من مفارقات القدر أن تلتقي السعوديّة ومصر على ميعادٍ في عنق مضيق باب المندب لمواجهة تهديدين مصيريَّين لاقتصادَيهما وأمنهما القوميّ: تهدّد إيران ناقلات النفط من هرمز إلى البحر الأحمر، فيما ينقل التهديد الإثيوبيّ معركة النيل من المنبع إلى البحر الأحمر.
سيطر الحوثيّون على ميناء المخا ومضيق باب المندب الشهر الماضي، قبل أن تستعيدهما قوّات الشرعيّة مطلع الأسبوع الجاري. وعلى الضفّة المقابلة تماماً، يشتعل صراع من طبيعة أخرى بين إريتريا وإثيوبيا على سواحل القرن الإفريقيّ. انتزعت القوّات الموالية لأديس أبابا مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، من جبهة تحرير شعب تيغراي، بالتزامن مع إعلان القطيعة الكاملة بين إثيوبيا وإريتريا، فيما تتحضّر الأخيرة لهجوم إثيوبيّ للاستيلاء بالقوّة على ميناء عصب، المقابل تماماً لميناء المخا على الضفّة الأخرى للبحر الأحمر، ما قد يشكّل تهديداً مباشراً للمصالح القوميّة المصريّة. وكأنّ التاريخ والجغرافيا يضعان مصر والسعوديّة أمام التحدّي نفسه من جهتين متقابلتين.
من السّدّ إلى البحر
خسرت إثيوبيا ميناءَ عصب باستقلال إريتريا عام 1993، وكان عصب شريان تجارتها الخارجيّة. فتحوّل بلد الـ120 مليون نسمة إلى دولة حبيسة بلا منفذ بحريّ. ودأب رئيس الوزراء آبي أحمد على وصف المنفذ البحريّ بأنّه “مسألة بقاء”، وأنّ استعادة عصب “مسألة وقت”.
تجاوزت القضيّة الآن مسألة المنفذ التجاريّ. ترى القاهرة في وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر تهديداً مباشراً لأمنها القوميّ والاقتصاديّ، لأنّ موطئ القدم البحريّ يمنح أديس أبابا ورقة ضغط على طريق الملاحة المتّصل بقناة السويس، وتلك ورقة قابلة للاستخدام في حال لوّحت القاهرة يوماً باستخدام القوّة العسكريّة للحفاظ على حصّتها في مياه النيل، كما لوّح الرئيس الأسبق أنور السادات عام 1979.
الطّوق الرّباعيّ
ردّت القاهرة بطوقٍ من التحالفات. وقّعت مع إريتريا في أيّار الماضي اتّفاق نقل بحريّ، ثمّ استضاف الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي في العلمين الأسبوع الماضي قمّة رباعيّة ضمّت نظراءه السودانيّ عبد الفتّاح البرهان والإريتريّ أسياس أفورقي والصوماليّ حسن شيخ محمود. وسبق أن عقدت القاهرة وأسمرة ومقديشو قمّة ثلاثيّة في أسمرة في تشرين الأوّل 2024. ومع انضمام الخرطوم، يتحوّل المحور الثلاثيّ إلى طوق رباعيّ يحيط بإثيوبيا من الشمال والغرب والشرق.
بالتوازي، تؤسّس مصر حضوراً عسكريّاً في جنوب البحر الأحمر، من خلال مشاركتها في بعثة الاتّحاد الإفريقيّ لدعم الاستقرار في الصومال (أوسوم). ويستند هذا الحضور إلى اتّفاق دفاع مشترك وشحنات سلاح منذ 2024. ومن المفارقات أنّ الصومال يستضيف أيضاً حضوراً عسكريّاً تركيّاً قويّاً في الوقت نفسه. تدير أنقرة منذ 2017 قاعدة “تركصوم” في مقديشو، أكبر قواعدها خارج البلاد، وتتولّى بموجب اتّفاق 2024 حماية المياه الصوماليّة، وأرسلت في شباط 2026 سفينة إنزال وفرقاطة إلى ميناء العاصمة. تبدو الساحة إذن مهيّأة لتعاون عسكريّ تركيّ-مصريّ لم يكن ليدور في خلد أحد قبل سنوات قليلة، ويذكّر بانخراط أنقرة في “حلف مكّة” مع السعوديّة وباكستان في المقلب الآخر.
