د.امجد السوّاد… جريدة المدى
ليس من الضروري أن تستولي على سلاح خصمك حتى تحرمه من قوته. يكفي أحيانًا أن تجعل هذا السلاح أقل ضرورة وأقل تأثيرًا وأقل قدرة على ابتزاز الآخرين.
هذه واحدة من أهم القواعد التي يمكن استخلاصها من السياسة الغربية تجاه الطاقة الروسية، وربما تكون هي نفسها القاعدة التي يجري تطبيقها اليوم بصورة مختلفة في الخليج تجاه مضيق هرمز.
في عام 2021 كان الاتحاد الأوروبي يعتمد على روسيا في نحو 40% من احتياجاته من الغاز، إضافة إلى اعتماده الكبير على النفط والفحم الروسيين. وبعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية لم تحاول أوروبا السيطرة على حقول الغاز الروسية أو الأنابيب الروسية، وإنما بدأت ببناء منظومة بديلة: زيادة استيراد الغاز الطبيعي المسال، رفع الواردات من النرويج، استيراد الغاز من الولايات المتحدة وقطر وغيرها، زيادة مخزونات الغاز، خفض الاستهلاك والتوسع في الطاقة المتجددة.
والنتيجة أن الغاز الروسي، الذي كان عنصرًا أساسيًا في أمن الطاقة الأوروبي، فقد جزءًا كبيرًا من أهميته. ولم تكتفِ أوروبا بإجراءات مؤقتة، بل حولت الاستغناء عن الطاقة الروسية إلى سياسة طويلة الأمد، وصولًا إلى تشريع أوروبي في يناير 2026 للإنهاء التدريجي لواردات الغاز الروسي، مع حظر الغاز المسال الروسي على مراحل وصولًا إلى الحظر الكامل تقريبًا، وإنهاء واردات الغاز الروسي عبر الأنابيب في عام 2027.
المعنى الاستراتيجي واضح: أوروبا لم تنتصر على روسيا بمنع روسيا من إنتاج الغاز، وإنما قللت قدرتها على استخدام الغاز كسلاح سياسي.
وهذه نقطة مهمة لفهم الخليج.
فإيران لا تملك ورقة الغاز الروسية، لكنها تملك ورقة جغرافية لا تقل أهمية: مضيق هرمز.
في عام 2025 مر عبر هرمز نحو 15 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات، إضافة إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا من المنتجات النفطية، فضلًا عن كميات ضخمة من الغاز المسال. وبذلك يمر عبر المضيق ما يقارب 20 مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته، بينما يتجه الجزء الأكبر من النفط الذي يعبره إلى الأسواق الآسيوية.
لهذا فإن القضية ليست فقط: كيف نحمي هرمز؟
القضية الأخطر هي: ماذا لو أصبح العالم أقل اعتمادًا عليه؟
السعودية قطعت بالفعل شوطًا مهمًا في هذا الاتجاه. فخط الشرق ـ الغرب ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، وتبلغ قدرته نحو 7 ملايين برميل يوميًا، منها نحو 5 ملايين يمكن توجيهها للتصدير بعد احتساب ما يذهب إلى المصافي في غرب المملكة. كما تدرس السعودية زيادة قدرة هذا المسار.
أما الإمارات فقد أنشأت منذ سنوات خط حبشان ـ الفجيرة الذي ينقل النفط من أبوظبي إلى ميناء الفجيرة خارج مضيق هرمز. وتبلغ قدرته نحو 1.8 مليون برميل يوميًا، وبدأت الإمارات إنشاء خط موازٍ يمكن أن يرفع القدرة إلى نحو 3.6 ملايين برميل يوميًا.
هذه ليست أفكارًا على الورق، بل بنية تحتية موجودة بالفعل، يجري توسيعها.
وبذلك بدأت دول الخليج تفعل شيئًا يشبه ما فعلته أوروبا مع الغاز الروسي: بناء قدرة على الاستمرار في تصدير الطاقة حتى إذا تعرض الطريق التقليدي للخطر.
