تشير حملة الاعتقالات الأخيرة في العراق إلى أن مكافحة الفساد بدأ يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في البلاد: العلاقة المعقّدة بين المال السياسي، والسلاح المنفلت، وشبكات النفوذ المرتبطة بالنظام الإيراني.
فالمعلومات التي تداولتها وسائل إعلام عربية ودولية بينها “العربية” و”الجزيرة” و”One India” تتحدث عن توقيف عشرات المسؤولين والشخصيات السياسية وضبط مبالغ ضخمة من الأموال النقدية وسبائك ذهب ومقتنيات فاخرة في واحدة من أوسع حملات مكافحة الفساد في العراق خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب ما نقلته “العربية”، ارتفع عدد الموقوفين من مسؤولين وأعضاء في البرلمان العراقي إلى نحو 47 شخصاً، في حملة قالت السلطات إنها تستهدف ملفات فساد كبرى. غير أن مسؤولاً أمنياً عراقياً أشار، وفق المصدر نفسه، إلى أن هذه المداهمات تأتي أيضاً ضمن حملة أوسع ضد “تمويل الجماعات المسلحة” وتهريب الدولار والنفط الإيراني، في إشارة إلى الشبكات المرتبطة بجماعات مسلحة موالية لطهران. وأظهرت مقاطع مصوّرة نُشرت على منصات محلية قوات أمنية تتحرّك بآليات مدرعة داخل المنطقة الخضراء ومجمعات سكنية، فيما تحدثت تقارير إعلامية عن العثور على مبالغ مالية ضخمة داخل مقار إقامة شخصيات سياسية. من أبرز الأسماء التي جرى تداولها النائبة عالية ناصيف، حيث ذكرت تقارير أن أكثر من عشرين مليار دينار عراقي أي ما يقارب 15,5 مليون دولار. عُثر عليها في مقر إقامتها.
من مكافحة الفساد إلى تفكيك شبكات النفوذ. رغم أن العنوان الرسمي للحملة هو مكافحة الفساد، فإن طبيعة الملفات المطروحة تكشف أن القضية أعمق من ملاحقة أفراد متهمين بالإثراء غير المشروع. فالعراق يواجه منذ سنوات منظومة فساد متشابكة مع النفوذ المسلح والولاءت الخارجية، خصوصاً في ظل تمدّد الميليشيات المرتبطة بطهران داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن. في هذا السياق لا يمكن فصل الحملة الحالية عن تعهدات الحكومة العراقية لحصر السلاح في يد الدولة. فقد نقلت وسائل إعلام إيرانية حكومية، بينها موقع “رويداد 24″، أن رئيس الوزراء العراقي وعد بمكافحة الفساد وإعادة احتكار السلاح إلى الدولة، وهي مواقف تضع بصورة مباشرة الجماعات شبه العسكرية المدعومة من إيران تحت الضغط. بدأت الحملة قبل زيارة رئيس الوزراء العراقي لواشنطن حيث تجدّد الحديث حول ملف السلاح المنفلت ودور الجماعات المسلحة الموالية لـ طهران. ووفق “العربية” فإن الضغط الأميركي في هذا الملف يبدو عاملاً مهماً، خصوصاً مع الربط بين ملفات الفساد وتمويل الجماعات المسلحة وتهريب الدولار والنفط الإيراني.
عراقجي في بغداد… وتوقيت يثير التساؤلات. تزامنت هذه التحركات مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لبغداد، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما اذا كانت طهران تحاول احتواء تداعيات الحملة أو إعادة ترتيب شبكات نفوذها داخل العراق. كلما تعرضت البنية المرتبطة بإيران لضغط سياسي أو أمني أو مالي، تتحرّك طهران عادةً عبر قنوات ديبلوماسية وحزبية وأمنية للحفاظ على مواقعها. تكشف هذه التطورات أن الفساد في العراق لم يعد مجرّد ملف إداري أو مالي، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع حول القرار الوطني العراقي.
