تتسارع الخطوات في ما يخصّ تحقيقات انفجار المرفأ، فيما تتقاطع المعطيات حول أنّ القرار الظنّيّ بات على الأبواب، واحتمال صدوره قبل نهاية العام الحاليّ. كشفت الأيّام الماضية جزءاً من المراحل الأخيرة لبلوغ الملفّ خواتيمه قبل إحالة القضيّة إلى المجلس العدليّ.
بعد شهر وثلاثة أسابيع على تسليم المحامي العامّ التمييزيّ القاضي محمّد صعب، ممثّلاً النيابة العامّة التمييزيّة، مطالعته في 15 أيلول إلى المحقّق العدليّ القاضي طارق البيطار، شهد الملفّ تطوّراً في التحقيقات على مستويين:
– مثول أربعة ضبّاط متقاعدين من الجيش، يوم الأربعاء، أمام القاضي البيطار واستجوابهم، بحضور القاضي صعب في سابقة لافتة، وهم: رئيس الأركان في الجيش اللواء وليد سلمان، نائب رئيس الأركان للتجهيز العميد منوال كلجيان، رئيس قسم الذخيرة العميد جورج موسى، ومدير مديريّة العتاد العميد منير أبو زيد.
تفيد معلومات “أساس” أنّ ممثّل النيابة العامّة التمّييزية القاضي صعب لم يدّعِ على هؤلاء الضبّاط في مطالعته التي سلّمها للبيطار، بل ادّعى لاحقاً، والدليل أنّ جلسات الاستماع حصلت بعد 51 يوماً من تسليم المطالعة. وكان البيطار استمع سابقاً إلى هؤلاء كشهود في القضيّة. الادّعاء، وفق مصادر قضائيّة، لا يعني بالضرورة اتّهامهم، بل تمّ على أساس الشبهة، ومجرى التحقيق كفيل بحسم المسؤوليّات.
– يوم الخميس استمع القاضي صعب إلى الضابطين في الأمن العامّ، المدّعى عليهما سابقاً في القضيّة، وهما رئيس مكتب شؤون المعلومات السابق العميد منح صوايا، ورئيس دائرة الأمن القوميّ السابق العميد محمّد مقلّد (موقعه خلال مرحلة انفجار المرفأ)، الذي عُيّن لاحقاً رئيس مكتب شؤون الجنسيّة قبل إحالته إلى التقاعد.
تؤكد معطيات “أساس” أنّ الاستماع لهذين الضابطين لم تكن له صلة مباشرة بتحقيقات تفجير مرفأ بيروت، التي هي من صلاحيّة المحقّق العدليّ، بل بملفّ منفصل له صلة بملفّ المرفأ، أو مرتبط به.
مرحلتان قبل القرار الظّنّيّ
من الآن حتّى صدور القرار الظنّيّ عن القاضي البيطار، هناك مرحلتان سيشهدهما الملفّ:
– الأولى: وفق المعلومات، بناءً على يوم التحقيق الطويل مع ضبّاط الجيش الأربعة، سيعدّ القاضي صعب مطالعة استكماليّة أو “مُلحَقة”، تخصّ هؤلاء الضبّاط حصراً، لن تستغرق وقتاً طويلاً وسيرسلها إلى البيطار، وقد يتطرّق إلى أيّ أمر إضافيّ إذا ظهر أيّ معطى يستدعي إبداء الرأي حياله.
المؤكّد أنّ باب الادّعاء من قبل القاضي صعب مفتوح، وهذا يعني أنّ متابعة ودراسة الملفّ لم تتوقّفا مع صدور المطالعة. ويشير مطّلعون إلى أنّها “مرحلة التفكير بصوت عالٍ بين البيطار وممثّل النيابة العامّة التمييزيّة، لعدم ترك ثغرات في الملفّ”.
في هذا السياق يندرج حضور النيابة العامّة جلسات التحقيق كونها طرفاً، أي خصم الطرف الآخر المدّعى عليه، وهي مطّلعة على كلّ جوانب الملفّ تماماً كالمحقّق العدليّ. وهي تجربة يجب أن تعمّم في القضايا الكبرى، على حدّ قول مصادر قضائيّة.
