خلال ما يقرب من نصف قرن، كان على الدول العربية الساعية إلى توطيد علاقاتها السياسية والدفاعية مع الولايات المتحدة أن تتجاوز عقبة رئيسية واحدة أولا: تحقيق السلام، بشكل أو بآخر، مع إسرائيل.
لكن هذا الشرط كان بين أمور كثيرة جرى التخلي عنها الشهر الماضي، حين وقعت السعودية والولايات المتحدة اتفاقا للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، يمتد 30 عاما وتبلغ قيمته مليارات الدولارات، من دون اشتراط تطبيع العلاقات بين الرياض والقدس، ما مثّل خروجا عن الإطار السابق للاتفاق، وأثار قلقا فوريا في إسرائيل.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي صادق رسميا على الاتفاق، كتب على منصة “تروث سوشال” بعد الإعلان عن الاتفاق في 22 يوليو أنه “يرتبط بالكامل بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام”، وهي الإطار متعدد الأطراف الذي أُطلق عام 2020 وضم إسرائيل وعددا من القوى الإقليمية التي تعترف بها رسميا.
وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت للصحفيين أن الاتفاق النووي، من وجهة نظر الرئيس، مشروط بتحقيق هذا الشرط.
فهل عاد الوضع إلى ما كان عليه؟ ليس تماما.
حسب المحلل السياسي المقيم في دبي، عبد العزيز الخميس، انتقل التطبيع “من شرط مسبق إلى فاتورة”، فلم يعد مطلبا يجب تحقيقه قبل بدء التعاون الثنائي، بل أصبح ورقة ضغط سياسية تُطرح بعد التوصل إلى الاتفاقات.
فالمفاوضات الفنية الخاصة بالاتفاق النووي، بما في ذلك البنود التي تمنح الشركات الأميركية أدوارا رئيسية، كانت قد انتهت إلى اتفاق وقعه الطرفان.
لكن ربط ترامب التطبيع علنا بالاتفاق بعد توقيعه، كشرط سياسي إضافي، سلط الضوء من حيث لا يقصد على ما يراه كثير من خبراء الشرق الأوسط توجها أميركيا متزايدا نحو الفصل بين المصالح الثنائية والملف العربي الإسرائيلي الأوسع.
ولم تعلق السعودية، التي طالما رفضت الاعتراف بإسرائيل من دون وجود مسار يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، على إضافة ترامب اللاحقة لتوقيع الاتفاق.
قلب المعادلة القديمة
على مدى عقود، كان إحراز تقدم في العلاقة مع إسرائيل هو الثمن الذي تدفعه الدول العربية لتحسين علاقاتها مع واشنطن.
ويقول الخميس إن التقارب مع إسرائيل كان “أرخص عملة امتلكتها المنطقة لشراء الاهتمام الأميركي”، والحصول على المساعدات الأمنية الأميركية والدعم الدبلوماسي ورأس المال السياسي.
بدأ هذا النهج عام 1978، عندما وقع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن اتفاقيات كامب ديفيد في البيت الأبيض، ولا تزال مصر تتلقى نحو 1.3 مليار دولار سنويا من المساعدات العسكرية الأميركية نتيجة لذلك.
وبعد 15 عاما، أتاحت اتفاقيات أوسلو للفلسطينيين مقعدا على طاولة المفاوضات بعد اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، وتحولها إلى السلطة الفلسطينية.
وفي عام 1994، وقعت الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل، مقابل إعفاءات من الديون ومنحها صفة “حليف رئيسي من خارج حلف الناتو” لدى الولايات المتحدة.
وفي عام 2002، عرضت جامعة الدول العربية على إسرائيل تطبيعا كاملا، لكن بشرط قيام دولة فلسطينية. ورغم رفض إسرائيل لهذا الشرط، فإن ما عُرف بـ”مبادرة السلام العربية” ظل قائما على افتراض أن إسرائيل، وموقفها من الفلسطينيين، يشكلان محور البنية الدبلوماسية في المنطقة.
لكن هذا الإطار بدأ يتراخى عام 2020، عندما طبعت الإمارات والبحرين والمغرب علاقاتها مع إسرائيل في إطار “اتفاقيات أبراهام” خلال الولاية الأولى لترامب، من دون الحصول على ضمانات بإقامة دولة فلسطينية.
ومنذ ذلك الحين، يقول الخميس، لم يضعف الإطار القديم فحسب، بل “انقلب رأسا على عقب”. فبدلا من ربط العلاقات بمدى اقتراب الحكومات من إسرائيل، أصبحت واشنطن تقيم شركاءها بصورة متزايدة وفق مصالح استراتيجية، وغالبا اقتصادية، وبشكل أكثر تحديدا: حجم الاستثمارات التي يمكنهم تقديمها، والفرص التجارية التي يتيحونها، وقدرتهم على تعزيز أمن الطاقة والأمن الإقليمي وتوسيع التعاون الدفاعي.
