لا أجمل من كتاب وسيلة للتعارف. بطاقة التعريف ظلَّت صامدة، عابرة للأجيال، ثم أزاحتها هواتف تُسجَّل فيها الأرقام، برسالة، أو رنَّة. البطاقة صغيرة، يسهل ضياعها في صفحات كتاب، وبين الأغراض، وقد تنتهي إلى التمزيق. تلك عيوب تداركها الكتاب، بيُسر الرجوع إليه، واستعصائه على الفقد. فراغ الصفحة الأولى، مع الإهداء، يسمح بتسجيل أرقام الهواتف والبريد الإلكتروني وتفاصيل أخرى. الكتب هدية الهدايا، هدية تتضمن هدايا، جسر تعريف بين أطراف، عربون صداقة دائمة. وبعد الندوات واللقاءات تتوّجنا هدايا الكتب، تُحمِّلنا ذكرى ولو عابرة للكتب… كلمة قالها المؤلف، تمنِّي إبداء الرأي بعد القراءة، تعليق احتفظت به الأذن أثناء السلام، نظرة ارتباك، أو إغواء، تتجاوز الإهداء.
في 13 ديسمبر/ كانون الأول 2025، استضافني اتحاد الكتاب اللبنانيين في ندوة بمكتبة الأمير شكيب أرسلان الدولية، خرجتُ منها بكتب تكرَّم مؤلفوها بإهدائها إليَّ. وحده الإبداع الأدبي والفني ما نملك تقديمه إلى العالم الآن، وثيقة إبداعية، شهادة على عصر نعيش على هامشه ولا نسهم في تقدُّمه العلمي. ويبقى لنا الإبداع فضاء باتساع المدى، والنقد ساحة للاشتباك والجدل القادر على توليد شرارة قد تضيء طرقًا إلى المستقبل. فلنحرر الأخيلة، وننظر بعين البصيرة إلى نهايات الآفاق، وسوف نرى، وسوف يرانا عالم لا يزال ينظر إلينا ولا يرانا، إلا من نافذة “ألف ليلة وليلة”، ويختص شهرزاد الليالي بالحفاوة، ويتجاهل حفيدات شهرزاد.
حفيدات شهرزاد
في مجموعة الكاتبة درية فرحات القصصية “احكي يا شهرزاد” (دار الأمير، تقديم محمد حسين بَزّي)، وعيٌ تتسم به شهرزاد العصرية. لا تتوسَّل بفنون الحكي إبقاءً على حياتها، مثل بطلة الليالي. إنها الآن واثقة ومتحدية وعنيدة، فاعلة في المجال العمومي، ولا يقتصر دورها على رواية أفعال الآخرين. ففي قصة “تعويض” لا تبحث عن ظل رجل. تريد شريكًا “يفهم حاجاتها كامرأة، ويدرك قيمة عملها وعلمها… رجل لا يشترط أن تكون كلمته هي العليا”. وفي قصة “الرسالة الأخيرة” لديها القدرة على الانتقام بعد الخذلان.
المرأة، في قسم “وطنيات شهرزاد”، ندٌّ للرجل، شريك كامل. ذاكرة الفلاحة العجوز، في قصة “العجوزان” تؤكد غياب ابنها عشر سنوات ونصف السنة، مصححة لزوجها الذي يظن أن الغياب عشر سنوات. كما تصحح مدة الغياب لمسلحين يقتحمون البيت ليلًا. تواجههم بقوة تعيد إليها فتوتها، رافضة تدنيس البيت. وفي قصة “صاحب الصورة” تستعيد يوم وفاة عبد الناصر، حين كانت صبية تلهو وترى المشاهد الجنائزية، كأن في البلد مأتمًا حقيقيًّا، ثم تدرك أن المتوفى “أعزُّ من في الوجود، هو الذي كان ناصرنا، وهو الأمل الذي انتظرناه… الذي كان يخشاه العدو”، وصورته في البيت ترمز إلى هيبة وشموخ وكبرياء، رغم ما علق بها من غبار يدل على أزمنة هزيمة تسرق طفولة بطل قصة “العيون الحائرة”؛ فيبيع الحلوى للإنفاق على أمه وإخوته، بعد اختفاء أبيه الذي ربما قُتل في غارة للعدو على الجنوب. هذا الصبي يسمع كثيرًا أنهم من الجنوب، ولا يعرف أين يقع هذا الجنوب.