–الثانية: يُفترض أن يُصدِر المحقّق العدليّ، قبل قراره الظنّيّ، قراراته في شأن الأشخاص الذين استجوبهم سابقاً، وقرّر البيطار آنذاك “التريّث بأخذ إجراء بحقّهم”، من ضمنهم ضبّاط الجيش الذين استمع إليهم يوم الأربعاء، ولم يتّخذ بحقّهم أيّ إجراء. هنا تتبلور الاحتمالات القضائيّة التالية في شأن هؤلاء الأشخاص، وهم من السياسيّين، والأمنيّين، والعسكريّين، والقضاة:
* إصدار قرار بالترك، وهو قرار يكون نهائيّاً، وبمنزلة البراءة.
* إصدار قرار بالتوقيف، وهذا مؤشّر إلى وجود اتّهام.
* عدم اتّخاذ قرار بتوقيف أشخاص مُحدّدين، وهذا لا يعني عدم الاتّهام لاحقاً، لكن قد يرى المحقّق العدليّ أنّ هؤلاء لا يستحقّون التوقيف قبل بدء المحاكمات أمام المجلس العدليّ. كما سيبتّ البيطار وضع “الموقوفين” الذين سبق أن أصدر مدّعي عامّ التمييز السابق القاضي غسّان عويدات في 25 كانون الثاني 2023 قراراً بتركهم، وعددهم 17 شخصاً، ومنعهم من السفر (كان البيطار أخلى سبيل خمسة منهم)، وادّعى في الوقت نفسه على المحقّق العدليّ القاضي البيطار بـ”التمرّد على القضاء واغتصاب السلطة”.
مسؤوليّة ميشال عون
أمّا في ما يخصّ التسريبات القضائيّة التي تحدّثت عن إشارة القاضي صعب في مطالعته إلى مسؤوليّة رئيس الجمهوريّة السابق ميشال عون في الملفّ، ثمّ قيام الأخير بتقديم شكوى جزائيّة، ضدّ مجهول وكلّ من يُظهِره التحقيق، بجرائم “اختلاق الأضاليل والافتراء وإفشاء سرّيّة التحقيق” واعتبارها تُشكّل “مساساً خطيراً بحسن سير العدالة، ومحاولة لتحريف الوقائع”، فإنّ معلومات “أساس” تفيد بأنّ القاضي البيطار، في حال اقتناعه بمطالعة القاضي صعب، سيضمّن قراره الظنّيّ توجيه كتاب إلى مجلس النوّاب.
إذ في ظلّ وجود نصّ قانونيّ واضح في شأن مساءلة رئيس الجمهوريّة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، يطلب البيطار من مجلس النوّاب اتّخاذ الإجراءات اللازمة في هذا السياق، وسيكون مجلس النوّاب مُلزماً بالردّ على الجهة القضائيّة الاستثنائيّة التي تخاطبه، والتصرّف على أساسه.
تغييب مسؤوليّات؟
فيما طُرحت تساؤلات كثيرة حول تغييب مسؤوليّة شخصيّات حتّى الآن في الملفّ، بينها شخصيّات قياديّة عسكريّة كانت لديها الصلاحيّة والدور والتأثير والقدرة على منع حصول انفجار المرفأ، فإنّ مصادر موثوقة تؤكّد لـ “أساس” أنّ “مطالعة القاضي صعب تُظهِر أدوار كلّ شخصيّة معنيّة بانفجار المرفأ، مهما علا شأنها، وحتّى تلك التي أُثيرت تساؤلات جدّيّة في الإعلام عن مسؤوليّتها، وبالتالي الفَصل في المطالعة بين مسؤوليّتها وعدم مسؤوليّتها. وهناك إجابات على كلّ سؤال في المطالعة، ومنها ما قد يكون غير متوقّعٍ، بينما يبقى القرار النهائيّ للمحقّق العدليّ في القرار الظنّيّ الذي سيصدره”.
