في أحد الممرّات المزدحمة في مقرّ البرلمان الأوروبيّ في مدينة استراسبورغ الفرنسيّة، يستوقف النوّاب والمارّة تمثال نحاسيّ يصوّر الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عارياً، ومغطّى بطبقة رقيقة من الذهب عيار 23 قيراطاً، وهو جالس على كتفَي رجل نحيل يرزح تحت ثقله، فيما يمسك بميزان يرمز إلى العدالة وعصا غولف.
نُصب التمثال، الذي يبلغ ارتفاعه 2.6 متر، داخل المقرّ الرسميّ للبرلمان الأوروبيّ في 6 تشرين الأوّل 2026، بمبادرة من نائب دنماركيّ ينتمي إلى مجموعة “اليسار” البرلمانيّة. ويحمل العمل عنوان “الطاعون البرتقاليّ” (The Orange Plague)، ويقول مبتكره، الفنّان الدنماركي ينس غالشيوت، في تصريح لشبكة “سي إن إن”، إنّه يهدف إلى انتقاد سياسات ترامب وتأثيرها في النظام العالميّ والبيئة والقيم الديمقراطيّة. وفي حين يرى الفنّان أنّ السماح بعرض التمثال يحمل دلالة سياسيّة، في حين يؤكّد البرلمان الأوروبيّ أنّ الموافقة على إقامة المعارض لا تعني تبنّي مضامينها.
وفق تقرير نشرته “سي إن إن” في 7 تشرين الأوّل، وصل العمل الفنّيّ، الذي أطلقت عليه الشبكة أيضاً تسمية “ملك الظلم” (King of Injustice)، إلى البرلمان الأوروبيّ بعد عرضه في مناسبات دوليّة، بينها مؤتمر الأمم المتّحدة للمناخ “كوب 30” في البرازيل، في تشرين الثاني 2025، ومؤتمر ميونيخ للأمن في شباط 2026.
التمثال يظهر ترامب جالساً على كتفَي رجل أصغر حجماً وأنحف جسداً، وقد التفّت ساقاه حول رأس الرجل الذي يحمله، فيما يستقرّ بطنه المتدلّي فوقه. ويمسك الرئيس الأميركيّ بميزان يرمز إلى العدالة وعصا غولف طويلة، بينما تظهر كرة أرضيّة عند قدمَيه، في إشارة إلى العالم الذي يتعامل معه كما لو كان كرة في لعبة غولف.
يجلس على ظهر رجل
تحمل قاعدة التمثال عبارة منسوبة إلى “ملك الظلم”، تقول: “أنا أجلس على ظهر رجل. إنّه يغوص تحت وطأة حملي. سأفعل كلّ شيء لمساعدته، باستثناء النزول عن ظهره”. وتلخّص هذه العبارة الفكرة التي يريد الفنان غالشيوت إيصالها، إذ تصوّر علاقة بين صاحب سلطة يعلن استعداده للمساعدة وشخص ضعيف يتحمّل عبء تلك السلطة، من دون أن يكون صاحبها مستعدّاً للتخلّي عن موقعه.
قال غالشيوت، في مقابلة هاتفيّة مع “سي إن إن”، إنّ ترامب يحبّ الذهب، مضيفاً أنّه يعتقد أنّ الرئيس الأميركيّ قد يعجبه العمل من هذه الناحية. لكنّه أوضح أنّ الرسالة السياسيّة للتمثال مختلفة، إذ يرى أنّ ترامب يشكّل تهديداً للبيئة وللنظام العالميّ القائم على القواعد، معتبراً أنّ ترامب “يدمّر كلّ الأشياء التي أؤمن بها”، في إشارة إلى القيم الديمقراطيّة والجهود المشتركة لمواجهة أزمة المناخ.
ربط غالشيوت اختياره تصوير ترامب عارياً بقصّة “ثياب الإمبراطور الجديدة” للكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن، التي تتناول حاكماً مغروراً يسير أمام الناس عارياً بعدما أقنعه آخرون بأنّه يرتدي ثياباً لا يستطيع رؤيتها إلّا الأذكياء. واعتبر الفنّان أنّ السخرية من أصحاب السلطة وسيلة لمواجهتهم، قائلاً إنّ “الديكتاتوريّين لا يحبّون أن يضحك الناس عليهم”.
