إنان.م.بلاي… موقع درج
تتعامل الجماعة مع الذكورة كموقع اجتماعي يحتاج إلى أداء وإثبات مستمر أمام الآخرين، تراقبه الجماعة الذكورية وتقيمه باستمرار، لذلك لا يصدر العنف فقط من رجل يمتلك السلطة تجاه من هم أضعف منه ، بل أيضاً بين الرجال أنفسهم عندما يُطلب من أحدهم بشكل “رمزي” تكراري إثبات دوره الاجتماعي أمام من يمنحونه شرعية أو يسحبونها.
كنت أجلس على السياج حتى أمرّر صحناً أو أعبر سيباط (سياج) العنب الفاصل بيننا وبين جيراننا، وأحياناً أتمشى حاملةً صحوناً عدة أوزعها عليهم. في كل مرة كنت أُسأل “ها اليوم جنان طابخة؟”، فأجيب بنعم عبر ابتسامتي.
في طفولتي عشت في بيت تسكنه خمس عائلات كانت تديره رعائياً زوجة عمي الأكبر التي نناديها جميعاً، بمن فينا والداي، عمة. كانت متصلّبة في كل شيء حتى في طبخها، فقد كانت ترفض أن يكون الأطفال موجودين في المطبخ لأسباب جندرية أكثر منها متعلّقة بالحرارة التي كانت تحوّل مطبخنا إلى فرن. كنت لا أزال بالنسبة إليها لا شيء سوى ما بين ساقي ولأنني كنت ممنوعة من دخول المطبخ حينها.
أجلس على الدرج المقابل لباب المطبخ أراقب النساء والصخب المرافق للطبيخ، وعند الأنتهاء كانت العمّة تناديني كأنها تراني من خلف الجدار لأمرّر تلك الصحون إلى الجيران، وما كنت أمرره دوماً هو البامية.
بعد دخولي المطبخ أخيراً رأيت نتاج تلك الرائحة التي شممتها، أصوات فرقعة الماء وهي تسقط في الزيت الساخن، وأحياناً خروج من تساعد العمة باكية بعد صراخها لأنها أزعجتها بشيء يخصّ الطبخة، وشعور الحكة واللزوجة المتقطع في رقبتي لأنها كانت تستخدم يدها، وأحياناً البامية نفسها، لتطردني من المطبخ فأعود إلى مكاني على الدرج بكومة من أقماع البامية المقصوصة ملتصقة برقبتي وظهري.
لم أكن أوزّع إلا بامية عمّتي، وتجمع العائلات الخمس نساءها فقط، بالطبع، في الطبخ أو على سفرة الأكل، وأحياناً عندما يزورنا أحد أعمامي الذين استقلّوا في منازل وحدهم. لم أمتلك يومها كلمة لما كنت أشعر به، لكنني كنت أعرف في جسدي أن هذا الذي يحدث لي على الدرج، ويتكرر مع طبخة بعينها، يكبر معي ويتغير شكله مع التكرار، حتى صارت الطريقة التي أرى بها نفسي قبل أن أختار أنا كيف أراها.
الحكة على رقبتي واللزوجة المرافقة لها، وصوت عمّتي وهي تختصرني إلى ما بين ساقي، علّمتني كلها أن هناك شكلاً يحدّني أكثر من طبخة. كان البيت كله يعرف موعد البامية ومناخها ومناسبتها العائلية، التي تبدأ باستيقاظ عمّتي أبكر من المعتاد وجلوسي أنا على الدرج، حتى صار الجدول نفسه جزءاً من عاداتنا: من تطبخها، ومتى، ولمن، ومن يوزّعها. ذلك التكرار الفردي والجماعي في آن هو الظاهرة.
إنتاج الأدوار الاجتماعية
في كتابه “حوار في بنيوية الفن والعمارة“، يشير المعماري العراقي رفعة الجادرجي إلى أن الظواهر الاجتماعية تنطلق من أساس مادي وفكري ينتج سلوك الفرد وتفاعله. وطبخة البامية التي يولع العراقيون بها تشكّل ظاهرة من هذا النوع، بدءاً من مقوماتها المادية مروراً بسلوكيات نقل موادها الخام وتسويقها وتخزينها وطبخها وصولاً إلى الفكر أو المخيال الذي ينتج القوة الحقيقية وراء هذه السلوكيات، المعرفة، التدريب، التقليد، الخبرة الشفاهية والمدونة.
