خلال الأشهر الماضية نقلت تقاريرُ وتسريبات صحفية قواتٍ تابعةً للسلطة السورية إلى لبنان ثم إلى اليمن، ولا يبدو أنّ عمليات النقل تلك ستتوقف قريباً، حتى أن تقرير أكسيوس يوضحُ الفرق المعنية بالذهاب للقتال إلى جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ويتحدث عن أعداد المقاتلين وحتى عن أصولهم التي تشملُ أجانب سبق أن قاتلوا إلى جانب هيئة تحرير الشام، بينما لم يكُن نفي وجود طلب سعودي كهذا من الأساس، على لسان مستشار الشرع أحمد موفق زيدان، كافياً على ما يبدو لتبديد الأشباح التي استدعتها هذه التقارير والتسريبات.

في الحالة اللبنانية كان نفي السلطة السورية لهذه الأنباء أكثر حزماً، وتردَّدَ النفيُ أكثر من مرة على لسان الشرع نفسه ومسؤولين رفيعين في حكومته، هذا عدا عن نفي قاطع من جانب الحكومة والقوى السياسية اللبنانية كلها بما فيها القوى المناوئة لحزب الله، وعن معارضة تركية علنية لتدخل سوري كهذا في لبنان، وذلك بعد التصريحات المتكررة لترامب عن نية سوريا إرسال قوات إلى لبنان، وعن دعمه الكامل لذلك التحرك للقضاء على حزب الله وتنفيذ المهمة التي لم يُفلح نتنياهو بإنجازها كاملةً.

لم يحدث هذا في حالة التقارير عن اليمن، إذ على الرغم من نفي السلطة السورية رسمياً إرسالها أي قوات إلى اليمن على لسان مسؤول الإعلام الخارجي في وزارة الإعلام، ونفي زيدان طلب السعودية إرسال قوات سورية للمشاركة في حرب اليمن خلال الزيارة القصيرة وغير المُعلَن عنها مسبقاً التي قام بها الشرع إلى العاصمة السعودية ولقائه بن سلمان، فقد بقي الطرف المعني حقيقةً بهذه الأنباء، والذي يُفترَض أن يكون الحكومة اليمنية، من دون إصدار أي تصريحات بخصوص تلك التقارير، فيما لا يبدو أنّ السعودية تريد تكذيبها أيضاً. وبينما كانت أنقرة أسرع وأكثر حزماً في رفضها تدخلاً سورياً في لبنان، لم تصدر أي تصريحات عن مسؤولين أتراك بهذا الخصوص، في الوقت الذي ترسلُ فيه أنقرة معدات عسكرية إلى السعودية تنفيذاً لميثاق حلف مكة.

لم يمرّ وقت طويل بعد، وقد تصدر تصريحات عن تلك الأطراف بعد تأخير أو قد لا نسمع تعليقاً منها، إلا أنّ الاحتمالات تبدو هذه المرة في صالح التوجه فعلاً إلى اليمن أكثر من لبنان. كان هناك كثيرٌ من التاريخ المشترك الذي سيُعقِّدُ مثل هذا التدخل في الضاحية الجنوبية لبيروت، بينما يغيب هذا البُعدُ في الحالة اليمنية، ويَظهرُ حلفاءُ السلطة السورية في الإقليم في موقع الداعم لمثل هذا الدور، أما الولايات المتحدة فقال مسؤولوها الذين تحدثوا إلى أكسيوس إنّ واشنطن لا تعارض مثل هذا التحرك من حيث المبدأ.

قد يرسل الشرع فعلاً قوات سورية إلى اليمن للمشاركة في المعركة هناك ضد حليف آخر لإيران، وقد يكون هذا التحرك إنقاذاً للجبهة التي فتحتها السعودية ومن غير المأمون لها التوقف فيها قبل الوصول إلى انتصار كامل أو شبه كامل، انتصار مؤجل منذ أحد عشر عاماً، أصبح اليوم أكثر إلحاحاً بعد إغلاق إيران مضيق هرمز وقيام حلفائها الحوثيين بتقييد الملاحة في مضيق باب المندب، واستهدافاتهم المتكررة للسعودية وكان آخرها ضربة استهدفت مطار الملك خالد مساء أمس الأحد وتسببت بمقتل شخص وإصابة أحد عشر آخرين، بعد يوم واحد فقط من قصف استهدف المطار نفسه وتسبّب بمقتل 13 شخصاً وإصابة ثلاثمئة.

