
الرئيس السوري شكري القوتلي العام 1955 (من الكتاب)
ملخص
على رغم انتهائه من كتابة مذكّراته وتسجيلها صوتياً عام 1963، كان على أسرة الرئيس السوري السابق شكري القوتلي أن تنتظر سقوط نظام البعث في الـ8 من ديسمبر ( كانون الأول) 2024 للبدء بالإفراج عنها. وبذلك، تتخطّى المدّة الفاصلة بين الانتهاء والإفراج الستّة عقود. وهي مدّة طويلة، تولّت خلالها الأسرة حفظ المذكّرات في ظروف صعبة، والمحافظة على ما تبقّى منها بعد تعرّض منزلها في بيروت للقصف، خلال الحرب الأهلية اللبنانية.
لعل الكتاب الصادر حديثاً بعنوان “شكري القوتلي: أحداث وذكريات” (مؤسسة القوتلي والدار العربية للعلوم، 2026) عبارة عن مذكّرات استعادها صاحبها، وأوراق كتبها، ورسائل تبادلها مع الملوك والرؤساء العرب والأجانب. ناهيك بمجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية ذات الصلة. وتتعدّى كونها مذكّرات شخصية لتشكّل شهادة على عصر بمراحل مختلفة. وقد عهدت الأسرة إلى المؤرّخ السوري سامي مروان مبيّض بإعدادها للنشر، فقام “بتفريغ التسجيلات، وجمعها، والتعريف ببعض الأعلام الكبار والحوادث” بأمانة، وتولّى الأكاديمي اللبناني أمين فرشوخ متابعتها وتحضيرها للطباعة، فأبصرت النور في كتاب يجمع بين السيرة الذاتية والشهادة على العصر الذي عاش فيه صاحب المذكّرات.
يتبيّن من المذكّرات أنّ القوتلي مارس السياسة مدّة نصف قرن ونيّف، بين عامي 1911 و1963. عاصر خلالها مراحل السلطنة العثمانية، والحكم الفيصلي، والانتداب الفرنسي، والاستقلال السوري، وصولاً إلى استيلاء حزب البعث على السلطة بانقلاب عسكري في الثامن من آذار 1963، الذي لا تزال سوريا تحصد تبعاته حتى اليوم، وربّما لأعوام طويلة قادمة. وكان له نشاطه السياسي الذي يتفاوت من مرحلة إلى أخرى. وقد تعرّض خلال هذه المدّة للاعتقال والنفي والإقصاء، وحُكِم عليه بالإعدام ثلاث مرّات حالت ظروف مختلفة دون تنفيذه، وانتُخب رئيساً للجمهورية ثلاث مرّات في الأعوام 1943 و1948 و1955، حتى إذا ما أُعلِنت الوحدة المصرية السورية عام 1958، تنازل عن الرئاسة لمصلحة الرئيس جمال عبدالناصر.
المرحلة العثمانية
في المرحلة العثمانية، بدأ القوتلي نشاطه السياسي من على مقاعد الكلية الملكية الشاهانية في الآستانة عام 1911، فأخذ يتردد إلى المنتدى الأدبي الذي يهتم بحقوق العرب وتاريخهم، وجاءت سياسة التتريك مع جمعية الاتحاد والترقّي لتعزّز تبلور الوعي القومي العربي لديه، فانخرط مع آخرين في معارضة هذه السياسة، من خلال التواصل مع النوّاب العرب في مجلس المبعوثان، والانتساب إلى “جمعية العربية الفتاة السرية”، حتى إذا ما جاء جمال باشا إلى سوريا قائداً للجيش الرابع وأعدم الرجال الوطنيين عام 1916، أذكت ممارساته شعور العداء العربي للأتراك.