بعيدا عن مسار إسرائيل
وفي هذا السياق، لا يبدو الاتفاق النووي مع السعودية استثناء.
ورغم أن الموقف من إسرائيل لا تزال عنصرا مهما في علاقات الولايات المتحدة مع الدول العربية، فإنها لم تعد نقطة الانطلاق الوحيدة لهذه العلاقات.
فالأمر التنفيذي الذي أصدرته الإدارة الأميركية في يونيو 2025 لرفع العقوبات عن سوريا، ربط تخفيف العقوبات بالتعاون في مكافحة الإرهاب وحماية الأقليات، وليس بالتوصل إلى تسوية رسمية مع إسرائيل، مكتفيا بالدعوة إلى أن تتخذ الحكومة السورية الجديدة “خطوات ملموسة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل”.
ويرى مصطفى علوش، النائب اللبناني السابق، أن هذا التوازن الجديد يعكس سعي واشنطن إلى إقامة “علاقات مستقرة وعلاقات براغماتية” مع سوريا ولبنان، انطلاقا من ظروف كل منهما، وليس فقط من خلال منظور العلاقة مع إسرائيل.
وفي لبنان، تجسد هذا النهج في تركيز الولايات المتحدة بدرجة أقل على العلاقات الرسمية بين بيروت وإسرائيل، وبدرجة أكبر على تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية وتنفيذ الترتيبات الرامية إلى تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، الذي تصنفه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية.
كما أعادت واشنطن صياغة شروط مساعداتها للجيش اللبناني خلال السنة المالية المقبلة، بحيث تركز على إحراز تقدم في نزع سلاح حزب الله.
ورغم أن هذا يصب بوضوح في مصلحة إسرائيل، التي لا تخفي شكوكها في قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ هذه المهمة، فإن الولايات المتحدة باتت تقدم علاقتها مع لبنان باعتبارها قائمة على تعزيز سلطة الدولة وأداء المؤسسات الأمنية، بدلا من جعل التطبيع مع إسرائيل شرطا مسبقا بحد ذاته.
ويرى الخميس أن لبنان قد يصبح الاختبار الأكثر أهمية لهذا النهج المتطور، ربما أكثر من السعودية نفسها، فإذا نجحت استراتيجية واشنطن في تعزيز احتكار الدولة اللبنانية للسلاح، سيعني ذلك أن بناء الدولة وتعزيز المؤسسات، وليس التطبيع وحده، باتا يشكلان بصورة متزايدة أساس الانخراط الأميركي في المنطقة.
ويعكس هذا التحول أيضا تراجع موقع لبنان نفسه، بحسب علوش، الذي قال إن “لبنان فقد أوراق قوته كدولة”، موضحا أن الحكومة التي تعجز عن فرض سيطرتها الكاملة على الجماعات المسلحة تفقد حتما جزءا من نفوذها على مستقبلها السياسي والاقتصادي.
وأضاف أن بيروت تسعى إلى توطيد علاقتها بواشنطن، ليس فقط لمواجهة حزب الله، بل أيضا لأن الدعم الأميركي يمنح لبنان قدرة أكبر على حماية سيادته.
لكن هل يعكس النهج الذي أطلقته اتفاقيات أبراهام، الذي تجلى أيضا بصفقات للاستثمار في الذكاء الاصطناعي مع دول الخليج العام الماضي، والاتفاق مع السعودية، والموقف الأميركي الجديد في لبنان، تحولا هيكليا في سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط؟
يرى منتقدو ترامب أن الأمر لا يعدو كونه امتدادا لنهجه القائم على الصفقات في السياسة الخارجية، وهو النهج الذي ظهر أيضا في تعامله مع أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي.
غير أن هذا النمط لا يقتصر على البيت الأبيض وحده.
فمشروع قانون الدفاع الذي يناقشه مجلس الشيوخ للسنة المقبلة يفرض الشروط نفسها المتعلقة بنزع سلاح حزب الله مقابل تقديم المساعدات إلى لبنان، ما يشير إلى أن الكونغرس، وليس الرئيس وحده، تبنى هذا المنطق القائم على التعامل مع كل مصلحة على حدة.
ويبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كان هذا النهج سيستمر بعد انتهاء ولاية الإدارة الحالية.
الفلسطينيون خارج المعادلة
لم يؤد تغير مكانة إسرائيل في حسابات واشنطن إلى زيادة الدعم للفلسطينيين.
وإذا لم تعد إسرائيل المحور الذي تنتظم حوله سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فقد يُتوقع أن تنخرط واشنطن مع الفلسطينيين بصورة أكبر، انطلاقا من تطلعاتهم السياسية أو تحديات الحكم التي يواجهونها.
لكن ما حدث كان، إلى حد كبير، عكس ذلك.