وفي كتاب “بين السطور: قراءات نقدية في فن السرد” (دار البيان العربي) تقوم الدكتورة درية كمال فرحات برحلة شائقة، تستكشف أبعادًا فنية وجمالية في إبداعات قصصية وروائية لأكثر من ثلاثين مبدعًا عربيًّا، أغلبهم من لبنان بطبيعة الحال. فصول الكتاب تدعو القارئ إلى مراجعة النصوص، في ضوء النقد الحاني. وقد تمنيتُ تنسيق المحتويات في أبواب، يضم كل منها فصولًا ذات صلة موضوعية ترتبط بظاهرة فنية، أو بانشغال فكري أو فني للكاتب نفسه في أعمال عدة. كما يمكن تخصيص باب للمجموعات القصصية، وآخر للروايات.
وفي المجموعة القصصية “المنزل الصغير في القدس” للكاتبة هلا ضاهر (دار البيان العربي)، يصير السرد جسرًا تعبر عليه آلام المستضعفين، وفي مقدمتهم الفلسطينيون تحت الاحتلال. بحسن نية تنشغل الكاتبة بهموم قد تُثقل الدراما، وقضايا يُخشى منها على رهافة السرد، وتميل الجملة أحيانًا إلى التقرير، ففي قصة “باب العمود” تتلقى عروس فلسطينية مضى على زواجها ثلاثة أشهر خبر استشهاد زوجها، بعد تحقيق حلمه بالصلاة في المسجد الأقصى، فتبدأ القصة بقولها “الفقد معاناة… كم هي قاسية دنيانا”. وتذكر الدكتورة درية فرحات في تقديم المجموعة القصصية أنها تعيد “صياغة الألم بلغة الفن… يتجلى الأدب بوصفه شكلًا من أشكال المقاومة”، كلما كان قادرًا على تفادي فخاخ الشعارات.
الدكتورة هدى عيد في روايتها “سلطان وبغايا” تهمس وتتجنب الشعارات، وتنأى عن كلام صاخب يقترن بالقضايا الكبرى. في فصل “مرآة سلطان” تذكر كريستين جانبًا من أعراض الحرب الأهلية اللبنانية “التي باتت الفاصلة في ذاكرتنا الجماعية، قبل الحرب وبعد الحرب، نؤرِّخ لأيامنا”. تقول ذلك للسيدة زهيَّة عاصم زعتر، وقد نشرت في موقع يوتيوب مقطع فيديو عن اختفاء عمها الملياردير اللبناني سلطان زعتر. الرجل المختفي لا تمنحه الرواية صوتًا، وتستعيد رسمَ صورته رواياتُ شركائه وضحاياه، وأغلبهم بغايا، ست زوجات يشهدن على جرائم تؤهله ليكون شيطانًا، لم يتورع عن ارتكاب أي جريمة، بمساعدة رفاقه، وإخضاع زوجاته، حتى إن السيدة “أزهار” الوحيدة الناجية من شِراكه، لاكتشافها حقيقته قبل زواجهما، يدبر جريمة إسقاط طائرة صغيرة في المحيط، كانت تقلُّها هي وزوجها المليونير والطاقم المكون من ثلاثة أشخاص.
الشيطان كان جاسوسًا ومهرِّبًا للأموال والمخدرات، وتاجر أسلحة ونساء، وشارك في تعيين وزراء ونواب بتزكيتهم لدى أصحاب القرار. ولم يندم حين اعترف لكريستين، سكرتيرته ومدبرة أموره وقوادته وعشيقته طوال خمس وثلاثين سنة، بتحوُّله ببطء “إلى إنسان آخر… إلى حد أنني لم أنتبه إلى نفسي، إلا عندما أصبحت على هذه الحالة من الهدوء”، يعني التصالح مع نفسه، واستئناس الجريمة. وفي أيامه الأخيرة، وهو مختبئ في قرية نائية عند أرملة صديقه “مرهج”، صارحها بإيذاء الكثيرات، والإضرار بالكثيرين. وكان قد تجاوز السبعين، فهل أفسدته الحرب الأهلية؟ أم أن فساد النفوس أشعل الحرب؟ تلك الحرب تجاوزت شظاياها حاملي السلاح وساحات الاشتباك. تروي الأرملة أن زوجها “مرهج” قُتل في شجار بالسوق، “احتجوا بتداعيات الحرب الحمقاء”، فأصرَّت على دفنه في حديقة البيت، ليؤنسها. واستأذنها سلطان أن تدفنه بجوار صاحبه، فلا يريد الرجوع إلى الذين فرَّ منهم، تمنى “بداية جديدة، ما أدراكِ قد أصبح شجرة تفاح تصنعين منها مربياتك يومًا”.