وفي تلك الأوان، تعرّض القوتلي للاعتقال 17 يوماً بتهمة تيسير مغادرة الأمير فيصل بن الحسين ورجاله إلى الحجاز، وهو ما لم يحدث بالفعل، حتى إذا ما تمّ الإفراج عنه لعدم ثبوت التهمة عليه، وتم اعتقاله لاحقاً في سجن خان الباشا بتهمة الانتماء إلى “جمعية العربية الفتاة السرّية”، المناهضة للعثمانيين، وشاهد بأمّ العين الفظاعات التي تُرتكب بحقّ السجناء الأبرياء، دون تمييز بين صغير وكبير، وأنكر التهمة المنسوبة إليه، لئلا يُضطرّ إلى الاعتراف بأسماء رفاقه في الجمعية، حتى إذا ما اقترب موسى التعذيب من ذقنه، يحاول الانتحار. غير أنّه يتم إنقاذه في اللحظات الأخيرة، ويمضي 25 يوماً في مستشفى الغرباء، يعود بعدها إلى السجن لتبلغ مدّة اعتقاله ستّة أشهر ونيّف. وإذ يكون، قاب قوسين وأدنى من الإعدام، يأتي تهديد الشريف حسين بإعدام الأسرى الأتراك الموجودين لديه ليبعد عنه، وعن سواه من السجناء، هذه الكأس، فيُطلَق سراحه مع 20 سجيناً آخر.
وخلال هذه المرحلة، يشهد القوتلي على ما كابدته سوريا خلال حقبة الحكم العثماني لا سيّما في العام الأخير من الحرب العالمية الأولى، وعلى ما عانته دمشق من غلاء وجوع وفقر، بحيث “فُقِد الرز زمناً طويلاً، وكان كيلو الحنطة يُباع بربع ليرة عثمانية ذهباً، أي إنّ مُدّ الحنطة أو ما يعادل 20 كيلو من الحنطة كانت بستّ ليرات ذهبية … وكانت القهوة تُصنع بقليل من البنّ وتخلط بكثير من الشعير والقضامة…”، على حدّ تعبيره.
العهد الفيصلي
في العهد الفيصلي، لعب القوتلي أدواراً إدارية مؤثّرة، فشارك في عضوية لجنة ثلاثية لاختيار الموظّفين، وفي الهيئة المركزية لإدارة “العربية الفتاة”، وفي مجلس الشورى العسكري لتأسيس جيش عربي. وإذ يرى في مذكّراته أنّ ذلك العهد الذي استمرّ عامين شكّل برهة من الحكم الاستقلالي، يشير إلى أنّ تنكّر الحلفاء لوعودهم، ووضع اتفاق “سايكس-بيكو” بمعزل عن العرب وحقوقهم في الاستقلال، كانا كفيلين بإطاحة هذه البرهة.
غير أنّ تعاونه مع العهد الفيصلي لم يحل دون انتقاد فيصل ملكاً، فيتهمه بالازدواجية بحيث يصرّح جهراً بخلاف ما يدور في الخفاء سراًّ، ويشكّك مع الأعضاء البارزين في “العربية الفتاة” في رحلاته الأوروبية وما يرافقها من انتقاص من حقوق البلاد، وينسب إليه أنه “كان يريد أن يحكم البلاد حكماً ديكتاتورياً” (ص 97). ويأخذ عليه عدم تصدّيه بجيشه لبريطانيا وفرنسا بعد تنكّرهما لوعودهما ووضعهما اتفاق “سايكس–بيكو” المتعارض مع مراسلات “الحسين–مكماهون”. ويعزو إليه المساومة على استقلال سوريا.
الانتداب الفرنسي
في مرحلة الانتداب الفرنسي، يقف القوتلي في صف المنادين بمقاومة الفرنسيين في معركة ميسلون ورفض إنذار الجنرال غورو، حتى إذا ما انجلت المعركة عن هزيمة الجيش السوري واستشهاد وزير الحربية يوسف العظمة، وشعر بخطر القبض عليه، يقوم بالسفر إلى مصر، ومنها إلى جنيف، فبرلين، ليعيش أعواماً في المنفى، حتى إذا ما اندلعت الثورة السورية الكبرى، بقيادة سلطان باشا الأطرش، يكون في طليعة المؤيّدين لها، والمدافعين عنها.
وفي هذا السياق، يتناول في كتابه المقدّمات التي أدّت إلى اندلاع الثورة، والمتمثّلة في اعتقال الفرنسيين زعماء من آل الأطرش، ويشير إلى الانتصارات التي حقّقها الثوار في غير معركة، “وأدهشت العالم بأسره، وكانت منعطفاً مهماً ليس في تاريخ سورية وحدها، بل في تاريخ الأمة جمعاء”، على حدّ تعبيره (ص 150). ويتصدّى لبعض الدعوات التي حاولت وسم الثورة بصبغة طائفية منصفاً سلطان الأطرش والثوّار الدروز، ومعترفاً بفضلهم على الاستقلال السوري.
