لاقى مسلسل وادي الذئاب التركي جمهوراً واسعاً من المتابعين في البلدان العربية أيضاً بعدما تم بثه مترجماً ومدبلجاً على قنوات تلفزيون عربية، قبل سنوات. شخصياً لم أشاهد المسلسل، لكني قرأت عنه بعض الأخبار والتعليقات التي أعطتني فكرة عن محتواه المثير. فأحداثه تدور في عالم الاستخبارات وعملياتها داخل تركيا أو في محيطها الجغرافي، وعلاقاتها بالمافيا، أو ما يمكن تصنيفه في إطار ما يسمى في تركيا بالدولة العميقة.
تزامن بث المسلسل مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، ثم تم إيقافه في أعقاب الانقلاب العسكري الفاشل في تموز 2016. ففي تلك الفترة الأولى من حكم «العدالة والتنمية» نشطت جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن، بوصفها الحليف غير المعلن للحزب الحاكم، فقامت وسائل الإعلام الممولة من الجماعة بـ»الكشف» عن شبكات سرية داخل المؤسسة العسكرية مع امتدادات مدنية زعمت أنها كانت تعد للقيام بانقلابات عسكرية، فتم إلقاء القبض على ضباط كبار، أغلبهم متقاعدون، وصحافيون ورجال أعمال وتمت محاكمتهم وحكم عليهم بسنوات متفاوتة من السجن. سياسياً كان ذلك بمثابة تصفية حساب لما يمكن تسميته بالعهد السابق، أي بمجمل التاريخ الحديث لتركيا التي كان فيها الجيش هو السلطة الحقيقية، بوصفه حارس الدولة الجمهورية ومبدئها العلماني وعقيدتها القومية. هذه الخلطة التي عانى منها الشعب التركي طوال عقود، كان عمرها الافتراضي قد اكتمل، وقامت جماعة غولن بدور رأس حربة «العدالة والتنمية» في الإجهاز عليها.
وهكذا شكّل «وادي الذئاب» المعادل الفني لتلك المرحلة، فكانت شخصياته «الشريرة» انعكاساً شفافاً لشخصيات حقيقية، حتى أسماؤها كانت موحية بشفافية للأسماء الحقيقية بعد تحويرها تحويراً ضئيلاً. على سبيل المثال شخصية «كاشف أوغلو» التي هي المعادل الدرامي لضابط الاستخبارات «كاشف كوزين أوغلو» الذي ستشكل وفاته المشوبة بالشكوك موضوعاً لتحريات قضائية ما زالت جارية اليوم.
المرة الأولى التي وقف فيها صناع المسلسل أمام القضاء كانت في العام 2016. ففي شهر أيار من ذلك العام أعلن صناع المسلسل عن البدء بتصوير الجزء 11 منه بعنوان: «وادي الذئاب: الانقلاب»! وبعد شهرين فقط سهر الأتراك، ومعهم العالم، على وقائع المحاولة الانقلابية وإفشالها! فتم استدعاء طاقم العمل، وطلب منهم وقف العمل في المسلسل بصورة نهائية.
الواقع أن الشقاق بين أردوغان وغولن قد بدأ منذ العام 2013، حين تضاربت مصالح الطرفين، ومن زاوية نظر الأول طمعت جماعة غولن فطالبت بتكبير «حصتها» في السلطة والثروة بما يعادل حجم نفوذها الاجتماعي وقدراتها المالية ومساهمتها الحاسمة في إزاحة المؤسسة العسكرية من وضعية الوصاية على الحياة السياسية، وما يعنيه ذلك من توطيد حكم أردوغان وحزبه. فكان رد السلطة بتضييق الخناق على جماعة غولن بدءًا بإغلاق مؤسسات التعليم الخاص للجماعة التي شكلت نوعاً من «ورشة» لكسب الأنصار ودفعهم للانخراط في مؤسسات الدولة كالجيش والاستخبارات والقضاء والإعلام. فكان رد غولن بنشر وثائق سمعية – بصرية كشفت عن فساد شخصيات في السلطة، أربعة وزراء إضافة إلى أردوغان ونجله بلال. كان هذا بمثابة إعلان حرب مكشوفة، انتصر فيها أردوغان على ما أسماه القضاء التركي بـ»البنية الموازية» أو الدولة داخل الدولة. ووصلت تلك الحرب إلى ذروتها في 15 تموز 2016، حين قام ضباط موالون لغولن بمحاولة انقلابية فاشلة، ثمة شكوك قوية أن جهاز الاستخبارات القومي كان على علم بتحضيراتها، الأمر الذي ساعد على نجاح سيطرة الحكومة على الوضع بسهولة.