حتى في اعترافه بالتحول البطيء كان سلطان كاذبًا. والرواية تطرح أسئلة تختص بالتحليل النفسي، عن الاستعداد للانحراف: هل يخضع للجينات، أم يُكتسَب بالتجربة والتأثُّر، أم يرتبط بالنشأة المشوهة في الطفولة؟ ينطبق هذا على سلطان والخادمة “حسيبة”، وهي فقيرة متبنَّاة مات أبوها في الحرب الأهلية، وتناوب مخدومها العميد وابنه على جسدها. وتمكنت من الفرار، وتزوجها سلطان لمدة عشرة أيام عند مأذون مزيف، ثم فارقها. والفصل الذي يحمل عنوان “زمن حسيبة” أخفُّ فصول الرواية ظلًّا، وأكثرها بعدًا عن سرد متقارب للرواة، لكن خطاب حسيبة يلائم وعي امرأة أنضجها توالي المآسي، وشهدت تحولات بدأت باسمها، من وردة إلى حسيبة إلى أنغام، تبعًا للاستقلال الشخصي والتدرج الاجتماعي.
أما سلطان فجمع بين فكر نيتشوي وسلوك شهرياري، وانتهى إلى الانتقام. كان أبوه مهووسًا بالتاريخ ناسيًا الواقع، فأهمل زوجته الجميلة. خانته وهربت، وتركت ثلاثة صبية أكبرهم سلطان الذي ورث جمالها، ونقم على “جنس النساء، فاعتبرهن في الغالب الأعم إما عاهرات، وإما عاهرات”، حسب رواية “برهان” صديقه. وتروي “صافيناز” أنه تزوجها، ولما أنجبت بنتًا أنكرها. طلق الزوجة، وماتت الصغيرة. وظل محرومًا من الأولاد حتى موته. وفي رأيه أن العالم لن يجد السلام حتى “تركع النساء على أقدام الرجال طالبة الغفران”، كما قال لكريستين إنه يؤمن بأن “كل شيء مباح”. ويروي نديمه “برهان” أن سلطان دعاه إلى التفكير في كم من المئات، أو الآلاف من السنين تحتاجها إعادة تأهيل “أجيال فاسدة… الأسهل إفناؤهم واستبدالهم بسواهم؛ بنسخ بشرية أكثر نظافة وجدة ونقاء وجدان”.
المفارقة أن مَن ينشد نقاء الوجدان لا يعترف بمشاعر إنسانية، بل يجدد دعاوى نازية.
علي نسر بين كتاب ورواية
في كتاب الدكتور علي نسر “الرؤية إلى العالم في الرواية العربية: قراءة في روايات جبرا إبراهيم جبرا وحيدر حيدر” (دار المؤلف) إعادة اكتشاف رؤى مشتركة إلى العالم بين جبرا وحيدر. أهمية هذه الدراسة النقدية أنها تخالف مألوفًا يتخذ من رواية “البحث عن وليد مسعود” مدخلًا إلى الرؤية الثورية لجبرا. ويكاد اسمه يقترن بهذه الرواية وحدها، يدلُّ كل منهما على الآخر. هنا يتقصَّى المؤلف فضاء اجتماعيًّا وتاريخيًّا تنطلق منه أعمال جبرا وحيدر، ويستنطق النص “من دون أحكام مسبقة تسقط عليه”، كما يبحث العلاقة بين النص والواقع الذي أنتجه، فالنص أكبر من مجرد شبكة لغوية، إنه “بنية أصغر تتولَّد من بنية أكبر، هي البنية الاجتماعية، وهي الطبقة أو الجماعة التي ينتمي إليها الأديب”، كما قال سيد البحراوي. واستنادًا إلى اعتبار العمل الروائي تخييلًا جماليًّا يخلق واقعًا موازيًا، متأثرًا بالتكوين النفسي والأيديولوجي للكاتب، فإن المؤلف يخلص إلى أن جبرا وحيدر يلتقيان في رفضهما واقعًا عربيًّا مشوَّهًا يحتاج إلى تغيير، وأنهما “من الأدباء الناقمين” على هذا الواقع وما يعانيه من مشكلات، وإن اختلفت المعالجة، فجبرا يؤمن بدور الفرد في التمرد والثورة. وحيدر لا يراهن إلا على الحراك الجمعي. كما اختلفت المصائر أيضًا، فمعظم أبطال جبرا انتصروا “في نهاية المطاف، مولِّدين رؤية تفاؤلية”. لكن معظم أبطال حيدر أخفقوا؛ “فكانت رؤيته سوداوية وتشاؤمية”.