الملك عبدالعزيز
وحين تتردّى أحوال الثوار في منطقة الأزرق الأردنية التي لجأوا إليها بعد انتهاء الثورة، وتتمّ محاصرتهم من القوات البريطانية، وتطلب إليهم مغادرة الأراضي الأردنية تحت طائلة اعتقالهم وتسليمهم إلى الفرنسيين، يحاولون الدخول إلى الأراضي الحجازية فيمنعهم أمير قريّات الملح من الدخول، يتدخل القوتلي لدى الملك عبدالعزيز، فيسمح بدخولهم، ويزوّدهم بما يحتاجون إليه من المؤن والمال لتسهيل إقامتهم في المكان.
وحين يعفو الرئيس الفرنسي غاستون دومرغ عن بعض المحكومين بالإعدام، يشمل العفو القوتلي فيعود إلى دمشق ليناضل من الداخل، هذه المرّة، بعدما كان يناضل من الخارج، فينتمي إلى الكتلة الوطنية، ويتمظهر نضاله في: المشاركة في الانتخابات، والسعي إلى وضع دستور عصري، وإجراء الاتصالات مع بعض المسؤولين الفرنسيين. وهكذا، تتعدّد صور التضحية، وتختلف أساليب النضال.
رجل دولة
هذه الصور والأساليب تسهم في جلاء الفرنسيين عن سوريا، وتكرّس القوتلي زعيماً وطنياًّ، وتؤتي ثمارها في مرحلة الاستقلال، فيتم انتخابه ثلاث مرّات رئيساً للجمهورية. وتتمخّض عن رجل دولة بامتياز، يُقدّم المصلحة القومية على المصلحة الوطنية التي يقدّمها على المصالح الخاصة، لذلك، يتنازل عن منصب الرئاسة لجمال عبدالناصر خلال إعلان دولة الوحدة.
يُضحّي بوقته وماله وصحّته في سبيل الوطن، فيساعد الفقراء والمحتاجين، على عادة أسلافه، ولا يتورّع عن الانتقال إلى الأزرق، في ظروف مناخية بالغة القسوة، على رغم مرضه، للاطلاع على واقع الثوّار المحاصَرين هناك، والتوسّط لدى الملك عبدالعزيز لإدخالهم إلى الحجاز.
يُعطي ولا يأخذ، ومن مآثره الجلّى، في هذا السياق، اعتذاره عن قبول منحة مالية من الملك، مقدارها 5 آلاف جنيه إنجليزي ذهباً، على رغم حاجته إلى المال في حينه، واضطراره إلى اقتراض 15 جنيهاً من الحاج حسين العويني في جدّة ليتمكّن من العودة إلى مصر. ولديه نظرة ثاقبة في الرجال، فَيُقرض من يستحقّ التقريض، ويُعرض بمن يستحقّ التعريض، يندرج في طليعة المقرضين الملك عبدالعزيز، وسلطان باشا الأطرش، والأمير شكيب أرسلان. ويندرج في طليعة المعرض بهم عبدالرحمن الشهبندر، والشيخ تاج الدين الحسني، وفؤاد حمزة، فلا تأخذه في الحقّ لومة لائم.
يصوغ القوتلي مذكّراته بلغة راقية مهذّبة يحترم فيها المستحقّين، ويحفظ للرجال ألقابهم، ويدعو لهم، لذلك نراه يستخدم تعبيري “سيّدي الوالد” و”سيّدتي الوالدة” في الكلام عن والديه، ويشفع أسماء الرجال بلقب بك أو باشا تبعاً لمقتضى الحال، ويدعو بطول العمر والصحّة والرحمة في موضع الدعاء. وبذلك، ترتقي أخلاقه إلى مصافّ أدائه وممارسته السياسية الراقية. على أنّه، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المذكرات تشتمل على قوانين دولية، ونصوص دستورية، وخطب سياسية، ممّا يشكّل وثائق تاريخية، تُغني المذكّرات، وتشكّل قيمة مضافة لها. وهكذا، يتكامل الشكل والمضمون في تقديم نصٍّ تاريخي، يجمع بين السيرة الذاتية والوقائع التاريخية، ويشكّل شهادة على عصر كامل بقدر تشكيله سيرة لصاحبه، ذلك أن سير الشخصيات العامة هي تواريخ أوطانها، مما يجعل قراءته محفوفة بكثير من المؤانسة والإمتاع.