مرت الذكرى السنوية لرحيل الكاتب والمسرحي والشاعر ممدوح عدوان في نهاية العام الماضي، بعد أن خاض معركة شجاعة مع مرض السرطان، وواجه الموت بكبرياء في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2004 عن عمر ناهز الثالثة والستين عامًا. وبهذا اليوم الشاحب عاد إلينا كما يعود دائمًا بعطائه الفريد حتى لحظاته الأخيرة، وبفكره وعمق رؤاه السياسية والاجتماعية التي عشناها جميعًا في سورية قبل وبعد غيابه، وكما عبّر عنها تمامًا بجرأته المعهودة الناضجة.
هو “شاعر ابن الشارع”، وكاتب موسوعي، ومؤسسة متكاملة قائمة على العمل اليومي، يقرأ ويبحث ويكتب ويترجم ويعيش الحياة إلى أقصاها. تجربة استثنائية لا تشبه أي تجارب أخرى، خاضها بضحكته المجلجلة، وسخريته اللاذعة من هذا العالم الذي يدمّر الإنسان، ويرميه على قارعة الطريق، ويخرّب القيم والمبادئ، ويصنع وحوشًا من البشر، كما قال: “إننا محقونون بقيم قمعية. شوّهتنا وصنعت منّا أناسًا آخرين غير ما نحن عليه. أشياء أقل من البشر. نحن أمة خالية من المجانين الحقيقيين”.
داهمه الموت كما يداهم كل الطيور الجميلة التي ترحل مسرعة قبل الأوان، بعد أن ذبل جسده وقضمته جرعات العلاج الكيماوي من داخله، ولكنه بقي روحًا تأبى الاستسلام.
كان الأديب الراحل مندفعًا دائمًا، صاحب حضور طاغٍ، مشاكسًا متمردًا، يملأ الكون حيويةً وصلابةً، مستعدًا أن يقاتل لأجل إنسانية الإنسان إلى آخر رمق. أما تجاربه الأدبية والفكرية فكانت من أكثر التجارب المعاصرة إثارةً للجدل والفضول لما تحمله من ثقافة وتنوّع وفلسفة وجماليات.
يُعتبر من أبرز الكتّاب والأدباء الذين أثروا المكتبة بإنتاج غزير متنوّع، انتقد فيه السلطة وصوّر العلاقة بينها وبين الناس، وبين الضحية والجلاد، وهاجم الأنظمة القمعية وحاشيتها بواقعية حادّة وصادمة: “إنها الحاشية التي تتشكّل حول كل طاغية، وحول كل حكم فاسد. ومن لوازم الطغيان أن تكون عناصرها على درجة كبيرة من الوضاعة والخسّة وانعدام الأخلاق”.
تميّز ممدوح عدوان بالاحترافية العالية، وقام بتشريح المجتمع – ولا سيما العربي عمومًا والسوري خصوصًا – ومواصفات المثقف ودوره، وتناول قضايا الوجود والحرية، ومزج بين الموروث الثقافي العربي والمعاصر. لا يمكن الإحاطة به وبنتاجه الأدبي في مقال، لأنه نموذج للمثقف المتنوّع في الشعر والرواية والترجمة والدراما التلفزيونية والمقال الصحافي، والمتخصّص في المسرح والكتابة المسرحية والتنظير لها، ولكنه كان شاعرًا أولًا وأخيرًا وقبل كل شيء.
كتب دواوين شعرية وقصائد خالدة عن الهوية والحنين والمقاومة والصمود، وعن سحق البشر واستباحتهم، وسورية والسوريين المنهكين تحت قبضة مجرمين حكموا البلاد بالحديد والنار والنهب والفساد، وعن الفقر الذي حاربه بأعماله كافة، كما كتب عن التاريخ والوجود والقضية الفلسطينية شغله الشاغل: “كل شعري عن فلسطين من البداية حتى الآن. إلى درجة أن البعض يعتقد أني فلسطيني. أنا شاعر له همّ سياسي، لكني لا أقوم بدور سياسي”. وركّز على هزيمة حزيران/ يونيو 1967 التي ألقت بثقلها ووجعها على الكتابة العربية، وكانت واضحة في شعره المسكون بالاحتجاج، وذلك في دواوينه (الدماء تدقّ النوافذ – أمي تطارد قاتلها – أقبل الزمن المستحيل)، وأكّد دائمًا على أن مشكلته ليست الأرض: “أنا مشكلتي الحق. ولذلك أصرّ على القول إن فلسطين عربية. ولا يحق لأحد التنازل عنها. من يفرّط بذلك هو خائن للحلم العربي والشرف الإنساني”.
