمسك الأصغر بخناق شقيقه، محاولاً قتله بالطريقة نفسها.
لا تحسم لوتس مسعود مصير أحد الشقيقين على يد الآخر، بل تترك النهاية مفتوحة على صراع مزمن. ويتجسّد ذلك في مونتاج ضوئي محكم، صمّمه جواد أبو كرم، يقوم على إعتامات متكرّرة، لا في مشهد الخنق وحده، بل أيضاً في الانتقال بين مشاهد السيارة والانفجار والحلم الذي يراود الأخ الأصغر بصحبة الفتاة المقتولة (صبا الصالح).
لم تكن هذه المعالجة يسيرة، ولا سيّما مع كتلة البناء المدمّر التي استحوذت على معظم فضاء اللعب، في سينوغرافيا لهادي شيرازي ومحمد الزهيري. فقد حدّ هذا الخيار من حركة الممثّلين، ولم يوفّر لصراع “الإخوة الأعداء” سوى مساحة ضيّقة عند مقدّمة الخشبة. ومع ذلك، لم يخلُ من أثر تعبيري، إذ أسهم تمركز الأداء في تلك المساحة في تقليص المسافة النفسية بين الممثّلين والجمهور.
وعلى الرغم من أنّ تنفيذ انغلاق البوابة الحديدية وحادث السيارة وانفجارها لم يكن مقنعاً تماماً، فإنّ هذه العناصر ظلّت منسجمة، إلى حدّ ما، مع منطق “الفيلم الهندي السوري” الذي يقترحه العرض. فمن خلاله، تطلّ مسعود على “الشرايين المفتوحة” لبلاد يمزّقها صراع الإخوة داخل العائلات وخارجها. بهذا المعنى، تبدو كلّ عائلة صورة مصغّرة عن سورية، وتغدو أزمتها مدخلاً لفهم التوتّر والشقاق اللذين يتجاوزان حدود البيت.
لا تتقيّد مخرجة “فيلم هندي” بمنهج فنّي صارم، بل تمزج بين الغروتيسك، بما يجمعه من ظاهر هزلي وباطن مأساوي، والواقعية السحرية. وتتنوّع المناخات الموسيقية في العرض، بموسيقى من تأليف رعد خلف، وباختيارات غنائية تتجاور فيها أمزجة مختلفة، أبرزها “المكسور جناحه”، من كلمات الشاعر المغربي فؤاد بلمير، والمنفّذة بروح البلوز الشرقي، إلى جانب “رقّ الحبيب” من ألحان محمد القصبجي، و”أنا هويت وانتهيت” لسيد درويش.