على مدار قرون وقرون، تغير مفهوم الجمال من زمن إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى. وفي وقتنا المعاصر، ورغم أن الجمال مفهوم إنساني، فإنني سأخص المرأة بالحديث، لأنها أكثر هوسًا بالتجميل، وتتبعًا لكل جديد فيه. لم تعد النساء تتساءل فقط: هل أنا جميلة؟ أصبح السؤال الملح المتكرر هو: هل شكل وجهي وجسمي يتناسب مع موضة الوجوه والأجسام هذا العام؟ هل أنفي مستقيم بما يكفي؟ هل شفتاي منتفختان جيدًا؟ هل يشبه جسمي أجسام الممثلات وفتيات الإعلانات على تيك توك وإنستغرام؟ كيف أحول شكلي في الواقع لأشبه صور الفلاتر؟ ليفرض الواقع سؤالًا أعمق من كل الأسئلة السابقة: كيف تحول وجه الإنسان الذي كان جزءًا من هويته إلى شيء قابل لإعادة التشكيل والتحسين باستمرار؟
ومع هذه الأسئلة تظهر المفارقة الأساسية في وقتنا المعاصر، وهي أنه كلما زادت قدرتنا على تغيير وجوهنا وأجسامنا (بواسطة “الفيلر”، وهو إجراء تجميلي غير جراحيّ)، أصبحنا أقل قدرة على قبولها. لكن في الوقت نفسه لا يمكن القول إن الرغبة في التجميل جديدة، أو معاصرة. غير أن الصناعات الحديثة والنزعة الاستهلاكية لم تكتفيا بتلبية هذه الرغبة، بل ربطتاها بسوق متغيّرة باستمرار، يقدّم لنا أشكالًا وتصوّرات جديدة لما ينبغي أن نكون عليه.
متى دخل الجمال إلى السوق؟
| منذ أفلاطون (الصورة) وأرسطو لم يكن الجمال مجرد مظهر خارجي، بل كان مرتبطًا بالتناسب والانسجام، وبالسؤال عن سبب انجذابنا إلى الأشياء الجميلة |
منذ أفلاطون وأرسطو لم يكن الجمال مجرد مظهر خارجي، بل كان مرتبطًا بالتناسب والانسجام، وبالسؤال عن سبب انجذابنا إلى الأشياء الجميلة. لكن مع التطوّر والحداثة، تغيّر المفهوم تدريجيًّا، خاصة مع الثورة الصناعية والتصوير، ولاحقًا مع السينما. فلم تعد الصورة الجمالية مجرد قيمة نتأملها، بل دخلت في منظومة إنتاج وتسويق تحدّد لنا هيئة مرغوبة، وتعيد تقديمها بوصفها نموذجًا قابلًا للاقتناء والتكرار. وفي القرن التاسع عشر، أعيد تشكيل مفهوم جمال المرأة من صفة طبيعية إلى شيء يمكن إنتاجه من خلال السلع والاستهلاك. وإذا كانت المنتجات قادرة على أن تبيعك الجمال، فيجب إقناعك أولًا بأن هنالك دائمًا ما يحتاج إلى تحسينه في مظهرك.
ومع ذلك، لم تعد صناعة الجمال تبيع المنتج بقدر ما تبيع إحساسًا دائمًا بأن ما لدينا ليس كافيًا، عن طريق تصدير صورة مثالية نقارن أنفسنا بها باستمرار، فنراقب الفارق بين صورتنا والصورة المعروضة، ونبحث عن المنتج الذي يتم الوعد بتقليصه، وبذلك تترسّخ تصورات محددة ومحدودة عن الجمال والشباب، لتتحوّل تدريجيًّا علاقتنا مع وجوهنا وأجسامنا من التزيين إلى التعديل، ومن التعديل إلى إعادة التصميم. ولم تعد الشيخوخة مرحلة طبيعية من مراحل الحياة، بل غدت مرحلة مخيفة نبحث عن طرق لمقاومتها وتأخيرها وإصلاح آثارها، فيخضع الجسم بدوره إلى مطالب التحسين المتواصل، فلا يكاد يصل إلى صورة مرضية حتى تظهر صورة جديدة تستدعي إعادة التعديل.
الجسم كمشروع مستمر للتقييم والتحسين
حين يغدو الجسم مشروعًا للمراقبة والمقارنة بأجسام أخرى بدلًا من أن نعيش ونتواصل من خلاله، تتغيّر علاقتنا بأجسامنا ورؤيتنا لها. فيمكن أن يصبح الجلد أكثر نضارة، والجسم أكثر رشاقة، والعمر أكثر شبابًا، ويكشف ذلك عن تحوّل في العلاقة بين الجسم والهوية. وهنا يبرز السؤال: أين تنتهي عملية العناية بالنفس، أو التجميل، وأين يبدأ تغيير الذات وصورتنا في المرآة؟ ومع استمرار هذه التغييرات، ربما نفقد هويتنا مع تغير وجوهنا وأجسامنا.
