صدق أحدهم في قوله إنّ مصر تدير علاقتها مع الصين كما تدير قناة السويس نفسها. الممرّ سياديّ له قواعده، متاح لكلّ السفن الآتية من جهات الأرض. وزيارة الرئيس الصينيّ شي جين بينغ للقاهرة، وهي الأولى له منذ عقد، حملت ملفّات سياسيّة، لكنّها جاءت لتصادف مواعيد عسكريّة لافتة. كيف تقارب القاهرة علاقاتها “المستفزّة” مع بكّين في ظلّ تنوّع في التواصل مع العالم ومراعاة قيود العلاقة القديمة مع واشنطن؟
قبل أيّام كانت مقاتلات “جي-16” الصينيّة تتدرّب فوق قواعد مصريّة مع مقاتلات “رافال” الفرنسيّة و”ميغ-29″ الروسيّة. بعد ذلك الحدث بساعات قليلة كان الرئيس المصريّ عبدالفتّاح السيسي والزعيم الصينيّ شي جين بينغ يوقّعان أكثر من 20 وثيقة ويصدران بياناً من 21 نقطة يضع الشراكة الاستراتيجيّة الشاملة في إطار اقتصاديّ وصناعيّ مشترك وأمنيّ جديد. يمكن الاستنتاج أنّ مصر والصين تطمحان إلى تطوّر نوعيّ لكن لا يرقى إلى مستوى التحالف. لا الصين تريد ذلك ولا مصر تسعى إليه.
قد يكون في الأمر توقيت جيوسياسيّ يسمح بممارسة مصر رشاقة لم يظهر حتّى الآن اعتراض دوليّ عليها. تنتهج القاهرة سياسة “تعدّد الأضداد” التي أجادت امتهانها منذ سنوات. تدور الفكرة حول الإبقاء على العمود الفقريّ الأميركيّ في السلاح والمساعدات، وتوسيع الهامش الأوروبيّ والتركيّ والكوريّ، واستدعاء الصين حيث الحاجة لسدّ أيّ فجوة في الاقتصاد والأمن والدفاع من غير أن ترشح أيّ أعراض لاستبدال واشنطن ببكّين.
المسلّمات المصريّة
ثبّت البيان المشترك مبدأ الصين الواحدة ودعم إعادة التوحيد بما يدعم ذلك “المقدّس” في الصين، وأكّد على مسلّمات مصريّة ثلاث:
1- حقّ مصر في حماية أمنها المائيّ في النيل.
2- رفض تهجير الفلسطينيّين كمبدأ عامّ يهدّد سيادة مصر واستقرارها خاصّة.
3- الدعوة إلى هيكل أمنيّ إقليميّ تكون دوله “سيّدة مصيرها”، بما طرح أسئلة بشأن رسائل القاهرة قبل بكّين من هذه الدعوة.
أسمع الطرفان بعضهما “المواويل” التي تطربهما. بدا أنّ حياكة دقيقة مصريّة – صينيّة هندست الممكن والمتاح. بقي التعاون الأمنيّ عند مستوى إنفاذ القانون ومكافحة الإرهاب وتسريع اتّفاقيّة تسليم المطلوبين. لم يُعلن عن صفقة مقاتلات صينيّة، ولم يُطرح ما يُشتمّ منه اختلاط عمليّاتيّ بشبكات القيادة الأميركيّة. لكنّ مقال الزعيم الصينيّ الذي نشرته “الأهرام” مرّر رسائل المناسبة: الجنوب العالميّ، التعدّديّة القطبيّة، العدالة الدوليّة. فيما فُهم من مقال الرئيس المصريّ في الصحيفة نفسها أن لا خيار صوب الشرق على حساب الغرب.
النّقاش المصريّ – الصّينيّ
تقترب مصر من مجال النفوذ الصينيّ في العالم. انضمّت رسميّاً إلى مجموعة البريكس عام 2024، وأصبحت في عام 2022 شريكاً حواريّاً في منظّمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين. بالمقابل تعرف الصين حدود المقبول مصريّاً من أيّ علاقات عسكريّة، على الأقلّ في هذا الوقت. راح الجانبان صوب الاقتصاد كميدان رحب للتعاون والتطوير، ويمكن هنا ملاحظة عناوين عديدة أهمّها:
1- مواءمة “رؤية مصر 2030” مع مبادرة الحزام والطريق.
2- تفعيل المرحلة الثالثة من المنطقة الصناعيّة في المنطقة الاقتصاديّة لقناة السويس.
3- نقاش مسائل سلاسل الإمداد، وأشباه الموصلات، ومراكز البيانات، والعمل بالعملات المحلّيّة.
4- تطوير صناعات السيّارات الكهربائيّة والنسيج والطاقة المتجدّدة. فالعجز التجاريّ الضخم لمصلحة الصين بقي قائماً، لكنّ القاهرة تريد تحويل السوق الاستيراديّة إلى قاعدة تصنيع وتصدير.