لكنّ موقف أنقرة ليس ذا بعدٍ واحد. فلا يخفى أنّ تركيا زوّدت إثيوبيا بمسيّرات “بيرقدار” خلال حرب تيغراي الأولى، ورعى الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان “إعلان أنقرة” الذي أنهى أزمة بين أديس أبابا ومقديشو، وزار إثيوبيا في شباط الماضي. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان من الممكن أن تصطفّ تركيا إلى جانب القاهرة على أديس أبابا، من منطلق أنّ الأخيرة حليفة لإسرائيل، أم تواصل لعب دور الوسيط بينهما.
البحر والمضيق
تراقب القاهرة اقتراب النيران الإثيوبيّة من البحر الأحمر بعد أن كانت تترقّب بهدوء انطفاء النيران التي أشعلها الحوثيّون منذ ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، والتي كانت مصر أكبر المتضرّرين منها اقتصاديّاً. إثر الهجمات الحوثيّة على السفن، هبطت إيرادات قناة السويس من مستوى قياسيّ يفوق عشرة مليارات دولار في 2023 إلى نحو 4 مليارات في 2024، وقدّر وزير الخارجيّة بدر عبد العاطي الخسائر المتراكمة بنحو 10.5 مليارات دولار. واستعادت القناة جزءاً من عافيتها في السنة الماليّة الماضية، فبلغت إيراداتها 4.67 مليارات دولار، قبل أن يهدّد التصعيد الحوثيّ هذا التعافي من جديد.
مع ذلك، أبدت القاهرة على مدى عقد كامل حذراً شديداً في مواجهة التهديد الحوثيّ، واكتفت بحضور بحريّ رمزيّ ضمن التحالف العربيّ، ورفضت الانضمام إلى عمليّة “حارس الازدهار” الأميركيّة أواخر 2023. أمّا التهديد الإثيوبيّ، فتتعامل معه بأقصى درجات الاستنفار السياسيّ وغير السياسيّ.
رئة واحدة لاقتصادَين
على المقلب الآخر، مثّل البحر الأحمر شرياناً بديلاً لصادرات النفط السعوديّة في الأشهر الماضية لدى إغلاق مضيق هرمز. ثمّ حرّكت إيران الحوثيّين لمهاجمة الناقلات في البحر الأحمر. فلجأت أرامكو السعوديّة إلى عرض شحنات للتحميل من ميناء سيدي كرير المصريّ على المتوسّط، مستخدمة خطّ أنابيب “سوميد” الذي يربط البحر الأحمر بالمتوسّط عبر البرّ المصريّ.
تضيف هذه التطوّرات تعقيدات شديدة التشابك إلى الخريطة الجيوسياسيّة. تقف مصر والسعوديّة على صعيد واحد في مواجهة التحدّيَين، ومعهما تركيا بوجوهٍ متعدّدة، والدول الثلاث حليفة للولايات المتّحدة والغرب. وفي المقابل، تستند إثيوبيا إلى شراكة متنامية مع أعداء إيران، ولا سيما إسرائيل.
اعترفت إسرائيل في العام الماضي باستقلال “أرض الصومال”، ووصف وزير خارجيّتها جدعون ساعر إثيوبيا بأنّها “شريك استراتيجيّ طويل الأمد”. غير أنّ أديس أبابا تتحوّط بدورها. استقبلت الرئيس الإسرائيليّ إسحاق هرتسوغ بعد أيّام فقط من زيارة وفدين تركيّ وسعوديّ رفيعين، ويبدو أنّها تحاذر أن يؤدّي بها الحلف مع إسرائيل إلى عزلة إقليميّة.
تنتج من ذلك معادلة متشابكة. تواجه السعوديّة تهديداً يحرّكه المحور الإيرانيّ، وتواجه مصر تهديداً تحتضنه إسرائيل، عدوّة ذلك المحور. وتقف واشنطن على مسافة من الجبهتين معاً. يغلب على القاهرة هاجس حماية النيل وقناة السويس، من دون الانخراط في مواجهة مع إيران، فيما تحرص إثيوبيا على تجنّب العزلة عن المحيط العربيّ وتركيا.
يلتقي البلدان عند المضيق من ضفّتين متقابلتين. يتّسع التلاقي الاستراتيجيّ بقدر ما يضيق المضيق.
