المصدر أساس ميديا
في الوقت الذي ينشغل قادة العالم بمآلات التوتر العسكري في مضيق هرمز بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، تتجه أنظار الشعوب في العالم اليوم، في تمام الساعة الثامنة في بيروت، إلى العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تنطلق النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم لكرة القدم.
لن يكون حفل الافتتاح مجرد مقدمة لمباراة كرة قدم، بل مشهد يتابعه مئات الملايين حول العالم. المناسبة تكتسب أهمية استثنائية لأنها تفتتح أول مونديال يقام في ثلاث دول هي المكسيك والولايات المتحدة وكندا، وأول بطولة تضم 48 منتخباً و104 مباريات. إلّا أنّ السؤال الوحيد الذي بقي حتى اللحظة من دون إجابة: هل سيحضر دونالد ترامب الحفل أم سيغيب عنه؟
تحمل المكسيك شرف استضافة المباراة الافتتاحية على ملعب أزتيكا الشهير في مكسيكو سيتي، الذي سيصبح أول ملعب في التاريخ يحتضن مباريات افتتاح كأس العالم في ثلاث نسخ مختلفة بعد عامي 1970 و1986. وقد شهد هذا الملعب لحظات خالدة في تاريخ اللعبة، من تتويج الأسطورة البرازيلية بيليه إلى إنجازات الأرجنتيني دييغو مارادونا، ما يمنح حفل الافتتاح بعداً رمزياً يتجاوز حدود الرياضة.
حشد سياسي ودبلوماسي
من المتوقع أن يحضر الحفل عدد كبير من الشخصيات السياسية والدبلوماسية والرياضية. وفي مقدمتهم رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم، إلى جانب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، ومسؤولين رفيعي المستوى من الولايات المتحدة وكندا، فضلاً عن رؤساء اتحادات كرة القدم وضيوف من مختلف دول العالم. كما جرت العادة في المناسبات المماثلة أن تستقطب المنصة الرسمية شخصيات بارزة من عالم السياسة والثقافة والفن والأعمال.
أما البرنامج الفني للحفل، فيُتوقع أن يكون من الأكبر في تاريخ البطولة. وستمتد العروض لنحو ساعة إلى ساعة ونصف قبل انطلاق المباراة الافتتاحية بين المكسيك وجنوب أفريقيا وبقيادة حكم برازيلي ويلتون سامبايو، مع مشاركة مجموعة من أشهر الفنانين المكسيكيين واللاتينيين. وستركز الفقرات على إبراز التراث المكسيكي الغني، من الموسيقى الشعبية والرقصات التقليدية إلى التقنيات البصرية الحديثة والعروض الضوئية العملاقة. كما ستتضمن فقرات تحتفي بتاريخ كرة القدم في القارة الأميركية وبوحدة الدول الثلاث المنظمة للبطولة.
شاكيرا و”الداي داي”
من بين أبرز فقرات حفل الافتتاح المنتظرة، تبرز مشاركة النجمة الكولومبية شاكيرا التي ترتبط بعلاقة خاصة مع بطولات كأس العالم منذ أكثر من عقدين. فقد أعلنت الفيفا أن شاكيرا ستؤدي للمرة الأولى الأغنية الرسمية لمونديال 2026 “Dai Dai” إلى جانب الفنان النيجيري Burna Boy، في عرض يُتوقع أن يكون أحد أبرز لحظات الحفل.
تحمل مشاركة شاكيرا دلالات تتجاوز الجانب الفني، إذ أصبحت صوتاً ملازماً لذاكرة كأس العالم منذ أغنية Waka Waka التي تحولت إلى واحدة من أنجح الأغاني الرياضية في التاريخ خلال مونديال جنوب أفريقيا 2010، قبل أن تعود إلى أجواء البطولة في نسخة البرازيل 2014. واليوم تعود إلى المسرح العالمي من بوابة المكسيك، في محاولة لمنح مونديال 2026 هوية موسيقية جامعة بين أميركا اللاتينية وأفريقيا وبقية العالم.