لكن الصورة تختلف عند الكويت وقطر والبحرين.
الكويت لا تمتلك اليوم منفذًا نفطيًا كبيرًا إلى بحر مفتوح خارج هرمز يستطيع أن يحل محل المضيق، ولذلك تبقى صادراتها النفطية شديدة الاعتماد عليه.
والبحرين وضعها أكثر حساسية، إذ لا تمتلك منفذًا بحريًا مستقلًا قادرًا على استيعاب صادراتها النفطية بعيدًا عن هرمز.
أما قطر فالمشكلة أكبر، لأنها ليست دولة نفط فقط، بل واحدة من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم. وصادراتها من الغاز المسال تعتمد على الناقلات التي تعبر مضيق هرمز، ولا يوجد حاليًا طريق بري قادر على تعويض هذه الكميات الضخمة.
ولهذا بدأت تظهر أفكار لربط بعض دول الخليج بشبكات أنابيب إقليمية والاستفادة من المنافذ السعودية والإماراتية. وإذا تحولت هذه الأفكار إلى مشاريع فعلية، فقد يصبح بالإمكان نقل جزء من صادرات دول الخليج بعيدًا عن هرمز.
أما فكرة شق قناة مائية داخل شبه الجزيرة لتجاوز المضيق، فقد ظهرت بالفعل في تصورات هندسية واستراتيجية، لكنها ليست مشروعًا حكوميًا منفذًا حتى الآن، وتواجه تحديات جغرافية وهندسية ومالية هائلة. ولذلك تبقى في الوقت الحاضر فكرة بعيدة المدى أكثر منها مشروعًا عمليًا قريبًا.
لكن مجرد طرح هذه الفكرة يكشف تحولًا مهمًا في طريقة التفكير: من سؤال «كيف نحمي هرمز؟» إلى سؤال «كيف نستطيع أن نعيش إذا لم يعد هرمز آمنًا؟»
وهذا هو التحول الذي حدث في أوروبا أيضًا.
قبل الحرب الروسية الأوكرانية كان السؤال الأوروبي: كيف نضمن استمرار تدفق الغاز الروسي؟
بعد الحرب أصبح السؤال: كيف نستطيع الاستغناء عن الغاز الروسي؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين حماية الاعتماد وإنهاء الاعتماد.
يمكن أن يحدث الشيء نفسه في الخليج.
فإذا كانت السعودية تستطيع إخراج ملايين البراميل عبر البحر الأحمر، والإمارات تستطيع تصدير النفط عبر الفجيرة، وإذا أمكن مستقبلًا ربط الكويت وقطر والبحرين بشبكة بديلة، فإن قيمة هرمز كأداة ضغط إيرانية ستبدأ بالانخفاض تدريجيًا.
لن يتغير موقع المضيق، ولن تختفي إيران من ضفته، لكن قيمة المضيق في الحسابات الدولية يمكن أن تتغير.
وهذا يقودنا إلى فنزويلا، التي تقدم مثالًا آخر على طبيعة السياسة الأمريكية تجاه الطاقة.
ففنزويلا تمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، لكن العقوبات الأمريكية قيدت قدرتها على استثمار هذه الثروة وتصديرها. ومع تغير الظروف والمصالح، بدأت واشنطن منذ 2022 بمنح استثناءات لشركات مثل شيفرون، ثم تغيرت الترتيبات مرة أخرى مع تطورات السياسة الأمريكية.
المغزى ليس أن السياسة الأمريكية تمنع النفط دائمًا، بل أنها تتعامل مع النفط وفق الحسابات الاستراتيجية المتغيرة: أحيانًا تضغط على الدولة المنتجة، وأحيانًا تسمح بعودة نفطها إلى الأسواق عندما تصبح هذه العودة أكثر توافقًا مع مصالحها.
روسيا تقدم نموذجًا لتقليل نفوذ مصدر الطاقة.
فنزويلا تقدم نموذجًا لإدارة تدفق النفط وفق المصالح.