هذه البنى ترابط في تشكيل الظاهرة، ولا يكفي الفكر للتعامل معها، فهو ينتج عناصر حدوثها أيضاً، ويكيف في الوقت نفسه تكوين الفرد وموقفه الخاص منها.
يرى الجادرجي أن البامية تحولت من حاجة غذائية بحتة إلى سلوك مرتبط بالهوية، حتى صار أي تعديل في تحضيرها تجاوزاً وأحياناً تهديداً لمخيال جمعي مستقر حتى لو كان التهديد وهمياً لا يمسّ جوهر الطبخة كخضار صالح للأكل.
لا يتشكّل الرفض هنا من عدم توافق الإضافة مع خصائص البامية نفسها، فالظاهرة كما تمارس لا تتسع لأي إضافة لأنها تحولت من حاجة نفعية إلى رمز، وما حدث للطباخ البحريني “بوبديع” الذي قادته تعليقات العراقيين على طريقة طبخه البامية إلى عمل سلسلة يطبخ بها البامية بطرق غير متوقّعه، بشكل كان واضحاً أنه نكايةً بكل تلك الصرامة التي دافع بها العراقيون عن رمزهم. حتى دون شتات أو هجرة، يعمل المنطق ذاته، الذي وصفته النسوية الهندية أوما ناريان عندما تحدثت عن تشبّث أبناء الجاليات بأسطورة طبق “الكاري الأصلي” كوسيلة للتشبّث بالهوية أو إعادة إحيائها، متجاهلين كيف تشكّل ذلك الطبق أساساً عبر تفاعل استعماري وحركة التجارة العالمية. فحراسة الرمز المستمرة، أكثر من أصالته المفترضة، هي ما تمنحه صفته الرمزية.
والظاهرة كما أدركها الآن ليست شيئًا ثابتاً يُدرك مرة واحدة، هي صورة في تغيّر مستمر تتشكل من تعامل الفرد معها ومن تأثيره وتأثره بها، ولذلك تختلف قراءتنا للأشياء البسيطة والخطيرة على حدّ سواء بحسب الزمان والمكان والجندر والطبقة والحالة النفسية والاجتماعية لمن يدركها أو تدركها. هذا النمط فهمته كامرأة عابرة جندرياً مرة عندما كنت طفلة أجلس على درج كتعديل غير مسموح به في مطبخ عمتي، ومرة أخرى بشكل أقسى عندما كبرت وصرت تعديلاً غير مسموح به على ظاهرة أوسع من المطبخ، ظاهرة الجسد العراقي الصحيح.
عندها أدركت أن العنف الذي أختبره أنا أو الذي يتعرض له مجتمع الميم عين عموماً يعمل بالمنطق نفسه الذي أبعدني عن المطبخ، لكن على مستوى أوسع وبكلفة أكبر لا تقارن. لا يعني هذا التوازي أن الجسد يوازي الطبخة أو أن خطورة العنف تُختزل في رمزية التهديد، لكنه يكشف آلية واحدة، الحاجة إلى حراسة رمز يظن المجتمع أن استقرار من استقراره. العنف هنا مثل البامية يُشتهى ويتاق إليه كمطلب اجتماعي في حماية هوية جماعية، تأكيد سيادة، غسل عار، فرض نظام جندري هرمي. والمجتمع نفسه لا يريد أي عنف، يريد عنفاً بشكل وطقس محددين يتوافق مع تصوّره الذاتي.
يعمل هذا العنف عبر منظومة مركبة تجعل فعل الاعتداء مبرراً ومحرضاً عليه، متجاوزاً لحظة الاعتداء المباشر كما حدث عند انهيار الدولة وبطريركيتها المركزية وتشكل بطريركيات ميليشياوية متعددة فرضت نماذج صارمة للذكورة والأنوثة، مصنفة أي انزياح عنها تهديداً وجودياً للهوية الجمعية بين عامي 2006 و2013، وصولاً إلى تعديل قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي كما يسمونه عام 2024.