وبينما أصبحت النقاشات داخل الكونغرس بشأن إسرائيل أكثر حدة واستقطابا، لم يصاحبها أي جهد متماسك لإعادة تعريف علاقة الولايات المتحدة بالفلسطينيين.
فما الذي يحتاج الفلسطينيون فعليا أن يتغير حتى تتحسن أوضاعهم؟
لا شيء في التحول الحالي يوحي بأن واشنطن تطرح هذا السؤال.
فالإطار القديم لم يكن يتمحور أيضا حول حق الفلسطينيين في تقرير المصير، لكنه كان ينظر إلى إقامة الدولة الفلسطينية بوصفها ورقة تستخدم في مسار تطبيع الآخرين مع إسرائيل، لا باعتبارها هدفا قائما بذاته.
أما اليوم، فقد اختفى حتى هذا القدر من النفوذ، إذ لم يعد الفلسطينيون في قلب الصفقة التي تتفاوض الدول الأخرى حولها.
ويظهر هذا الانفصال أيضا خارج واشنطن.
فبحسب علوش، تسعى كثير من الحكومات العربية اليوم إلى إقامة علاقات مستقرة، بل وحتى “منافع متبادلة”، مع إسرائيل، بينما تظل قضية حق الفلسطينيين في تقرير المصير من دون حل.
ولم يؤد تراجع التطبيع بوصفه المبدأ المنظم للسياسة الأميركية في المنطقة إلى ظهور إطار جديد لمعالجة الطموحات الفلسطينية، ما جعلها تبدو منفصلة بصورة متزايدة عن الصفقات الدبلوماسية التي تعيد تشكيل المنطقة.
شروط جديدة للانخراط
لا تزال إسرائيل أقرب حليف إقليمي للولايات المتحدة، ولا يزال التعاون العسكري بين البلدين عميقا على نحو استثنائي.
كما يبقى توسيع دائرة الاعتراف العربي بإسرائيل أحد الأهداف الرئيسية لاتفاقيات أبراهام.
لكن كثيرا من هذه الدول لم تعد ترى أن عليها إثبات أهميتها لواشنطن من خلال هذا المسار وحده.
فرفع العقوبات عن سوريا، والعلاقة الأمنية المحددة مع لبنان، والاتفاق النووي مع السعودية، كلها تعكس روايات مختلفة للفكرة نفسها: فالتطبيع لا يزال جزءا من المعادلة بالنسبة إلى واشنطن، لكنه لم يعد شرطا مسبقا لإقامة علاقات قائمة على طيف واسع من المصالح المشتركة الأخرى.
ويخلق هذا التحول فرصا جديدة للمنطقة، كما يفرض في الوقت نفسه مخاطر جديدة على إسرائيل.
فالدول باتت قادرة بصورة متزايدة على التعامل مع واشنطن وفقا لأولوياتها الخاصة، بدلا من أن تُقاس قيمتها من خلال موقفها من إسرائيل.
لكن العلاقات التي تبنى على المصالح الاستراتيجية الأميركية الآنية تكون بطبيعتها أقل رسوخا من تلك القائمة على إطار إقليمي أشمل.
فالدولة التي تحظى اليوم بالأهمية بسبب دورها في مكافحة الإرهاب أو أمن الملاحة البحرية أو مواجهة إيران، قد تجد أن مكانتها تتراجع مع تغير أولويات الولايات المتحدة.
وكان الإطار القائم على التطبيع مع إسرائيل يفرض قيودا على حكومات المنطقة، لكنه كان يمنحها أيضا فهما أوضح لما تريده واشنطن منها.
أما النهج الأوسع الذي يتبلور اليوم، فيوفر قدرا أكبر من المرونة، لكنه يجعل المعادلة أكثر تعقيدا وديناميكية.
ويقول الخميس: “طوال ثلاثين عاما، كان يُطلب من المنطقة أن تبرهن على أهميتها لواشنطن من خلال إسرائيل. واليوم، أصبحت تثبتها من خلال رأس المال والطاقة والتكنولوجيا والقدرة على إبقاء الممرات البحرية مفتوحة. إنها صفقة أكثر وضوحا، وبالنسبة لأي شخص يهتم فعلا بالاستقرار، فهي أيضا أكثر استدامة.”
ورغم أن كثيرين في الشرق الأوسط يرون أن هناك تحولا في الطريقة التي تسعى بها الولايات المتحدة إلى تحقيق مصالحها في المنطقة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن أصبحت أقل التزاما بدعم إسرائيل مما كانت عليه في السابق.
ويبقى السؤال، في الوقت الراهن، ما إذا كانت الولايات المتحدة تعيد بالفعل هيكلة سياستها تجاه شرق أوسط يشهد تحولات متسارعة، أم أنها تتبع فقط نهجا أكثر براغماتية لتحقيق أهدافها التقليدية.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).