الأسماء الكبيرة وسؤال المساءلة. ورغم أن الحملة الحالية شملت أسماء سياسية وإدارية بارزة، فإن أي مقاربة جادة لمكافحة الفساد ستظل ناقصةً ما لم تقترب من الرموز السياسية والأمنية التي رعت أو استفادت أو وفّرت الغطاء لهذه المنطومة خلال السنوات الماضية. في هذا السياق تبرز أسماء مثل نوري المالكي وصالح الفياض وهادي العامري بوصفها جزءاً من المرحلة التي ترسخت فيها معادلة المال والسلاح والنفوذ الخارجي. لا يعني ذلك بالضرورة أن هذه الأسماء مشمولة مباشرةً بالاعتقالات الحالية، لكنه يؤكد أن بنية الفساد في العراق لا يمكن فهمها من دون النظر إلى القوى التي رسخت نفوذ الميليشيات، وسمحت بتحوّل مؤسسات الدولة إلى ساحة تنافس بين الولاءات الداخلية والخارجية.
تحذيرات قديمة من نفوذ “فيلق القدس”. وقد حذّرت منظمة “مجاهدي خلق” الإيرانية و”المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية” منذ سنوات طويلة من تمدّد شبكات “فيلق القدس” داخل العراق. وبعد سقوط النظام العراقي السابق عام 2003، كشفت المقاومة الإيرانية مراراً عن قوائم واسعة لعناصر ووكلاء تابعين لفيلق القدس، تحدثت عن عشرات الآلاف منهم داخل العراق.
كما وثّقت المنظمة في ملفات قانونية نهب ممتلكات معارضي النظام الإيراني في أشرف وليبرتي وقُدّرت قيمة الممتلكات المصادرة والمنهوبة بنحو 650 مليون دولار. نُشرت هذه الوثائق لاحقاً بصورة مفصلة في كتاب “أموال أشرف” الصادر عن القسم القانوني لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية في 735 صفحة. من هذه الزاوية فإن ما يجري اليوم لا يبدو مفاجئاً لمن تابع مسار النفوذ الإيراني في العراق. فالفساد لم يكن ظاهرة محلية معزولة، بل تحوّل في كثير من مفاصله أداةً سياسية واقتصادية ضمن مشروع أوسع لنظام إيران هدفه تفكيك الدولة العراقية وتحويلها إلى ساحة نفوذ أمني ومالي.
فرصة لاستعادة القرار الوطني. إن جوهر المعركة اليوم في العراق لا يتعلق فقط باستعادة أموال منهوبة أو محاسبة بعض المسؤولين، بل باستعادة القرار الوطني من قبضة منظومات السلاح والمال والولاءات الخارجية.
فالفساد المرتبط بتمويل الجماعات المسلحة وتهريب النفط والدولار لا يمكن فصله عن مشروع الهيمنة الذي رعته طهران عبر ميليشياتها وشبكاتها السياسية والإقتصادية. لذلك فإن نجاح الحملة الحالية يتوقف على مدى قدرتها على الذهاب إلى الجذور: تفكيك شبكات التمويل غير المشروع، وقف تهريب الدولار والنفط، حصر السلاح بيد الدولة، ومحاسبة جميع المتورطين من دون استثناء، لا الاكتفاء ببعض الأسماء التي يسهل التضحية بها. ما يجري في العراق قد يشكل فرصة تاريخية لفتح ملف النفوذ الإيراني من بوابة مكافحة الفساد. لكن هذه الفرصة لن تكتمل إلا إذا تحوّلت الحملة من إجراءات أمنية محدودة إلى مسار سياسي وقانوني شامل يعيد للدولة سلطتها، ويضع حداً لتداخل الفساد مع السلاح، ولارتباط المال المنهوب بمشروع الهيمنة الإقليمية لنظام خامنئي.
فالعراق لن يستعيد عافيته بمجرد مصادرة بعض الأموال أو توقيف عدد من المسؤولين بل عندما يُغلق ملف الفساد المرتبط بالميليشيات والنفوذ الخارجي، ويعود القرار العراقي إلى مؤسساته الوطنية بعيداً عن سطوة طهران ووكلائها.