رغم محاذير الأمن والدفاع وحدودها في علاقة البلدين مرّرت الصين رسائل عالية المستوى في التمرين الجوّيّ الذي نفّذه البلدان. أفرجت مناورات “نسور الحضارة 2026” عن جديد لافت. وصلت القوّة الصينيّة بعد رحلة 6 آلاف كيلومتر. شملت مقاتلات ثقيلة وإنذاراً مبكراً وتزويداً جوّيّاً.
في واشنطن مَن راقب باهتمام تفاصيل تلك الرحلة، وتلك الساعات، وذلك العتاد الطائر الذي حطّ في مصر. أجادت الصين استعراض قوّتها وجدارة أسلحتها وخفّة تحرّكها. استنتجت واشنطن أنّ بكّين، قبل أسابيع من زيارة الزعيم الصينيّ لواشنطن، تضيف للأميركيّين معطيات جديدة بشأن “أخطارها”.
أراد البلدان أن تكون النسخة الثانية أكبر من نسخة 2025، ومع ذلك فإنّ الأمر ما يزال تدريباً منفصلاً عن أسطول “إف-16″ و”الأباتشي” و”الأبرامز” الذي يشكّل عماد العمليّات للقوّات المسلّحة المصريّة. وبدا أنّ الصين تكتفي في هذه اللحظة بالدخول في “سوق” مصر من باب المسيّرات والتدريب والدعم، لا من باب استبدال المقاتلات الرئيسيّة. وليس في الأمر إلّا حرص على تمرير أقصى ما يمكن تمريره من دون تجاوز خطوط حمر قد يهدّد المساس بها استمراريّة العلاقة وسلاستها بين مصر والصين.
لا تشويش على العلاقة مع واشنطن
تتقدّم مصر في علاقاتها مع الصين من دون أن يشوّش ذلك علاقاتها الاستراتيجيّة مع الولايات المتّحدة. حتّى إنّ واشنطن، رغم كثير من “الثرثرة” في الكونغرس في أمر العلاقة مع القاهرة وشروطها، لم تتراجع عن ثوابت العلاقة مع مصر. بلغت المساعدة العسكريّة الأجنبيّة للسنة الماليّة 2026 نحو 1.375 مليار دولار بزيادة محدودة، مع حجب جزء مشروط بحقوق الإنسان. زد على ذلك موافقتها على إبرام صفقة منظومة الدفاع الجوّيّ “ناسامز” (NASAMS) بقيمة تقارب 4.67 مليارات دولار أُقرّت في 2025، إضافة إلى استمرار مناورات “النجم الساطع” الشهيرة.
في الكونغرس من يسأل عمّا إذا كانت المساعدات الأميركيّة توفّر لمصر فائض مالي تنفق منه على مصادر أخرى، ومنها عقد صفقات مع الصين وروسيا وغيرهما. الكونغرس يسأل، لكنّ الإدارة لا تسأل. أبقت العلاقة في مستواها لكونها تربط مصر بترتيبات كامب ديفيد وأمن الممرّات. الإدارة لا تسأل، لكنّها تراقب سياسة “تعدّد الأضداد” المصريّة. فالتنويع مقبول في عرف البنتاغون ومؤسّسات الأمن ووزارة الخارجيّة ما دام العمود الفقريّ أميركيّاً وما دام الانخراط العسكريّ الصينيّ لا يمسّ أمن المعلومات ولا يرقى إلى مستوى استبدال استراتيجيّ.
تعدّد الأضداد
تكمل مصر ذلك “التعدّد”. تعقد الصفقات مع أوروبا وتركيا وكوريا الجنوبيّة. وتظهر سمات هذا التعدّد في خريطة التعاقد:
1- تهيمن ألمانيا وإيطاليا وفرنسا على الواردات البحريّة في السنوات الأخيرة.
2- تتوسّع مقاتلات “رافال” الفرنسيّة داخل الأسطول الجوّيّ المصريّ.
3- تبرم مصر وتركيا إطار تعاون دفاعيّ صناعيّ.
4- أدخلت كوريا الجنوبيّة مدفع “كيه-9” وخطوط تجميع داخل مصر.
5- روسيا بقيت في المخزون القديم من “ميغ-29” بعد أن أجهض التهديد الأميركيّ صفقة المقاتلات الثقيلة سوخوي سو-35 (Su-35) الروسيّة.
بإمكان مصر أن تستنتج أنّها نجحت في امتحان التنويع. ربحت الجديد ولم تخسر القديم ومرّت بين نقاط المحظور والمسموح. وحدها إسرائيل تراقب “رشاقة” مصر وتعاظم قواها العسكريّة المتعدّدة المصادر. لا تخفي منابرها القلق من ظهور تكنولوجيا صينيّة في مجال جوّيّ قريب، واحتمال صفقات أخرى خارج الرقابة الغربيّة، وزيادة البنية العسكريّة في سيناء.
المفارقة، التي لا يحبّ العقل العربيّ سماعها، أنّ للصين علاقات متقدّمة مع إسرائيل تجعلها حريصة على تجنّب اللعب بالتوازنات، التي، للمفارقة أيضاً، وضعتها الولايات المتّحدة بالحرص على ضمان التفوّق الإسرائيليّ. ومع ذلك فإنّ إسرائيل تدقّ أبواب واشنطن كلّما لاح لها ما يُقلق داخل الجيش المصريّ.