يتكفّل العنف الهيكلي والمؤسساتي بترسيخ ذاته حتى يصير جزءاً من النظام الطبيعي، ويعمل العنف الرمزي على مستوى الخطاب واللغة على تأطير وجود أفراد مجتمع الميم عين ضمن خانة التهديد.
جسدي الذي كان بالنسبة الى عمتي يوماً لا شيء سوى ما بين ساقي، صار الآن في عيون كثيرة حولي تعديلاً على ظاهرة الجسد العراقي الصحيح، ولا يتعلق العنف بما يفعله الفرد جنسياً فقط بقدر ما يتشكل حول شبكة تحدد سلفاً من هو الرجل ومن هي المرأة وأين يقف كل جسد من الرعاية والزواج والإنجاب والإرث والتمثيل السياسي.
الجسد الكويري عندما يرفض الموقف الذي اعتادت البنية تمرير هذه الأدوار من خلاله بناءً على العضو التناسلي، يصبح وجوده دليلاً على إمكانية تغيّر القاعدة المنظمة لهرمية السلطة، بالتالي هوية هذا المجتمع الثقافية.
البنية الكويريّة !
في كتاب “ما قبل المثلية الجنسية في العالم العربي الإسلامي”، يرى خالد الرويهب أن استعمال مفهوم المثلية الجنسية على تلك الفترة الممتدة ما بين 1500 و1800 يفرض على تلك المرحلة تصنيفاً حديثاً لم يكن منظماً لخبراتها بالطريقة نفسها. فهو يميز بين الفعل والرغبة والتعبير والمكانة الاجتماعية، ويشير إلى أن بعض الممارسات الإيروتيكية بين الرجال كانت تُقرأ داخل ترتيب أوسع يحدد أدوار الفاعل والمفعول به ومكانة الرجل وعلاقته بالأسرة والمجتمع. هذا الترتيب يسمح بإعادة صياغة المسألة، ويُحمل الفعل عندما يبقى صاحبه داخل موقعه القادر على الزواج والإنجاب والوراثة والتمثيل، لأن الأدوار الجندرية بما فيها الجنسية تحدد سلفاً بناءً على الجنس، ثم يفقد هذا الاحتمال قوته عندما تتحول الكويرية إلى طريقة وجود وعلاقة بالذات ترفض الموقع المقر للجسد.
لا تعني هذه المقارنة أن المجتمعات السابقة عرفت قبولاً للكويرية بالمعنى المعاصر، ولا أن الفعل كان آمناً أو متسامحاً معه دوماً، لكن البنية تستطيع احتواء فعل منفصل عن هوية تتحدى الترتيب العام، كما يحدث مع التسامح شبه الموجود مع المثليات جنسياً، ليس لأسباب بورنوغرافية، فهذا حديث آخر، لكنهن، بالنسبة إلى المخيال الجمعي، لم يفقدن القدرة على الزواج والإنجاب بناءً على موقعهن الذي حُدّد من خلال أجسادهن.
وعلى الرغم من ذلك يعشن أشكالاً مختلفة من العنف عبر التزويج القسري وحتى القتل. الهوية وحدها لا تدخل في هذا الاحتواء لأنها تضع الموقع الاجتماعي نفسه موضع تساؤل.
في السياق العراقي، تتصل العائلة والزواج والإنجاب والنسب والملكية والتمثيل بمؤسسات دينية وقواعد قانونية وعرفية متداخلة، فالزواج عقد بين رجل وامرأة غايته تأسيس رابطة للإنجاب، وينظم أبواباً أخرى للإرث والولاية. وتعيد البنى ما قبل الحديثة، العائلة والعشيرة والطائفة والمؤسسات الدينية، تفسير هذه النصوص وتطبيقها بدرجات مختلفة. لذلك يواجه الجسد الذي يرفض موقعه داخل هذه السلسلة ضغطاً يتجاوز الحكم على رغبة فردية، فيظهر وجوده كاختبار لقدرة النظام على إعادة إنتاج نفسه.