في هذا السياق، يظهر الكمال بوصفه معنًى لا متناهيًا، لأن الكمال في صورته المعتادة كان يعني بلوغ حالة مكتملة مرضية. أما في ثقافة التعديل المستمر، فلا يكون هنالك كمال نهائي؛ إذ يفتح كل تغيير بابًا لتغيير آخر. فكلما ظهرت صورة مثالية، ظهرت أخرى أكثر مثالية منها، ليبقى الإنسان عالقًا طوال الوقت بين صورة حاضرة بالفعل، وصورة أخرى متخيّلة يتمناها.
الجمال ومتطلبات السلطة
| وفقًا لناعومي وولف في كتابها The Beauty Myth لم يعد مطلوبًا من المرأة أن تؤدي أدوارًا اجتماعية محددة فقط، وإنما صارت هيئتها العامة مجالًا للتقييم المستمر |
تتطرق الكاتبة والناقدة ناعومي وولف في كتابها The Beauty Myth إلى ملاحظة تاريخية واجتماعية لا يمكن تجاهلها: رغم حصول النساء على مساحات أكبر اقتصاديًّا وعمليًّا، وعلى مستوى الاستقلال والمشاركة العامة، لم تختف الضغوط الاجتماعية المفروضة عليهن، بل ربما أضيفت إليها ضغوط جديدة تتعلق بالجسم والمظهر.
وفقًا لوولف، لم يعد مطلوبًا من المرأة أن تؤدي أدوارًا اجتماعية محددة فقط، وإنما صارت هيئتها العامة مجالًا للتقييم المستمر. ولم تعد التقييمات تتوقف عند أسئلة مثل: هل أنت زوجة جيدة، وأم جيدة، وموظفة ناجحة، وابنة مطيعة؟ بل أصبحت هنالك أسئلة أخرى مثل: هل تبدين شابةً بما يكفي للمنافسة؟ هل أنت نحيفة بما يناسب العصر؟ هل ما زلت جميلةً رغم تقدمك في العمر؟ هل ما زال مظهرك طبيعيًّا رغم التدخلات التجميلية؟ وهكذا انتقلت هذه التوقعات من كون الجمال صفةً نمتلكها ضمن صفات أخرى، أو حتى اختيارًا شخصيًّا، إلى كونه مقياسًا اجتماعيًّا يصعب الخروج عنه.
يدفعنا هذا الطرح عند وولف إلى أن نتشكك اليوم في الصور الجمالية التي تظهر وتتلاشى، لتتجدد معها صور مثالية ومعايير أخرى طوال الوقت، مع تغير الواقع الاجتماعي والثقافي وسطوة الإعلام والصورة. فما نراه اليوم الصورة المثالية لم يكن نفسه على مدار التاريخ، وإذا كان هنالك ما يدفعنا إلى تغيير أنفسنا طوال الوقت لنلائم التوقّعات المعيارية، فبالتأكيد هنالك من وضع ذلك المثال الذي نركض خلفه باستمرار.
العودة إلى الجمال الطبيعي عبر المنتجات الصناعية
إذا كانت اختياراتنا الجمالية تتأثر بكل العوامل السابقة، فالمفارقة الغريبة في اللحظة الحالية هي ظهور ما يبدو طبيعيًّا عبر كل طرق الافتعال، في صورة امرأة توحي بأنها لم تبذل أي مجهود لتبدو جميلة. فبعد عقود من المبالغات في المظهر وملامح التجميل الصريحة، ظهر نموذج جديد يقدم الطبيعي بوصفه نقيضًا للمبالغة. وتجلت ملامح هذا النموذج في البشرة الصافية التي تبدو بلا تجميل، والجسم الرشيق من دون حمية قاسية، وأناقة توحي بأنها أناقة بلا جهد.
ذلك المظهر الذي يوحي بالطبيعية، في الحقيقة، يحتاج إلى قدر كبير من العمل ومستحضرات العناية، لتصبح كلمة “طبيعي” نفسها ملتبسة. فالطبيعي لم يعد بالضرورة الوجه الذي لم يتدخل فيه طبيب تجميل، أو متخصص في الماكياج، وإنما صار هيئةً لها قواعدها الخاصة: بشرة بلا شوائب، شفاه ممتلئة، ولكن بشكل غير ملحوظ، حواجب مرتبة من دون أن تبدو مرسومة، شعر مصبوغ بحيث يبدو غير مصبوغ، وجسد صحي ورشيق من دون أن يكشف مقدار الجهد المبذول للوصول إليه، وبذلك يتحوّل الطبيعي من حالة إلى أداء جمالي؛ فلم تعد الصورة المثالية أن نرى التجميل، بل أن يختفي أثره تمامًا.
