بينما كنت أتجول في حارات دمشق القديمة، مررتُ بجانب محطة الحجاز ثم مبنى البريد السوري، فقرّرت الدخول للمبنى للحصول على الطوابع الحديثة التي أصدرتها المؤسسة بمناسبة مرور عام على إنهاء الثورة السورية نظام الأسد، فاقترح عليّ عامل البريد أن أزور متحف تاريخ الطوابع السورية الذي كان مغلقا أيام الأسد وتم افتتاحه حديثاً.
استوقفتني في المعرض مجموعتان من الطوابع البريدية، تعود الأولى إلى عام 1950 وتحتفي الطوابع البريدية بدستور عام 1950 الذي منح صلاحيات واسعة لرئيس الوزراء، وفي الوقت نفسه، حدّ من صلاحيات الرئيس. وعزّز الدستور أيضا سلطة القضاة. وكذلك ديمقراطية الدولة والمؤسسات، بإنشاء المحكمة الدستورية العليا. كان دستور 1950 متقدّما جدا فيما يتعلق بالحقوق والحريات العامة وهو مبني على أساس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 1948، وبذلك يعد أول دستور ديمقراطي في المنطقة العربية في تلك الفترة. كما منح حق التصويت للمرأة في 1949وحق الترشح في عام 1953 أي قبل إقرار هذا الحق بزمن طويل في دول أوروبية كثرة، كسويسرا مثلاً. وفي الوقت نفسه، تمتعت سورية بنظام برلماني تعددي وبصحافة حرة كانت تعبر عن مختلف شرائح المجتمع السوري وفئاته، على تعدّدها وتنوعها العرقي والطائفي والإقليمي.
تعود طوابع المجموعة الثانية إلى عام 1954، وتحمل عنوان الاحتفاء بما تسميه “استئناف الحياة الدستورية”، فقد جرت العودة إلى العمل بدستور 1950 في سورية مرّتين: الأولى عام 1954: بعد سقوط حكم أديب الشيشكلي في فبراير/ شباط 1954، أُعيد العمل بدستور عام 1950، واستمرت الحياة الدستورية والبرلمانية حتى قيام الوحدة السورية المصرية عام 1958. والثانية في عام 1961: بعد انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة في سبتمبر/ ايلول 1961، أُعيد العمل بدستور عام 1950، مع إدخال تعديلات عليه. واستمر العمل به حتى انقلاب 8 مارس (1963).
إذاً في التاريخ السوري المعاصر ثقافة دستورية، وإن بالحد الأدنى التي تجعل الاحتفاء بالعودة إلى دستور 1950 مادّة تجعل من المؤسسة السورية الوطنية للبريد ما يستحق الاحتفاء بهذه المناسبة، طبعا عصفت حركة 8 مارس بهذه الشرعية الدستورية، فقضت على ما تبقى من إرث سياسي وطني وديمقراطي في سورية ما بعد الاستقلال التي أثخنتها الانقلابات والتدخلات الخارجية. ويمكن وصفها بأنها كانت النهاية الطبيعية لتطبيق مفهوم “الشرعية الثورية”، واستخفاف مطلق بمعنى “الشرعية الدستورية”، إلى درجة أن حزب البعث ومنذ استلامه السلطة في 1963 وحتى 1971 بعد وصول الرئيس حافظ الأسد إلى السلطة لم يقم بأي انتخابات، محلية كانت أو تشريعية أو رئاسية، ولو في مظهرها الشكلي. صحيح أن الانتخابات فيما بعد، وخاصة في عهد حافظ الأسد، الذي حافظ على إجراء الانتخابات “الوهمية” في مواعيدها الدقيقة، كانت أشبه باللعبة التي تعرف نتيجتها مسبقاً، حتى قبل أن تخوضها، ولم يكن المطلوب منها منح الثقة أو الشرعية، بقدر ما كان الهدف منها إعطاء معنى للديكور الخارجي بأن هناك عملية ديمقراطية سياسية تجري داخل هرم السلطة الأوتوقراطي الموجود.
اليوم، وبعد انتصار الثورة السورية في ديسمبر/ كانون الأول 2024، بعد معركة ردع العدوان التي أنهت معاناة الشعب السوري من نظام الأسد الاستبدادي الذي حكم سورية أكثر من نصف قرن بالحديد والنار، كنتُ من أوائل من دعوا إلى ترتيب انتقال السلطة وفق مبدأ “الشرعية الثورية “، وهو مفهوم سياسي ودستوري، يشير إلى استمداد سلطة الحكم مشروعيتها من الثورة التي أطاحت النظام السياسي السابق، وليس من الدستور أو المؤسّسات الدستورية القائمة قبل الثورة.
