منذ القمّة الأخيرة التي جمعت وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان والرئيس المصريّ عبدالفتّاح السيسي في 15 أيلول الجاري، تغيّر شيء ما في لهجة القاهرة حيال اليمن والأخطار التي تطلّ بها جماعة الحوثيّ على السعوديّة والبحر الأحمر وباب المندب. فإضافة إلى الأبجديّات الحازمة التي تستخدمها بيانات القاهرة في إدانة الجماعة والتضامن الحاسم مع المملكة، فإنّ بيانات عسكريّة رسميّة مصريّة تتحدّث عن تنسيق عسكريّ مع الرياض تخفي بين سطورها تدابير باتت من الأسرار العسكريّة.
على المستوى الرسميّ، لم تتردّد القاهرة في الوقوف مع المملكة في أيّ مقاربات اتّخذتها حيال أزمة الحوثيّين في اليمن. غير أنّ الموقف بقي في إيقاعاته المصريّة متأنّياً، متحسّباً لعوامل وأجندات تأخذها القاهرة بالاعتبار. فلمصر حكاية تاريخيّة موجعة مع اليمن، ولها رؤيتها في مقاربة ملفّ إيران وامتداداته. عام 2014 استخدم السيسي تعبير “مسافة السكّة” إذا ما احتاجت الرياض إلى الدعم، بما يكشف المسافة السياسيّة التي تأخذها القاهرة من المقاربات القصوى. فمصر حاضرة وجاهزة وفق توقيتها وحساباتها ومصالحها.
الحوثيّون يختبرون صبر القاهرة
راقبت القاهرة، بأناة وصبر، ما ارتكبته الجماعة الحوثيّة اليمنيّة بحقّ المصالح المصريّة، لا سيما في قناة السويس، منذ أواخر سنة 2023. يقدّر وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبدالعاطي الخسائر بنحو 11 مليار دولار، بحيث لم تتجاوز إيرادات القناة في السنة الماليّة الماضية 4.67 مليارات، أي قرابة نصف مستوياتها قبل الهجمات. ومع ذلك اختارت القاهرة التروّي والوساطة وبرودة التعبير.
فُهِم أنّ الظاهرة الحوثيّة في القراءة المصريّة “مشكلة يمنيّة” تتقاطع مع حدث غزّة، ولا تعتبر تهديداً استراتيجيّاً يتطلّب تغييراً في العقائد الدفاعيّة المعتمدة.
لم يقرأ الحوثيّون موقف مصر من الكتاب نفسه. ففي 29 تمّوز الماضي، أغارت مسيّرة تابعة للحوثيّين على سفينتين في ميناء دمياط. تعجّلت الأنباء في الكلام عن أنّ الجماعة الحوثيّة تقف وراء العدوان، فيما صدر في القاهرة بيان أوّل عن “حريق”، ثمّ رواية أمنيّة عن عطل في غرفة المحرّك، ثمّ إقرار مجلس الوزراء بأنّها مسيّرة لم تتبنّ فعلتها أيّة جهة. نفى الحوثيّون الأمر، كما نفت طهران أن تكون وراء هذه “السابقة” بحقّ مصر. تبرّعت “وول ستريت جورنال” بنقل موقف عن مسؤولين مصريّين بأنّ القاهرة تحمّل إيران المسؤوليّة، فيما نقلت “نيويورك تايمز” عن مسؤولين إيرانيّين أنّ الضربة رسالة عمّا يمكن أن تفعله طهران بالطاقة والملاحة. وحتّى الآن لم تصدر عن القاهرة نتائج التحقيق الذي وعدت به.
من بوّابة البحر الأحمر إلى قلب مصر
تعاملت العواصم المعنيّة، لا سيما واشنطن، مع الحدث بصفته عملاً من “رجس” إيران وذراعها في اليمن، متفهّمة ظروفاً وثقافةً وتقاليد مصريّة تستدعي التعامل مع هذا المستجدّ برأس بارد. وفيما دوائر السياسة لا تفصح ولا تكشف، فإنّ تقارير لم تستبعد أن تكون الدوائر المخابراتيّة والعسكريّة المصريّة أعادت التموضع وفق معطى تعرفه حتّى لو أبت الواجهات السياسيّة للبلاد الاعتراف به. وتعني إعادة التموضع في اللغة العسكريّة الاستعداد لانخراط قد لا يكتفي بـ “مسافة السكّة”. فلم تعد الحرب تجري عند بوّابة البحر الأحمر الجنوبيّة، بل طرقت بوّابة المتوسّط وطالت مصر مباشرة.