بعد العملية الانقلابية الفاشلة تحولت جماعة غولن، في اللغة القضائية، من «البنية الموازية» إلى «منظمة فتح الله غولن الإرهابية» فتم تطهير مؤسسات الدولة من أكثر من مئة ألف شخص متهمين بعضويتها أو مناصرتها، لتشمل الحملة شخصيات ومنظمات مجتمع مدني ووسائل إعلام ورجال أعمال وسياسيين معارضين اتهموا جميعاً بعلاقات، مهما كانت عرضية وواهية، بالجماعة. سجن كثيرون منهم وهرب البعض إلى الخارج، فيما اكتفي بفصل آخرين من وظائفهم.
شكّل «وادي الذئاب» المعادل الفني لتلك المرحلة، فكانت شخصياته «الشريرة» انعكاساً شفافاً لشخصيات حقيقية
ما علاقة مسلسل وادي الذئاب بهذه الصراعات السياسية؟ وما الجديد الذي دفع وزارة العدل إلى إعادة فتح ملف ضابط الاستخبارات كاشف كوزين أوغلو؟
كان كوزين أوغلو ضابطاً متميزاً في القوات الخاصة، من النوع الذي يؤمن بقداسة الدولة التي يخدمها، مستعداً لتنفيذ أي أوامر تأتيه من قيادته بلا تردد. بعد بلوغه سن التقاعد تم تعيينه في جهاز الاستخبارات القومي (MİT) مديراً لمكتب العمليات في بلدان آسيا الوسطى. تم استدعاؤه إلى أنقرة، في العام 2011، ليقدم إلى القضاء بدعوى علاقته المفترضة بمجموعات إنقلابية (في إطار حملة جماعة غولن ضد المؤسسة العسكرية كما سبقت الإشارة فوق). وبعد ثمانية أشهر على احتجازه في السجن، قيد التحقيق القضائي، توفي في خريف العام نفسه في ظروف غامضة، قبيل أيام قليلة على جلسة محاكمته على الاتهامات المنسوبة إليه. قال تقرير الطبيب الشرعي، في ذلك الوقت، إنه توفي بنتيجة أزمة قلبية.
الآن، بعد مرور 15 عاماً على وفاته، أعيد فتح الملف بشبهة أن الوفاة قد تكون بفعل فاعل!
ومن قد يكون الفاعل النموذجي غير جماعة فتح الله غولن؟
وهكذا تم الكشف عن وثائق تثبت أن أحد رجال غولن المعروفين داخل الجيش قد رفع توصية إلى جماعته بـ»وجوب التخلص منه فوراً»! كما كشفت تسجيلات كاميرات المراقبة داخل السجن عن إهمال متعمد على شكل تأخير إسعاف الرجل حين شعر بوعكة تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً. وثالثة الأثافي أن أحد زملاء زنزانته قد أعطاه حبة دواء قبيل وفاته، والزميل المقصود علاقته معروفة بالجماعة. وفي باب القرائن أيضاً أن إحدى شخصيات مسلسل وادي الذئاب (كاشف أوغلو) هو ضابط استخبارات دخل السجن وتم اغتياله، وبثت هذه الحلقة من المسلسل قبل يومين من وفاة كوزين أوغلو! وهذا ما جعل قاضي التحقيق يستدعي كُتّاب المسلسل لاستجوابهم عن هذه «المصادفة»!
ولكن لماذا الآن؟
وضع مستشار الرئيس أردوغان للشؤون القانونية محمد أوجوم النقاط على الحروف حين نشر على حسابه الشخصي ما فحواه أنه بعدما اكتمل الإطار السياسي لإعادة انتخاب أردوغان رئيساً للمرة الثالثة، باتت المهمة هي إيجاد الإطار التشريعي. واقترح موعداً لإجراء انتخابات مبكرة في 16 نيسان 2028. أي قبيل الموعد المفترض للانتخابات الرئاسية والنيابية بثلاثة أسابيع.
فالدستور التركي يتيح لرئيس الجمهورية أن يترشح من جديد في حال لم يكمل ولايته الدستورية، الأمر الذي يعني أن بمقدور الرئيس أن يترشح لعدد غير محدود من المرات. هذا هو التأويل التعسفي للبند الدستوري. فالمشرع حين وضع تلك المادة ربما افترض أن المعارضة حققت غالبية في البرلمان لقطع ولاية الرئيس من خلال الذهاب إلى انتخابات مبكرة. في حين أن السلطة تسعى جاهدة الآن لتأمين 360 صوتاً في البرلمان لتقديم موعد الانتخابات من أجل الاستفادة من هذه الثغرة.
تحليلي الشخصي هنا يقوم على افتراض أن إعادة فتح ملف وفاة كوزين أوغلو، ضمن حزمة كبيرة من الحملات القضائية الأخرى، تهدف إلى إشغال الرأي العام بقضية كبيرة – رغم أحقيتها – في الوقت الذي يزداد فيه الوضع الاقتصادي تدهوراً، وأيضاً للتغطية على تغيير وضع أوجالان إلى نوع من الإقامة الجبرية في فيلا من طابقين وحديقة على جزيرة إيمرالي، الأمر الذي أدى إلى سخط بيئات وتيارات قومية متشددة.
٭ كاتب سوري