بمعنى آخر، عندما تغير ثورة النظام السياسي القائم، وتعلن قيادة الثورة أنها تمثل إرادة الشعب وتطلعاته إلى التغيير، فإنها قد تستند إلى ما تُسمى “الشرعية الثورية”، لتبرير ممارسة السلطة وإعادة بناء مؤسّسات الدولة، حتى لو لم تصل إلى الحكم وفق الإجراءات الدستورية المعمول بها سابقاً.
وكتبت حينها في فبراير/ شباط 2025 المقال الذي استند إليه إلى حد كبير لتبرير الانتقال السياسي في سورية وفق مؤسسات الشرعية الثورية، وفيه “ليس أمامنا خيار آخر سوى المضي في خيار الشرعية الثورية”، والتي تعني أن “إدارة العمليات العسكرية التي قادت عملية ردع العدوان تمتلك هذه الشرعية الثورية. ولذلك قام الناطق باسمها العقيد حسن عبد الغني بقراءة خطاب النصر وتفويض السيد الشرع بالرئاسة، يعني رمزيا نقل الشرعية الثورية من إدارة العمليات العسكرية التي حرّرت سورية، وانتهت في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي إلى الشرع للبدء بالعملية السياسية”. وكتبت بوضوح أن “في كل المراحل الانتقالية تقوم بتخفيض مراحل التعيين بقدر المستطاع حتى تنتقل من الشرعية الثورية إلى شرعية الانتخابات”، وهو الذي يجب أن تمر به سورية، فبعد عامين على “الشرعية الثورية”، وهي دائما ما تكون فترة مؤقتة، لابد من الانتقال إلى “الشرعية الدستورية” عبر صندوق الاقتراع.
ولذلك لابد من تأسيس عملية سياسية وقانونية تنقل السلطة من الاستناد إلى الثورة وإسقاط النظام السابق إلى الاستناد إلى إرادة المواطنين السوريين، وسيادة القانون، ومؤسّسات دستورية منتخبة وخاضعة للمساءلة. إذ يتمثل التحدّي في بناء دولة لا تعتمد شرعية حكامها على دورهم في الثورة أو مشاركتهم في إسقاط النظام السابق، وإنما على قواعد دستورية متفق عليها، تضمن حقوق جميع السوريين، وتحدّد كيفية الوصول إلى السلطة وممارستها وتداولها. فالشرعية الثورية، مهما كانت مبرّراتها السياسية والأخلاقية ينبغي ألا تكون مصدراً دائماً للحكم. كما أن نجاح الثورة في إسقاط النظام السابق يمنح القوى التي شاركت فيها أهمية سياسية وتاريخية، لكنه لا يمنحها بالضرورة حقّ احتكار السلطة أو تقرير مستقبل الدولة من دون مشاركة باقي المواطنين.
ويترتب على هذا اعتماد ثلاثة مبادئ: عدم احتكار الثورة: لا يجوز لقوة سياسية أو عسكرية أن تدّعي تمثيل الثورة والشعب حصراً. مؤقتية السلطة الانتقالية: يجب أن تكون صلاحياتها ومدتها وآليات مساءلتها محددة وواضحة. المساواة في المواطنة: لا تتفاوت الحقوق السياسية والقانونية للمواطنين تبعاً لمواقفهم السابقة أو مشاركتهم في الثورة. ولضمان تحقيق هذا، على مجلس الشعب السوري تأسيس الهيئة العليا المستقلة الانتخابات، والتي يجب أن تحضر سورية للانتخابات المقبلة التي تمكنهم من انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور السوري، تماما كما حدث في دستور 1950 الذي أعاد الاعتبار لمفهوم الحياة الدستورية. فعلى مجلس الشعب السوري اليوم أن يقود المرحلة الانتقالية طبعا بتفاهم كامل مع الرئيس على خطوات المرحلة الانتقالية، حتى نستطيع نقل سورية اليوم من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية، وحتى يستطيع أبناؤنا أن يشعروا بالفخر أن الثورة التي أنهت حكم الاستبداد مع الأسد نجحت في استئناف الحياة الدستورية وبناء المؤسّسات على أساس حكم القانون.