تميّزت أشعاره بغنى اللغة وعمق الفكر، والبساطة والوضوح، والتناصّ الشعري عبر استخدام الرموز الأدبية القديمة وتوظيفها عبر التضمين والإيحاء في سياقات حديثة، وبنسج الصور الشعرية بجماليات عالية، واستخدام لغة متجدّدة تجمع بين التراث والحداثة، والتأمّل الفلسفي والوجدانية العميقة. من دواوينه (الظل الأخضر – طفولات مؤجّلة – تلويحة الأيدي المتعبة). قال عنه الأديب اللبناني شوقي بزيع: “نحن إزاء رجل يعتنق الشعر بوصفه حيويةً ومحفّزًا على الأمل. كأن شاعريته موزّعة بالتساوي بين نصّه اللغوي وبين حياته”.
كتب عن الموت أيضًا في أعماله الأخيرة وأثناء محنة المرض وآلامه: “سأموت بلا صخب. وبلا استئذان. كأنني اليوم حبوت. وسأشيّع نفسي”.
وصف النقّاد تجربته بـ”الثقافة المشاغبة”، مؤكدين أنه يكتب الشعر كما يتحدث في الحياة: “فضح الدم حقدي. فلا عفو عمّن أباحوا دمائي. ولا عفو عمّن أباحوا البكاء”.
ظلّ الأديب الراحل حاضرًا كمبدع لعقود، وما زلنا حتى اليوم نرى صورة الشام وآلامها وجمالياتها، وجرأة كلماتها في شعره، ونراه هو بين قصائده، تاركًا بصمة خاصة لكل حرف فيها، كما قال يومًا الشاعر العراقي الراحل مظفّر النواب: “قليل من الناس من يترك في كل شيء مذاقًا. وممدوح عدوان هو واحد من هذا القليل. فهو الشاعر والكاتب المسرحي والمثقف الصاخب، والإنسان الذي يترك نكهةً بكل ما تلمسه أصابعه”.
يُعتبر عدوان من أهمّ الكتّاب في تاريخ المسرح السوري والعربي. استند في كتاباته المسرحية إلى تراث عربي وتاريخ حافل، ومسرح عالمي. وأنتج أعمالًا سياسية تحريضية بامتياز، تهدف إلى تعرية الواقع وفضحه عبر إسقاطات تاريخية، معتمدًا على توظيف التراث الشعبي والعربي الإسلامي، وتنوّع الأشكال الفنية من مونودراما ومسرح ملحمي. وقد كانت أولى أعماله بهذا المجال مسرحية “محاكمة الرجل الذي لم يحارب” و”لماذا تركت السيف”، وهما تدوران حول هزيمة حزيران/ يونيو 1967 المفجعة. ثم تتالت أعماله بين المسرح الشعري: (ليل العبيد) التي مُنعت في ليلة عرضها، وهي عمل تاريخي يسلّط الضوء على فترة فتح مكة وأوضاع العبيد والطبقات المستضعفة، وتناقضات الحرية. وبين الحكواتي: (حكايات الملوك)، والملاحم الشعبية (سفر برلك)، وصولًا إلى المونودراما: (حال الدنيا)، تبعها بـ(القيامة) ثم (الزبّال)، وذلك في الثمانينيات، وعالج فيها مآسي السوريين من فقر وفساد وقمع. ومن مسرحياته الهامّة (هملت يستيقظ متأخرًا – الوحوش لا تغنّي – حكي السرايا وحكي القرايا – القناع – لو كنت فلسطينيًا).