ولكي لا يعمم الاستنتاج على مجتمع هو ليس وحدة متجانسة، تختلف قدرة العائلة والعشيرة والدين والقانون حتى على فرض الزواج أو مراقبة الجسد باختلاف المنطقة والطبقة والمدينة والريف، لكن هذه المؤسسات تتقاطع في إنتاج معيار للجسد المقبول، وتتولى العائلة المراقبة اليومية وتمنح الجماعة الاعتراف أو الوصم ويمنح القانون التصنيفات قوة رسمية، وتمارس الجماعات المسلحة عنفاً مشرعاً. من هنا يصبح الجسد الكويري مشكلة تصنيفية قبل أن يكون موضوعاً لحكم أخلاقي، ويعمل العنف على إعادته إلى خانة مقروءة عبر الإهانة والإكراه والضرب وإجبار الأفراد على تغيير مظهرهم أو الزواج القسري أو الانسحاب من الفضاء العام وصولاً إلى القتل.
تمير أستاذة علم الاجتماع فالنتينا غراسي أيضاً في كتابها “في مدخل إلى علم اجتماع المخيال” بين صراعين لإنتاج المعنى الاجتماعي، الأول عقلاني وآلي يعمل عبر القانون والمؤسسة، والثاني “السوسيالية” الذي تستعيره من ميشيل مافيزولي ويشير إلى أشكال الاجتماع الجمعي التي تعمل بمنطق الصورة والتعرف المباشر بين أفراد يشعرون بانتمائهم إلى جماعة واحدة قبل أن يفكروا في مبرر هذا الانتماء.
آثار هذا المخيال كما ترى غراسي تظهر بوضوح في التدين الشعبوي والتعصبات الجماعية والاحتفالات الجمعية في تلك اللحظات التي يتصرف فيها الأفراد بوصفهم جماعة تتعرف على نفسها عبر فعل مشترك لا عبر أفراد منفصلين. العنف تجاه الكويرز في العراق حمل هذا الطابع الاحتفالي منذ ما بعد 2003 عندما أتاح انهيار الدولة للميليشيات العمل بإفلات كامل من العقاب لكنه اكتسب شكله الصريح، التوثيق والتصوير والتبرير العلني بوصفه احتفالاً لا فعلاً يُخفى، مع اتساع استخدام الهواتف المحمولة ومنصات التواصل بعد 2009. العنف يُعرض ليُرى ويُشارك، وهذا العرض جزء أساسي من آلية عمله، يعيد به الفعل الجماعي إنتاج صورة الجماعة عن نفسها عبر طرد احتفالي لما تعتبره تهديداً يخترقها.
أداء الذكورة
تتعامل الجماعة أيضاً مع الذكورة كموقع اجتماعي يحتاج إلى أداء وإثبات مستمر أمام الآخرين، تراقبه الجماعة الذكورية وتقيمه باستمرار، لذلك لا يصدر العنف فقط من رجل يمتلك السلطة تجاه من هم أضعف منه ، بل أيضاً بين الرجال أنفسهم عندما يُطلب من أحدهم بشكل “رمزي” تكراري إثبات دوره الاجتماعي أمام من يمنحونه شرعية أو يسحبونها.
قد يقرأ الأب كويرية ابنه أو ابنته بوصفها فشلاً في أداء دوره أمام العائلة أو العشيرة وحتى المجتمع عموماً، فيرى في الزواج القسري أو التعنيف أو القتل وسيلة لاستعادة السيطرة والاعتراف، إذ يبقى العنف هنا دفاعاً عن موقع يشعر صاحبه أن فقدانه يقلص من شرعية امتيازاته ضمن الجماعة، والفعل الموثق يمنحه شهوده الذين يحتاجهم ليُحتسب أداؤه صحيحاً. كما يمنح الجماعة مناسبتها لتصريف فائضها عبر مشاهدة العنف أو المشاركة فيه. النساء أيضاً يمارسن العنف بدرجات لا تختلف عن العنف الذكوري من الرجال، فالأم أو الأخت تمارس عنفاً رمزياً جدياً ضد أبنائها وبناتها أو إخوانها وأخواتها الكويريين/ات ضمن منطق الشرف ذاته، فتصبح المرأة حارسة للذكورية لا ضحيتها فحسب، ويظهر العنف داخل مجتمع الميم عين + نفسه عندما يعيد أفراده إنتاج تصنيف الكوير المقبول وغير المقبول حتى داخل الفضاءات الكويريه الصغيرة، والتي تكاد تكون شبه معدومة في العراق في محاولة لإثبات الولاء للبنية الخارجية عبر تكريس التصنيف الداخلي.