قصّر وليّ العهد السعوديّ “المسافة”. تسارعت الوقائع إثر سقوط مدينة المخا وتوابعها على البحر الأحمر. قيل إنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لا يريد الانخراط في حرب ضدّ الحوثيّين في اليمن، لا بل هو نفسه ثمّن خصال الحوثيّين الذين وعدوه بعدم التعرّض “إلّا للسفن السعوديّة”، وبعدم استهداف سفن أميركيّة وإسرائيليّة، حسب تقرير رويترز. بدا في قمّة وليّ العهد السعوديّ والرئيس المصريّ لحظة متقاطعة تتهدّد فيها مصالح المملكة كما مصالح مصر.
سمع العالم من هذه القمّة مواقف قال فيها السيسي إنّ أمن السعوديّة والخليج جزء من الأمن القوميّ المصريّ، داعماً “الإجراءات” السعوديّة للدفاع عن المملكة، داعياً إلى حلّ سياسيّ شامل ومستدام للأزمة اليمنيّة. وقالت مصادر تعرف ما وراء المعلن إنّ الأمير السعوديّ سمع خلال الساعات القليلة التي استغرقتها الزيارة ما يريد سماعه من القيادة المصريّة. حتّى التسريبات السعوديّة التي تُظهرها حسابات الإعلام الاجتماعيّ السعوديّ المعتمدة أشادت بمصر وقيادتها وما تحقّق في تلك القمّة. وفيما لم تُعلَن أيّة إجراءات عمليّة تقرّرت، فإنّ غموض الأمر وارتياح الرياض أفرجا عن تقارير ومعلومات يصعب تأكيدها رسميّاً.
القاهرة تستشعر الخطر وتتحرّك
في اليوم التالي للقمّة خرج تصريح من القاهرة يشي بما سيستجدّ. فقد قال قائد قوّات حرس الحدود المصريّة اللواء أسامة عبدالحميد داود إنّ هناك تنسيقاً على مستوى عالٍ، وهناك اجتماعات مستمرّة بين قوّات حرس الحدود المصريّة ونظيرتها السعوديّة، للتباحث حول إجراءات التأمين الميدانيّ وتبادل المعلومات الأمنيّة الفوريّة لضمان سلامة الحدود المشتركة. لكنّ أعراضاً أخرى بدأت تتلاحق.
تعاملت التحليلات مع تقارير عن تعزيز الحضور العسكريّ المصريّ في قاعدة برنيس العسكريّة، إحدى أكبر وأحدث القواعد العسكريّة الاستراتيجيّة في مصر ومنطقة البحر الأحمر، والتي افتتحها الرئيس المصريّ في أوائل عام 2020. كما أشارت أنباء إلى طلب وجّهته القاهرة إلى واشنطن، ونوقش في اجتماع السيسي مع جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة، الأحد الماضي، للتنبّه إلى المستجدّ في البحر الأحمر وما يشكّله الحوثيّون من أخطار يجب عدم الاستخفاف بها.
ما عزّز تحوّلات مصر مخاوفُ من امتداد الحوثيّين إلى القرن الإفريقيّ، بالتنسيق المحتمل مع إريتريا وجماعة الشباب في الصومال، بعد استيلاء الحوثيّين على جزيرة نقر الواقعة على بعد نحو 33 كلم من السواحل الإريتريّة، وأقلّ من 10 كلم من مضيق باب المندب نفسه.
رغم التحفّز المصريّ من تطوّر بات داهماً وضاغطاً، تتمسّك القاهرة بالتروّي والحفاظ على دورها في التوسّط ونقل الرسائل. كان السيسي التقى، في 13 من أيلول الماضي، الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان في نيودلهي على هامش قمّة “مجموعة بريكس”. واعتبرت مصادر أنّ مصر تنقل الرسائل بين الجميع وتسعى إلى تفاهم بموجب القانون البحريّ الدوليّ يحمي الملاحة في الأحمر وباب المندب. وذهب مصدر مصريّ إلى التلميح بأنّ مصر تفتح المظلّة قبل أن تشتدّ العاصفة من دون أن يكشف عن سمات رياحها.
لا تخطئ عين المراقب انتقال ملفّ الحوثيّ في القاهرة من كونه ملفّاً يمنيّاً بعيداً إلى متغيّر مباشر يطال الأمن الاستراتيجيّ المصريّ. لكنّ أعين طهران وحوثيّيها في اليمن ستراقب باهتمام ما يمكن لتلك التحوّلات أن تحدثه من فارق في “حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب”.
