ملخص
نظرية الأمن القومي العربي لا تمثل وحدها شعاراً تقبل به كل دول المنطقة، فالعروبة مظلة ولكن لا يوجد حولها توافق كبير، بل هي محاطة بكثير من الأخطار المشهودة التي نشعر بها الآن بعد تراكم الأعوام ومسيرة الزمن.
لا أدعو أبداً إلى البكاء على الأطلال أو الدخول في قنوات الأحزان، ولكنني أزعم أن مفهوم العروبة اليوم ليس في أفضل أوضاعه، كما أن شعارات العمل العربي المشترك لم تعُد تجد لها مكاناً مقبولاً في بعض العواصم العربية، وعلى رغم هذه الصورة التي تبدو قاتمة، فإن الأمر لا يزعجنا ولا يؤرقنا، إذ إنه من المعروف أن دورات الزمن ترفع وتخفض وتعلو وتهبط ولكن يبقى المهم ألا يمس ذلك الإنسان العربي بمعدنه الأصيل وتاريخه الطويل، فأنا على يقين أن الروح العربية لا تزال حية ولن تموت كما أن لدي إحساساً عميقاً بأن التحولات الدولية والتغييرات الإقليمية لا تزال تنسج خيوطها فوق عدد من مراكز الحكم ومواقع السلطة في العالم العربي المعاصر.
ومع ذلك كله، فإنه لا يختلف اثنان على أن العروبة تمر بمحنة وتواجه ضغوطاً مختلفة من اتجاهات متعددة، فأطماع غير العرب في أرض العرب ليست خافية، كما أن المخطط الصهيوني يمضي بوتيرة سريعة في مواجهة بقايا المقاومة الصامدة في بعض أركان الوطن العربي، وهي المقاومة الجسورة التي دفعت شعب غزة إلى تضحيات جسام تكبد فيها الشعب الفلسطيني ثمناً فادحاً بشهادة العالم كله.
وتعبير محنة هنا لا يدعو إلى اليأس ولا يدفع إلى القلق، فكم من أمم سادت ثم بادت ولكنها انتفضت من جديد ووقفت في وجه أعدائها تسعى إلى رد العدوان واسترداد الحقوق، فما أكثر المحطات الأليمة في تاريخ الشعوب والانكسارات الكبرى في مسارات الأمم، وستظل العروبة شاهدة على تطورات غير متوقعة وارتباطات غير منتظرة ومؤامرات مختلفة لا تتوقف أبداً، إذ إن قدر هذه المنطقة من العالم التي يعيش فيها العرب منذ قرون طويلة أن تكون محط أنظار وملتقى أطماع القوى الكبرى، كما أن دول الجوار الأخرى التي تمثل قوميات مختلفة تسعى بدورها إلى الحصول على ميزات على حساب التاريخ العربي، تحديداً الثروة العربية حضارية وثقافية، مادية واقتصادية، ولقد مرت على المنطقة العربية هجرات كثيرة واجتاحتها موجات بشرية تركت بصماتها على بلاد العرب وهي تحاول الاستئثار بخيراتها وتتطلع دوماً إلى ثرواتها، وليس ذلك الأمر جديداً، فالإمبراطوريات الكبرى والمغامرون الكبار جاءت بهم أطماعهم إلى هذه المنطقة منذ أعوام طويلة قبل الميلاد، حتى إن الإسكندر الأكبر عندما أراد أن يصل إلى بلاد فارس بدأ رحلته من شاطئ المتوسط، وسبقته كما تبعته أيضاً غزوات شهيرة سعت إلى بسط نفوذها في الفضاء العربي براً وبحراً.
ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن التركز الحضاري والانطلاق الروحي أعطيا الساحة العربية مذاقاً خاصاً، فالمشرق العربي هو مهبط الديانات السماوية، وكان أخناتون أول من نادى بالتوحيد وعبادة إله واحد ليؤكد أن الطرح الروحي والفكر العقائدي إنما يبدأ من قطر عربي أو آخر، تزامناً مع أعوام المحن وتراكم الشدائد. إنها المنطقة التي جذبت الإمبراطورية الرومانية والدولة اليونانية وقدمت إلى الجميع نموذج التعايش الحضاري المشترك بين أصحاب الديانات المختلفة، لذلك كله فإننا حريصون على إعطاء العروبة وزنها الحقيقي ومكانتها اللائقة في العالم، ونحن إذ نكتب اليوم هذه المقالة تحت عنوان “محنة العروبة”، فإنما نشير إلى المصاعب والمشكلات والمتاعب والأزمات، بل الاستهداف المباشر الذي يسعى إلى تلك المنطقة من جديد، تأكيداً للظاهرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي بأنواعه، بدءاً من السيطرة العسكرية وصولاً إلى التطويق الاقتصادي، استنزافاً لمقدرات من يعرفون لدول الجوار ثقافتها المتعددة وفكرها المختلف بدءاً من التراث العبراني مروراً بالوعي الأكيد لما تحتاج إليه تلك الدول المحيطة بالدائرة العربية من فرس وترك وكرد، تلك الفسيفساء التي تمخض عنها الوجود الأجنبي عبر القرون.