هذا العنف هو دفاع عن الذكورة وهو أيضاً أداء هش لمن يملك امتيازات هشّة ويحاول الحفاظ على ما تبقى منها بإبقاء الآخرين خارجها.
لا يكفي القول إن الدين هو غطاء يلبس على وقائع موجودة سابقاً، فهو أقرب إلى ما وصفه طلال أسد بالتقليد الخطابي الحي الذي يربط خطاباته بممارسات ومؤسسات وشروط الحياة المعاشة لا بمجموعة شعارات تُستحضر وقت الحاجة، ويجدد كيف تعاش الحياة الصحيحة عبر إحالات مستمرة إلى ماضي تأسيسي ومستقبل متخيل. هذه الإحالات المستمرة هي ما تجعله حياً ومتغيراً وفق متطلبات سياسية وزمنية لا وفق نص مغلق. ولأنه حي بهذا المعنى فهو متنازع عليه من الداخل.
صيغ قانون الأحوال الشخصية العراقي مثلاً في سياقات ضغط نسوية وحاجة الدولة إلى توحيد قضاء مشتت كان يجعل حياة الأسرة غير مستقرة بعد إسقاط الملكية وقوبل بمعارضة قوى دينية وعشائرية اعتبرته خروجاً عن الشريعة. عُدّل القانون مراراً حتى صار اليوم محل صراع بين التوحيد والتقسيم الطائفي بعد تعديله وإصدار المدونة الجعفرية.
هذا التاريخ يثبت أن ما يُعرض بوصفه الموقف الديني الثابت هو دوماً موقف واحد من مواقف متعددة انتصرت في لحظة ما لأسباب سياسية لا كصوت أزليّ لا يقبل الخلاف. هذا التنازع الداخلي يمنح التقليد مرونته وقدرته على الاستمرار، فهو ينتج فئات الزواج الصحيح والولاية والإرث والنسب، التي تتحرك بها المؤسسات الأخرى لاحقاً بوصفها أدوات جاهزة، وهو ما يفسر تصنيفات الجسد والفعل عند الفقهاء الكلاسيكيين كما شرحها الرويهب.
ويعدّ تمييزهم بين الفعل والرغبة والمكانة نتاج تقليد نشط يعيد صياغة مادته باستمرار. العنف في ظل هذا كله نتيجة تقاطع الأنظمة المتعددة في لحظة تاريخية بعينها، كل واحد منها يستمد من التقليد نفسه مادة مختلفة تخدم غرضاً مختلفاً.
بالعودة إلى الجادرجي، يختلف مستوى العنف بين الظاهرتين اختلافاً واسعاً، فرفض طريقة طبخ أكلة يعبر عن حراسة رمز ثقافي بينما يفرض العنف على الجسد الكويري كلفة مادية مباشرة تصل إلى السجن والقتل، وفي أحسن الأحوال الاعتداء الجنسي أيضاً لحماية رمز ثقافي. لكن الصلة بين الظاهرتين تكمن في آلية إنتاج التهديد نفسها، فتصير الممارسة أو الهيئة أو الظهور لوحده علامة على خلل في نظام اجتماعي، فيتعامل المجتمع مع تغييرها كخطر على النظام كله. لا يساوي هذا التشبيه بين الطعام والجسد ولا يخفف من خطورة العنف نفسه لكنه يحاول كشف كيف تنتقل الظاهرة من مادة وسلوك إلى رمز، وكيف يدفع المساس بالرمز البنية إلى الدفاع عن استقرارها وفي سياقنا عن أبويّتها وسلطتها المفرطة.