والحقيقة أن المسرح لا يختلف عن الشعر عنده من حيث المضمون والمستوى الفني الرفيع، ففيه كان يبني علاقة بين الخشبة والمتلقي، بإشارات تحريضية تشتبك مع المتفرّج مباشرة. ويستخدم العامية في بعض مسرحياته ليردم الهوّة بين الخشبة وجمهورها. ويحتجّ على الظلم وخنق أحلام الناس واغتيالها، ويشير إلى الصراع بين الحاكم والمحكوم، ويستدعي شخصيات تاريخية أحيانًا ويوظفها خدمة لمقولاته، وكان أحيانًا يقود الممثل إلى الصالة ليخاطب المتفرّج، ويوظّف الأدب الشعبي والعالمي في مسرحه. وقد قدّم الأحداث والشخصيات بقالب فني درامي إبداعي ناضج، واستخدم تقنيات فنية منها ما هو تراثي كالجوقة والراوي، ومنها ما هو جديد كالمونودراما التي كان أول من كتبها في سورية كما ذكر النقاد.
كان ممدوح عدوان أيضًا “غول الأدب السوري” كما وصفوه، قال كلمته ورحل، تاركًا إرثًا ثقافيًا ضخمًا، وموقفًا سياسيًا قويًا، باقيًا بين طيّات الكتب والحروف والكلمات التي يردّدها الكثيرون حتى اليوم، وجاء بعضها في رواياته:
– “أعدائي”: وهي تاريخية عن فترة مفصلية في حياة العرب أواخر الحكم العثماني وبداية التغلغل الصهيوني والتحركات لاحتلال فلسطين، ووعد بلفور وأصداء التحوّل الخطير على أبواب الحرب العالمية الأولى، وتأثير ذلك كله على بلاد الشام، والصراع بين القوى الاستعمارية، وذلك من خلال شخصيات مركّبة وصراعات نفسية تعكس حال المنطقة في تلك الحقبة.
– رواية “الأبتر”: تقع أحداثها في قرية المنصورة السورية بجانب القنيطرة بعد الهزيمة، وقد ركّزت على التمسّك بالأرض والصمود، وإرادة المقاومين ضد الاحتلال، وعلى البطولات الفردية لأهالي القرية، وعرّت الاعتداءات الصهيونية على حقولها ومنازلها وسكانها.
ألّف الكاتب الراحل أيضًا كتبًا هامّة طُبعت مرّات عديدة، لأنها تعبّر تعبيرًا دقيقًا عمّا عاشه المواطن العربي والسوري خلال عقود، وكأن عدوان كان متيقّنًا مما ستؤول إليه سورية من خراب وقمع وانهيار، وظهر ذلك واضحًا في كتابه “حيونة الإنسان” الذي صدر عام 2003 في طبعته الأولى، وهو دراسة نقدية اجتماعية وسياسية عميقة، تتناول المجازر والإبادات والتعذيب في السجون، وآليات تحويل الإنسان إلى مخلوق متوحّش مسلوب الإرادة، نتيجة القهر والاستبداد والفقر والتهميش. وتكشف كيف تعتاد الشعوب على الذلّ والمهانة والظلم والعنف، حيث يموت بداخلها جزء من الرفض والكرامة، وتناقش أيضًا سيكولوجية الضحية والجلاد، ودور الحكومات الشمولية في تبرير الجرائم والوحشية التي تتبعها لإخضاع شعوبها. في هذا الكتاب أفكار محزنة عن ورطة الإنسان الأعزل، وولادة الوحش، وأصل العنف، والقامع والمقموع: “إن ما نصفه بالوحشية هو سلوك خاص بالإنسان. لأنه الحيوان الوحيد الذي يقتل أفرادًا من بني جنسه ويعذّبهم، دونما سبب بيولوجي أو اقتصادي”. واعتبر النقاد هذا الكتاب صفّارة إنذار ومرجعًا دقيقًا لتحليل الواقع العربي والواقع السوري خلال عقود.