يُنتظر أن تشكل فقرة شاكيرا الذروة الفنية للحفل الذي يبدأ قبل المباراة الافتتاحية بنحو 90 دقيقة، وسط حضور عشرات آلاف المشجعين في الملعب ومئات الملايين أمام شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية. كما ستشارك إلى جانب مجموعة من الفنانين العالميين واللاتينيين في عرض مصمم ليعكس التنوع الثقافي للدول الثلاث المستضيفة، ويؤكد أن كرة القدم لم تعد مجرد منافسة رياضية، بل حدثاً عالمياً يجمع الموسيقى والثقافة والسياسة والجماهير في احتفال واحد.
أمنياً، وضعت السلطات المكسيكية خطة استثنائية لحماية الحدث. وتشمل الإجراءات آلاف العناصر من الشرطة والأجهزة الأمنية، إضافة إلى أنظمة مراقبة إلكترونية متطورة وكاميرات ذكية وطائرات مسيّرة للمراقبة الجوية. كما ستُفرض إجراءات تفتيش دقيقة عند مداخل الملعب وفي محيطه، مع إغلاق عدد من الطرق الرئيسية وتأمين مسارات خاصة للوفود الرسمية والمنتخبات والجماهير. وتعتبر السلطات المكسيكية أن نجاح الافتتاح يمثل اختباراً أساسياً لقدرتها على إدارة أحد أكبر الأحداث الرياضية في العالم.
يتسع ملعب أزتيكا لأكثر من 87 ألف متفرج، حيث يرجح أن تكون كل البطاقات قد بيعت. أما عالمياً، فتشير التقديرات إلى أن عدد مشاهدي حفل الافتتاح والمباراة الأولى قد يقترب من مليار مشاهد عبر شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية، ما يجعله من أكثر الأحداث مشاهدة خلال عام 2026.
فارق التوقيت
سيكون لفارق التوقيت أثر مهم على نسب المشاهدة العالمية. ففي الأميركيتين سيُبث الحفل خلال ساعات النهار أو بعد الظهر، بينما سيتمكن الجمهور الأوروبي من متابعته مساءً في توقيت مناسب نسبياً. أما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فسيُعرض خلال ساعات المساء، في حين سيشاهده سكان شرق آسيا وأستراليا في ساعات الصباح الأولى من اليوم التالي. ورغم ذلك، تراهن الفيفا وشركات البث على الشعبية العالمية لكرة القدم لضمان نسب مشاهدة قياسية.
اقتصادياً، يمثل الافتتاح جزءاً من مشروع رياضي وتجاري ضخم تبلغ قيمته مليارات الدولارات. فقد استثمرت المكسيك مبالغ كبيرة في تحديث البنية التحتية للملعب والمرافق المحيطة به، إضافة إلى شبكات النقل والخدمات السياحية. كما تتوقع السلطات تدفق مئات آلاف الزوار خلال البطولة، ما سينعكس على قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة.
أما أسعار التذاكر، فقد جاءت مرتفعة مقارنة بالنسخ السابقة من كأس العالم. إذ تراوحت أسعار المقاعد العادية للمباراة الافتتاحية بين بضع مئات من الدولارات وأكثر من 1800 دولار للفئات المميزة، فيما تجاوزت أسعار بعض التذاكر في السوق الثانوية حاجز ألفي دولار، ما يعكس الطلب العالمي الهائل على حضور هذا الحدث التاريخي.
بين رمزية ملعب أزتيكا، وثقل الحضور السياسي، وضخامة الإنتاج الفني، والإجراءات الأمنية غير المسبوقة، تستعد المكسيك لتقديم افتتاح يليق بأكبر كأس عالم في التاريخ. فالحفل لن يكون مجرد بداية لبطولة كرة قدم، بل إعلاناً لانطلاق شهر من الاحتفال العالمي الذي سيجمع مليارات البشر حول شغف واحد اسمه كرة القدم.