وهرمز يمكن أن يمثل نموذجًا ثالثًا: تقليل قيمة الطريق الذي يمنح إيران نفوذها الاستراتيجي.
القاسم المشترك بين الحالات الثلاث هو أن القوة لا تُواجه دائمًا بالقوة المباشرة.
أحيانًا يُعاد تصميم السوق، وأحيانًا تُبنى الأنابيب والموانئ، وأحيانًا تُفتح مصادر كانت مغلقة، وأحيانًا تُخلق بدائل تجعل السلاح الاستراتيجي أقل فاعلية.
من هذه الزاوية يصبح الخطاب الأمريكي عن «حماية حرية الملاحة» أكثر تعقيدًا. وتبدو الصورة اوضح عن عملاق يريد أن يبقى المسيطر الاقوى على العالم.
قد تكون واشنطن تريد فعلًا حماية الملاحة، لكن حماية الملاحة ليست بالضرورة الهدف النهائي. فالهدف الأبعد يمكن أن يكون بناء منظومة طاقة لا تستطيع دولة واحدة، وخصوصًا إيران، استخدام نقطة اختناق جغرافية واحدة لتهديد الاقتصاد العالمي.
وهذا يجعل الحرب على هرمز أكثر من مجرد معركة على سفن ومنشآت وممر بحري.
إنها قد تكون فرصة لإعادة هندسة طرق الطاقة في الخليج.
فإذا كانت الحرب الروسية الأوكرانية قد دفعت أوروبا إلى إعادة هندسة مصادر الغاز، فقد تدفع أزمة هرمز دول الخليج إلى إعادة هندسة طرق تصدير النفط والغاز.
وفي الحالتين يُستغل الخطر لبناء بديل دائم.
والفرق أن أوروبا كانت تحاول التخلص من الاعتماد على مصدر روسي، بينما الخليج قد يكون بصدد التخلص من الاعتماد على ممر إيراني.
قد تقول الولايات المتحدة إنها تحمي مضيق هرمز، بينما تساعد في الوقت نفسه على بناء عالم يصبح فيه المضيق أقل أهمية.
وقد تقول إنها تحمي أمن الطاقة، بينما تشجع دول الخليج على إنشاء بنية تحتية تجعلها أقل اعتمادًا على الموقع الذي يمنح إيران قوتها.
وقد تقول إنها تريد الاستقرار، بينما تؤدي سياساتها إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي لعقود قادمة.
وهذه هي الصورة الأكثر مراوغة في السياسة الدولية: أن يكون التصريح صحيحًا في مستواه المباشر، بينما يخفي الهدف الاستراتيجي الأبعد.
أمريكا لا تحتاج إلى إلغاء هرمز.
يكفي أن تقلل أهميته.
ولا تحتاج إلى انتزاع الورقة من يد إيران.
يكفي أن تجعلها أقل قيمة.
إذا كان التاريخ الحديث قد أثبت أن أوروبا استطاعت تقليل اعتمادها على الطاقة الروسية عبر بناء البدائل، وأثبتت التجربة الفنزويلية أن السياسة الأمريكية تستطيع الانتقال من منع النفط إلى إدارة تدفقاته عندما تتغير المصالح، فإن الخليج قد يكون أمام تجربة ثالثة: إعادة تشكيل طرق الطاقة بحيث لا يعود مضيق هرمز الورقة الإيرانية التي يخشاها العالم كما كان يفعل من قبل.
وهذا قد يكون أحد أكثر الأهداف الأمريكية دهاءً: أن تدخل واشنطن الحرب تحت شعار حماية الملاحة، ثم تخرج منها وقد ساعدت على بناء نظام لا يحتاج إلى هرمز بالقدر نفسه.
عندها لن تكون أمريكا قد سيطرت على المضيق، لكنها ستكون قد قللت من قيمته الاستراتيجية.
فالجغرافيا لا تتغير، لكن قيمة الجغرافيا يمكن أن تتغير.