نائب دنماركيّ وراء عرض التّمثال
جاء عرض التمثال بمبادرة من النائب الأوروبيّ الدنماركي بير كلاوسن، المنتمي إلى حزب “التحالف الأحمر والأخضر” الاشتراكيّ، والذي انتُخب عضواً في البرلمان الأوروبيّ عام 2024. وينتمي كلاوسن إلى مجموعة اليسار في البرلمان الأوروبيّ، وهي مجموعة أقلّيّة تشغل نحو 6 في المئة من مقاعده، وتضمّ أيضاً نوّاباً من حركة “فرنسا الأبيّة”.
قال كلاوسن لـ”سي إن إن” إنّه يريد إثارة نقاش حول السلطة في العالم وكيفيّة استخدامها، معتبراً أنّ طريقة تصرّف ترامب تمثّل مشكلة كبيرة بالنسبة إلى الأوروبيّين. وأوضح أنّه يسعى إلى تشجيع النقاش بشأن سبل حماية أوروبا من تأثير سياسات ترامب، وتطوير سياسات تجعلها أقلّ اعتماداً عليه.
أشار إلى أنّ ردود الفعل على التمثال كانت إيجابيّة عموماً، باستثناء اعتراضات صدرت، بحسب قوله، عن بعض المنتمين إلى اليمين المتطرّف. وشدّد على أهميّة احتفاظ أعضاء البرلمان الأوروبيّ بإمكانيّة عرض أعمال فنيّة لا تحظى بالضرورة بموافقة الجميع، باعتبار ذلك جزءاً من النقاش السياسيّ داخل المؤسّسة.
هل وافق البرلمان الأوروبيّ على مضمون التّمثال؟
أثار عرض التمثال تساؤلات بشأن ما إذا كان البرلمان الأوروبيّ يتبنّى الرسالة السياسيّة التي يحملها، ولا سيما أنّ لوائحه تحظر الفعاليّات والمعارض التي تُعدّ مسيئة أو تحريضيّة، أو تتعارض مع القيم التي تأسّس عليها الاتّحاد الأوروبيّ، أو تمسّ بكرامة البرلمان.
غير أنّ السماح بإقامة المعرض لا يعني تأييداً رسميّاً لمضمونه. وأوضح متحدّث باسم الدائرة الإعلاميّة في البرلمان الأوروبيّ، في تصريح لـ”سي إن إن”، أنّ المعرض حصل على موافقة هيئة من النوّاب تتولّى الإشراف على المسائل الإداريّة، وتُعرف باسم “المراقبين” .(Quaestors) وأشار إلى أنّ لكل نائب أوروبيّ الحقّ في رعاية فعّاليّتين ثقافيّتين أو معرضين خلال ولايته البرلمانيّة، في الأماكن المخصّصة لذلك، على أن تتحقّق الهيئة المختصّة من التزام المعارض بالقواعد المعمول بها.
أمّا غالشيوت، الذي كان يخشى رفض طلب عرض التمثال، فاعتبر أنّ الموافقة تحمل شكلاً من أشكال القبول الضمنيّ داخل البرلمان، وإن لم تكن تأييداً رسميّاً. وأشار إلى أنّ كثيراً من الأميركيّين قد يعتبرون رئيسهم شخصيّة مثيرة للسخرية بسبب بعض تصرّفاته، معرباً عن اعتقاده بأنّ غالبيّة الأوروبيّين ينظرون إليه بالطريقة نفسها.
أكثر من ألف نسخة مصغّرة
يُعرف ينس غالشيوت بأعماله الفنيّة ذات الطابع السياسيّ، ومن أبرزها منحوتة “عمود العار”، التي أقامها تخليداً لضحايا قمع احتجاجات ساحة تيانانمن في بكّين عام 1989. وكانت إحدى نسخ المنحوتة معروضة في جامعة هونغ كونغ قبل إزالتها عام 2021، في خطوة أثارت جدلاً بشأن حرّيّة التعبير والتضييق على إحياء ذكرى أحداث تيانانمن. وفي عام 2024، عرض الفنّان نموذجاً من “عمود العار” أمام مبنى البرلمان الأوروبيّ في بروكسل، ضمن معرض بعنوان “الفنّ المحظور”، برعاية النائبة الدنماركيّة كيرا ماري بيتر-هانسن.