من كتبه أيضًا:
– “تهويد المعرفة”: سلّط الضوء فيه على محاولات الصهاينة الدائمة لتزييف الحقائق التاريخية والمعرفية، وعلى احتلال فلسطين، والاستراتيجيات التي تستخدمها الصهيونية للسيطرة على الآخرين والتأثير فيهم، فالاحتلال كما يرى الكاتب لا يريد احتلال الأرض فقط، بل إبادة التاريخ أيضًا وتزويره: “نحن لم نخسر الأرض والوطن والبيوت والمزارع فقط، بل خسرنا التاريخ ومنابع المعرفة أيضًا”.
– “دفاعًا عن الجنون”: وهو مجموعة من المقالات عن الشعر والفن التشكيلي والمرأة والمسرح، ودراسة نقدية للمشكلات والمتغيّرات النفسية والاجتماعية والسياسية والفكرية في المجتمع.
برع ممدوح عدوان أيضًا في كتابة الدراما التلفزيونية، وأحدث قفزة نوعية فيها، ومن أعماله “دائرة النار”، “اختفاء رجل”، “ليل الخائفين”، و”الزير سالم”. وهذا الأخير لاقى نجاحًا منقطع النظير، توفّر له مخرج على قدر عالٍ من الحرفية والمهنية والثقافة، هو الراحل حاتم علي. وهو عبارة عن مقاربة جديدة لحرب البسوس، الصراع القبلي الطويل الذي دارت رحاه في الجزيرة العربية في العصر الجاهلي، واستمرّت نحو أربعين عامًا. ومقاربة لشخصية المهلهل بن ربيعة الملقّب بالزير، والذي صوّرته حكاية الحكواتي الشعبية على أنه بطل خارق لا مثيل له، فجاء الكاتب وقدّمه شخصية من لحم ودم: يخاف ويكذب ويخون ويحارب ويلقي الأشعار، وخلّصه من الأسطورة التي لازمته.
وكان أيضًا مترجمًا هامًا، نقل العديد من الأعمال العالمية ذات البعد الثقافي الكوني والإنساني، والسويّة الفنية العالية إلى اللغة العربية، وهو المتميّز في تطويع النصوص الأجنبية الصعبة. تنوّعت ترجماته بين الرواية والبحوث التاريخية والمسرح. ومنها: رواية “خيمة المعجزات: زوربا البرازيلي” لجورج أمادو، و”الإلياذة” لهوميروس الشاعر الملحمي الإغريقي، إضافة إلى “تلفيق تاريخ إسرائيل التوراتية وطمس التاريخ الفلسطيني” لكيث وايتلام، أستاذ الدراسات الدينية في جامعة سترلنغ البريطانية، و”تقرير إلى غريكو” سيرة ذاتية للروائي والفيلسوف اليوناني نيكولاس كازانتزاكي، و”التعذيب عبر العصور” للمفكّر الأميركي برناديت ج. هروود.
احتفى ممدوح عدوان بالحياة طوال عمره، وتعلّق بها وبكرامة الإنسان تعلّقًا يفوق الوصف، وقدّم أفكارًا ثورية جريئة، ودافع عن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وعن فلسطين، وكان في ذلك كله متمرّدًا وصريحًا إلى حدّ كبير.
وُلد عدوان في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 1941 في قرية دير ماما بريف حماة، وتخرّج من قسم اللغة الإنكليزية– جامعة دمشق عام 1966. عمل مدرّسًا لمادة الكتابة المسرحية في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وكتب مئات المقالات الصحافية بأسلوب تحليلي ناقد.
لم يكن شجاعًا في كتاباته فقط، بل في مواقفه المعلنة، بصوت عالٍ وصريح. ولا ينسى السوريون ما قاله عام 1979 في مؤتمر اتحاد الكتّاب العرب بدمشق، حين كان نظام الأسد الأب يشنّ حملة اعتقالات واسعة في سورية، ويحضّر لمجازر حماة وحلب المروّعة: “النظام السوري يكذب حتى في النشرة الجوية. والكذب ينطلق من الخوف. والسلطات التي تمارسه هي سلطات تخاف الشعب، وتخاف أن يراها على حقيقتها”.