واليوم، إذ يختلط الحابل بالنابل، فإننا نتساءل بوضوح، هل تتخلى دول الجوار عن أطماعها في البيت العربي؟ أم أن ذلك أمر يصعب تحقيقه في مثل هذه الظروف؟!
وأسوق هنا ملاحظات ثلاث:
أولاً، إن نظرية الأمن القومي العربي لا تمثل وحدها شعاراً تقبل به كل دول المنطقة، فالعروبة مظلة ولكن لا يوجد حولها توافق كبير، بل هي محاطة بكثير من الأخطار المشهودة التي نشعر بها الآن بعد تراكم الأعوام ومسيرة الزمن، فالذي يتأمل خريطة الدول العربية بين دول العالم حالياً ،لا بد من أن يشعر بالقلق، فالقضية الفلسطينية وهي جوهر الصراع وقضية القضايا تكاد تدخل في نفق مظلم يعبث به الجلادون وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولبنان في حال ترقب لإمكان تحقيق الأمل في الاستقرار وتوقف العمليات العسكرية الطارئة في الجنوب، وسوريا تحاول التعافي من أعوام طويلة وكئيبة جثمت على صدر شعبها وتنظر إلى تركيا بقلق نتيجة الأطماع العثمانية عند تخوم الدولة السورية.
أما دول الخليج العربي، فتسعى إلى الاستقرار ونشر السلم والأمن الدوليين ولكنها في مواجهة مع الدولة الفارسية التي لم تتوقف هي أو وكلاؤها عن التحرش بالدول العربية الخليجية، إذ ينشط فصيل من فصائل الحرس الثوري الإيراني تحت مسمى “الحوثيين” بالقيام بأنشطة عدوانية على أرض المقدسات في السعودية، مما يلقى استنكاراً شديداً وإدانة واسعة من القوى الإقليمية والدولية ويُعده الجميع مقدمة لصدام دائم وصراع عسكري جرى التخطيط له لضرب مفهوم العمل العربي المشترك في مقتل، باعتبار أن السعودية مركز الثروة وركيزة الاستقرار.
ثانياً، إن العروبة التي كانت شعاراً يلتف حوله العرب لعقود طويلة أصبحت حالياً ملاذاً يحتمي به عرب الخليج والمشرق العربي، خصوصاً أن الخطر يوشك أن يداهم الجميع ويتربص بالكل، ولم تعُد هناك دولة بمنأى عن الأخطار المقبلة، بما في ذلك الدول العربية الكبيرة مثل مصر وسوريا والعراق وقبلها السعودية المستهدفة بشدة لمواجهة ضربات مربكة، تحاول النيل من أمة عريقة وريثة التراث العربي الإسلامي، وهي أيضاً أرض التسامح والتعايش المشترك، لذلك دفع أعداؤها بزخات من دوافع الفتنة الطائفية ومحاولة ضرب مفهوم العروبة من الزاوية الدينية أيضاً، في وقت ترقب الولايات المتحدة كل تلك التطورات المتلاحقة، بل المفاجآت غير المتوقعة أحياناً، وعلى العرب في النهاية أن يحصدوا نتيجة ذلك من أرضهم وثرواتهم في المستقبل القريب والبعيد.
ثالثاً، إن إسرائيل التي كانت ولا تزال وستظل العدو الأول لمفهوم العروبة، وريثة الاستعمار وصنيعة العنصرية، تجعلنا جميعاً أمام مشهد لم نرَ له نظيراً في المنطقة كلها، إذ إن أحوالها خلال الأعوام الأخيرة تجعلها مدعاة إلى القلق ومصدراً للتوتر ومسرحاً لكثير من النزاعات المسلحة، وتتمسك إسرائيل بأساليبها المعروفة في تحطيم معنويات العرب والعبث بحقوق الشعب الفلسطيني الأبي.
إنها أعوام صعبة أمام أمة عريقة، ذات تراث متنوع الهوية متعدد المصادر، لذلك تبقى محنة العروبة خلال أيامنا الحالية ليست مجرد تراجع عما تملكه هذه الأمة من أسباب النهضة وعوامل الصعود والتفوق، ولكنها تدرك أيضاً أهمية استعادة دورها الكبير المعروف بحيويته وتأثيره في الآخرين وقدرته على الإسهام في صنع نهضة شاملة، تكون تمهيداً يتوق إليه كل من تطلع إلى الزخم الحضاري الذي يتفاعل مع شخصية الدولة العربية ويتيح لها مستقبلاً ذا معالم واضحة، وفقاً لخريطة طريق يتواصل حولها العرب من كل مكان، حتى تخرج هذه الأمة من عنق الزجاجة التي وضعتنا فيه الأطماع الاستعمارية التي احتشدت تاريخياً ضد هذه البقعة المتألقة من الشرق الأوسط، وأصبحت دائماً هدفاً لمن لا يريدون خيراً للعرب، بل ينظرون إليهم نظرة الطامعين الذين لا يروق لهم أن يروا الأمة العربية متماسكة أو أن هناك عملاً عربياً مشتركاً وناجحاً، بدلاً من أن نظل هدفاً للعنصرية والمخططات الاستيطانية التي لا تنتهي.
