أخشى أن يتعلّم مليون لبناني كيف يخاطبون الذكاء الاصطناعي، ويبقى الواحد منهم عاجزاً عن مخاطبة دولته من دون واسطة؛ أن يصل إلى أحدث معارف العالم، ثم يُطلب منه أن يعود غداً لأن صاحب التوقيع على معاملته غائب. هذا هو الامتحان اللبناني للمبادرة الآتية من الإمارات: ماذا نفعل بالمعرفة حين تصبح أكثر تقدّماً من الدولة التي يُفترض أن تحتضنها؟
قيمة مبادرة “مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي” الإماراتية، بالتعاون مع الحكومة اللبنانية، أنها تستثمر في قدرة الناس على الإنتاج. تستهدف تعليم مهارات عملية في الذكاء الاصطناعي التوليدي وهندسة الأوامر، وتفتحها لمختلف فئات المجتمع. هنا مكمن أهميتها: توسيع الوصول إلى أدوات كان يمكن أن تبقى امتيازاً للقادرين. وهذا رهان يستحق أن نقابله بمسؤولية توازيه.
في أيار 2025، ناقش منتدى التبادل المعرفي الحكومي في بيروت تطوير الخدمات وبناء القدرات، وسبل إطلاق مبادرة “100 ألف مبرمج لبناني”. تتراكم فرص التعاون. لكن أين تتراكم نتائجها في حياة اللبناني الذي يحمل ملفّه من دائرة إلى أخرى؟ ماذا فعلنا؟ أنجزت جامعاتنا وكفاءاتنا وشركاتنا الكثير. أما تحويل الإنجاز الفردي إلى منفعة عامة، فتلك عقدتنا المزمنة. نفاخر باللبناني حين ينجح في الخارج، ونتسامح مع الشروط التي تدفعه إلى الخروج. كأن وظيفة البلد أن يربّي أبناءه، ثم يصفّق لغيابهم.
اقتصاد المعرفة يحتاج إلى مؤسسات تستطيع أن تجمع ما يعرفه الأفراد، وتحيله إلى خدمات وإنتاج وفرص. البيروقراطية عندنا تتجاوز سوء التنظيم. فحين يصبح إنجاز المعاملة محتاجاً إلى تدخّل الزعيم، تتحوّل عرقلتها إلى مورد سياسي. وحين تبقى المعلومة حبيسة درج، يحتفظ صاحب المفتاح بسلطته. لذلك، الشفافية وحرية الوصول إلى المعلومات تهدّدان شبكة المصالح التي تعيش من عتمة الإدارة. كل معاملة تُنجز بوضوح ومن دون منّة تسحب زبوناً من مكتب سياسي وتعيد مواطناً إلى الدولة.
فكيف سيتقاسم أمراء الطوائف هؤلاء المليون؟ أخشى أن يبدأ السؤال عن حصة كل فريق قبل السؤال عن قدرة كل متدرّب، وأن تُحاط الفرصة بالوسطاء والتوصيات، ثم تُنسب إلى “جهود” الزعيم، وتُعلّق صورته فوق شهادة المستفيد. هكذا يمكن إفراغ المبادرة من معناها: يتعلّم اللبناني هندسة الأوامر، وتواصل المنظومة هندسة ولائه، ويغدو المستقبل حصة إضافية في دفتر المحاصصة.
كم خبيراً من هؤلاء سيكون تغييرياً حقيقياً؟ لا تمنح الدورة التدريبية حصانة من الزبائنية. فقد يتقن المرء أرقى الأدوات، ويضعها في خدمة أسوأ الممارسات. التغيير يبدأ حين تُستخدم المعرفة لكشف إنفاق، وتبسيط خدمة، وفتح معلومة، وحماية حق. لهذا نحتاج إلى مشاركة متاحة بلا تزكية، ومعايير معلنة، ومشاريع تطبيقية داخل الإدارات والبلديات والجامعات، ومحاسبة على النتائج. كم ساعة انتظار اختصرنا؟ كم معاملة أخرجنا من قبضة الوسيط؟
ثم، مَن سيبقى منهم؟ لا أملك رقماً، لكنني أعرف أن مطالبة الشاب بالبقاء في البلد، بعدما ضيّقنا عليه العمل والأمان والمستقبل، وقاحة نسمّيها وطنية. كي يبقى، يحتاج إلى دخل وبنية رقمية موثوقة وفرصة للتقدّم بكفاءته. وكي يفيد بلده إذا غادر، يحتاج إلى مؤسسات تتعاون معه. فالهجرة لا تقطع المنفعة حتماً؛ الذي يقطعها دولة لا تعرف من أبنائها إلا تحويلاتهم.
الإمارات تفتح لنا باباً ثميناً، ومسؤوليتنا أن نوسّعه ونمنع تحويله إلى مدخل خلفي للمحاصصة. أخشى أن نحتفل غداً بمليون شهادة، ثم نطلب من أصحابها إخراج قيد، وصورة عنه، وختم المختار… كي نصدّق أنهم مؤهّلون للمستقبل.