هل ما زال الجمال سؤالًا فلسفيًّا؟
إذا كان ما نعدّه طبيعيًّا قد غدا مظهرًا يمكن إنتاجه، وأصبحت له قواعده ومنتجاته وتقنياته، فقد ابتعد هذا المفهوم عن السؤال الذي شغل الفلاسفة زمنًا طويلًا: “ما الذي يجعل الشيء جميلًا؟”، وأصبح مرتبطًا في وقتنا المعاصر بطريقة إنتاجه وكيفية الوصول إليه، وما الذي يدفعه الإنسان الحديث في مقابل الحصول عليه. ومع ذلك، لا يمكن اختزال الجمال في كونه نتاجًا للسوق وحده، لأن تحوله إلى صناعة لا يعني أنه فقد معناه الفلسفي.
منذ أفلاطون لم يكن سؤال الجمال سؤالًا عن المظهر وحده، حيث كان مرتبطًا بالحقيقة، وبما يجذب إلى شيء دون آخر. وفي الفلسفة الحديثة لا نصف شيئًا ما بالجمال فقط لارتباطه بالذوق الشخصي، بل يعد الجمال تجربةً نعتقد أن الآخرين يمكنهم مشاركتنا فيها، وفقًا لكانط. بينما حاول هيوم البحث عن أساس للحكم في الذوق الجمالي، وكان يحاول فهم الأحكام الشخصية، وكيف تكون معياريةً، وليست اعتباطيةً وشخصيةً تمامًا.
لم تختف هذه الأسئلة اليوم، رغم امتلاكنا مستحضرات تجميل أكثر، وتقنيات تجميلية وصورًا أكثر تعددًا. لكن السؤال نفسه اختلف؛ فإذا كان الفيلسوف يتساءل قديمًا عن مفهوم الجمال وطبيعة الحكم الجمالي، فإن السؤال المعاصر يبحث في ظروف تشكل هذا الحكم، وطرق إنتاج الصورة المثالية، ومن الرابح من نشر صورةً محددةً تتغيّر باستمرار. يتقاطع هنا سؤال الجمال مع سؤال آخر عن السلطة والسوق والاستهلاك، فالصورة الجمالية لا تبقى مجرد صورة حين تصبح قابلة للتكرار والاستنساخ على نطاق واسع، وحين تدخل الإعلانات والسينما والمجلات ووسائل التواصل الاجتماعي لتحديد الصورة السائدة. وعندها يتحول التفضيل إلى قاعدة، ثم إلى توقّع، وقد يتحوّل التوقع بدوره إلى إلزام غير معلن يدفعنا إلى الاقتراب قدر الإمكان من الصورة التي ترسمها آليات السوق.
متعة النظر إلى الجمال
رغم تغير المفاهيم والأشكال والصور، يبقى اللغز قائمًا: لماذا نريد أن يكون وجهنا جميلًا؟ ولماذا نستمتع بالنظر إلى لوحة جميلة، أو منظر جميل، لا يقدم لنا أي منفعة مباشرة؟ ولماذا يحرك فينا شيئًا غامضًا لا يمكن تحويله إلى كلمات؟ ربما هذه الأسئلة، ذات الإجابات غير اليقينية، هي التي حالت دون اختزال التجربة الجمالية في منفعتها، أو في قدرتها على أن تتحول إلى منتج، حتى بعد أن أصبح هنالك سوق ضخم من التجميل والملابس والعطور والإجراءات التجميلية. فكل من أراد أن يستثمر في رغبة البشر وانجذابهم إلى الجمال لم يستطع تفسير الرغبة العميقة فيه.
ربما لا يمكن رغم كل التناقضات أن نؤكد ببساطة أن الجمال أصبح فقط استهلاكيًّا، ولا أن نقول إن علينا العودة إلى مفهوم الجمال القديم، أو الجمال الطبيعي، كما لو أن له طبيعةً خالصةً لم يتدخل فيها أي شيء، لأن مفهوم الجمال الطبيعي نفسه تتدخل فيه الثقافة والمجتمع والسوق. لذلك لم تعد المشكلة في رغبتنا في أن نكون أجمل، وإنما تبدأ المشكلة الفعلية حين تحمل هذه الرغبة بوعود لا نستطيع تحقيقها؛ حين نعتقد أن وجهًا أجمل سيمنحنا حبًّا، أو قبولًا أكثر، أو أن مظهرًا أكثر شبابًا سيجعلنا نعتقد أننا سنعود إلى سنوات الشباب فعلًا. وعندها ربما نحتاج إلى أن نفكر في أعماقنا في ما نريده حقًّا، سواء كان القبول، أو الاعتراف، أو الحب، أو الشباب.
مصادر مُختارة:
https://plato.stanford.edu/entries/beauty/
https://plato.stanford.edu/entries/plato-aesthetics/
https://academic.oup.com/edinburgh-scholarship-online/book/56945
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1740144522001784?via%3Dihub
https://link.springer.com/article/10.1007/s40894-022-00179-4
https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/23311983.2026.2726073