علي نسر في روايته “وادي الغيوم” (دار المؤلف) يرسم جدارية لجرحى الحرب، لا أحد ينجو من آثارها، تختلف الندوب والتشوهات في الدرجة لا النوع، حتى إن “صلاح”، المعتصم بيقينه الديني، يفاجئنا خبرُ استشهاده في نهاية الرواية، فيُربك شقيقَ روحه “يوسف قنديل”.
يوسف وصلاح صديقان على طرفَي نقيض، ربما لهذا السبب يحب كلاهما صاحبه. يوسف الذي فارقته زوجته “سهى” ومعها ولداه، ماجن وفاشل ومستهتر، لا يؤمن بأخلاقيات: “لم أشعر يومًا بوخز إبرة ضمير وأنا أراود امرأة عن نفسها، وأنتزعها من فراش زوجها أو من بين أبنائها”. وصلاح متدين يراهن على إصلاحه، يراه شخصية مركبة، يجمع متناقضات: الإضاءة والإعتام، “الوحل والصفاء… الإيمان والكفر”، ولا يعرف سرَّ انجذابه إليه: “مشروع تخرجي في الحياة أنت يا يوسف، لن أجعلك تفلت مني إلى النار”. وفي إحدى المرات يتعفف يوسف، ويرفض الاستجابة إلى امرأة؛ فهي زوجة مقاتل ينام في خندق مجهول، ومن المروءة تقدير “عرقه ودمه القابل للنزف في أي لحظة”. يوسف، في هذا الموقف، يتمثَّل شخصية “وفاء العلي” بطلة رواية لا يملُّ إعادة قراءتها، وعنوانها “رقص على موسيقى الرصاص”. وفاء وفية لزوجها الفدائي، ولا تزال تنتظره.
الصديقان يوسف وصلاح كأنهما شخص واحد بوجهيه الملائكي والشيطاني، نفسان إحداهما أمَّارة، والثانية لوَّامة. صلاح زرع في بيته يوسف؛ إذ سمَّى ابنه البكر يوسف. ويوسف يرى في صديقه “الأنا الأعلى الذي أشعر برجفة كلما اقترفت شيئًا”، خشية أن يعاتبه صلاح عتابًا قاسيًا. لعبة الأقنعة بين يوسف وصلاح تؤكدها مرام في قولها ليوسف، قبل عشرين سنة، إن لصلاح مكانة في قلبها، وإنها تحبهما “بطريقة مختلفة”. وقبل نهاية الرواية، حين علما بمغادرة مرام لبنان فجأة، يسأله صلاح عنها: “هل ما زالت جميلة؟”. وبعد استشهاد صلاح ينهار يوسف، وفي لعبة الأقنعة يُفاجأ بأن لصلاح اسمًا رسميًّا هو “طه”، ولا يشغله اسم طه، ويناديه بصلاح، وينكر موته؛ فموت أحدهما موت لقرينه.
الصديقان، يوسف وصلاح، يتناوبان على السرد، والغلبة ليوسف المستأثر بسبعة فصول، ولصلاح أربعة فصول، أما “مرام” فلها فصلان تحكي فيهما عن خذلان يوسف لها قبل عشرين سنة، وعن انتحارها الرمزي بارتباطها بزوج يتعمد إذلالها، وعن مقابلتها يوسف بعد سنوات البعاد وهي لا تزال مثقلة بزواج قاسٍ أثمر ولدين، كما تحمل آثار جرح جسدي نتيجة جراحة في القلب. ويوسف الطاووس يضعف أمام بطلَيْ الرواية التي تلازمه يوميًّا، ويحنو على “وفاء” بطلتها، ويكاد يمسِّد رأس المقاتل “جلال” بطل الرواية التي يجذبه موضوعها، فهو لا يحب “الروايات التي يكون الراوي أحادي السرد والكلام والرؤية، يحرم الشخصيات من قول ما تريد بشكل عفوي ومنسجم مع حركتها ودورها ومستواها الفكري والاجتماعي، فأنا أكره الديكتاتوريات حتى في الروايات والروائيين”. ولعل يوسف تأثر بوفاء بطلة الرواية، فاتخذ موقفًا أخلاقيًّا وحيدًا، بالتعفف عن غواية زوجة مقاتل، لا تتحلى بقوة وفاء.
السلوك العام ليوسف يدعو القارئ إلى كراهيته، لكنه لا يكرهه. حتى مرام، رغم الهزيمة والخذلان، تلتمس له أعذارًا تردُّها إلى “عقده النفسية التي حملها من طفولة ربما لا يعرف تفاصيلها ومن حرب لم تكن مأساوية عليه فقط”. الحرب أفسدت النفوس. يوسف لا ينسى مذلة اعتقاله في زنزانة ضيقة، وسياط المحققين، وضربه بالحذاء، وإفاقته بدلاء الماء البارد. الحرب الأهلية أكثر قسوة من مآسي الحرب مع العدو. وفي مفتتح الرواية، لا يستبعد يوسف إذا اندلعت الحرب الأهلية، من جديد، أن يقتل الصديق صديقه.
كائنات ليست من ورق
تقدم الدكتورة سمية عزام، في كتابها “كائنات ليست من ورق”، قراءة ذكية، شائقة وكاشفة، تتجاوز حدود النصوص إلى آفاق الخبرة الإنسانية. العنوان الفرعي للكتاب الصادر عن منشورات غاف في الإمارات هو “قراءة بينية مقارنة في المتخيَّل السردي”، وقد تمنَّيتُ أن يكون هذا عنوانه الرئيسي. أيًّا كان الأمر فالكتاب درسٌ في العذوبة، النقدية والإبداعية. طرفٌ من التاريخ السياسي والاجتماعي، في ضوء تراجيديا طبيعية تلاحق البشر عبر العصور. والنصوص محل الدراسة تكشف “قوة الحياة؛ فالأمل يتجلى فعلَ بقاء… هو الحق الإنساني في الظفر بالعيش… ليس طريق فرار من الواقع، بل فعل وجود”.
هذا الفعل تحققه الكتابة بامتياز، إذ “تجعل من العرضي والزائل لحظة خالدة في التاريخ الإنساني… يستمر السؤال عن كتابة الفاجعة إن كانت ضد نسيان الآلام، أو تسجيلًا لقوة الانتصار والتجاوز”.
تدرس المؤلفة آثار الفواجع والكوارث بالتطبيق على أعمال روائية، منها “الحرافيش” لنجيب محفوظ، و”الديكاميرون” لبوكاشيو، و”الطاعون” لألبير كامي، و”إيبولا 76″ لأمير تاج السر. وفي تحليل خطاب الجوع تقارن بين روايتَي “جوع” لمحمد البساطي، و”الجوع” للنرويجي كنوت همسون. أما الأمراض والمجاعات، كنتيجة للفساد السياسي والتفاوت الطبقي، فتتناولها بالتطبيق على روايتَي “الرغيف” لتوفيق يوسف عواد، و”الفراشة الزرقاء” لربيع جابر.
سحر الإبداع يضمن للحظات الكارثية صفحة في سجل التاريخ. وإذا هزمت الإنسانَ قوى أكبر من قدراته ففي محاولة التصدِّي نبل يستحق التسجيل والرواية. ولا يشعر بجسده إلا المريض، وفي نوبات العجز فرصة للمراجعة، “ولعلنا لا نتمكن من فهم الوجود إلا ونحن على عتبة العدم”.
هذا بعض ما عدتُ به من بيروت. حصاد باذخ. كم أنا محظوظ.