لكن قبل تحليل التقارير والتسريبات وترقب التصريحات التي يمكن أن تؤكد أو تنفي مثل هذا التحرك، فإنّ شيئاً قد حصل بالفعل نتيجة هذه الأنباء، وهو حصل قبل ذلك في لبنان. إذ على الرغم من عدم الوصول إلى المرحلة التي تدخل فيها قوات سورية فعلياً إلى لبنان لقتال حزب الله، إلا أن التهديد بهذا الخيار وضع حزب الله أمام احتمال جدي لفتح جبهتين ضده في وقت واحد، وربما يكون هذا ما دفعه إلى تقديم تنازلات سياسية، وربما يكون أيضاً أحد الأسباب التي دفعت لعقد الاجتماع الذي ضمّ مبعوثين من الحزب مع ممثلين عن الحكومتين التركية والسورية في أيلول (سبتمبر) الماضي في تركيا، وهو اجتماعٌ أكدت حصوله، مصادر سورية مُطلِعة على نتائجه للجمهورية.نت، على الرغم من النفي التركي والسوري لتقرير رويترز الذي كان أول من أشار إليها. وبحسب المصادر التي تحدثتُ إليها كان نفي حصول الاجتماع عائداً إلى عدم التوصل إلى نتائج مهمة فيه، على الرغم من تحقيق اختراق كبير وهو قبول حزب الله التفاوض برعاية تركية من دون حضور مباشر لطهران.

يحصل شيءٌ مشابه لهذا في اليمن اليوم، إذ من الواضح أن التهديد بالاستعانة بقوات سورية بدأ يكتسبُ بُعداً جديداً في الإقليم، خاصةً في الوقت الذي تتحفظ فيه مصر على التدخل عسكرياً في الحرب اليمنية، وليس علينا الاستعانة بتاريخ الجيش المصري في اليمن لنؤكد على الريبة التي يشعر بها قادته من مثل هذا التحرك.

وقد أشارت مصادر تحدثتُ إليها لوجود تهيئة في صفوف قوات السلطة لخيار كهذا، وخاصةً بين الفرق المُكوَّنة أساساً من مقاتلي النخبة في هيئة تحرير الشام سابقاً، من دون أن تؤكد هذه المصادر التوصُّلَ إلى قرار فعلي بالمشاركة في معارك اليمن من عدمها. ولكن بغض النظر عن القرار الفعلي الأخير، على الحوثيين الآن أن يتوقعوا مواجهة ما يصل إلى عشرين ألف مقاتل محترف في معارك الميليشيات، وهو احتمالٌ يجب أن يدفع أي قائد عسكري يمتلك بعضاً من عقل إلى تعديل خططه.

على الطرف الآخر فإنّ الاستمرار في نقل القوات السورية إلى الجبهات في الشرق الأوسط نظرياً، قد يعني في النهاية تحريك تلك القوات فعلياً وليس في التصريحات والتسريبات فقط، وهو أمرٌ سيعني حال حدوثه تغيير موازين القوى في دولة تعيش أوضاعاً فائقة السيولة، إذ وعلى الرغم من التأكيد الدوري لأعضاء مجلس الأمن على وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة على كامل التراب الوطني، فإنّ سوريا دولةً كانت حتى وقتٍ قريب جداً تُحكَم من قبل أربع حكومات على الأقل، ولا يزال جيشها حتى اللحظة يخضع لتقسيمات مناطقية أو فصائلية لم يجرِ تفكيكها.

كما أنّ المعركة في اليمن اليوم ليست حرب الخليج بداية التسعينيات، حين اكتفت فرقة مدرعات سورية بتقديم دعمٍ هندسي وإسناد مدفعي للقوات السعودية دون أن تشارك فعلياً في العمليات القتالية المباشرة. المعركة في اليمن تتطلَّبُ مشاركة فعلية في قتالٍ عنيف قد يكون طويلاً، في جغرافية جديدة تماماً على مقاتلي الفصائل السورية، ما يعني دفع ثمنٍ فعلي مقابل تلك المشاركة، دون وجود ضمانات لتحقيق مكاسب كبيرة كالتي حققها حافظ الأسد من مشاركته في المعركة ضد عدوه اللدود صدام حسين، والتي خرج منها بقصر بعبدا وبعض البضائع التي حصلت عليها قواته من الكويتيين الهاربين من الحرب.

إذا لم تشارك قوات تتبع السلطة السورية في إحدى جبهات القتال الدائرة في المنطقة، سيتوقف التهديد بمشاركتها بعد فترةٍ عن أن يكون أمراً يُحسَب حسابه عسكرياً بجدية، أما إذا اكتشفنا مستقبلاً أن مقاتلين من الحزب الإسلامي التركستاني أو مقاتلين أوزبك يشاركون في معارك اليمن، فسيكون ذلك إنجازاً جديداً يحسب للشرع. من كان سيتوقع ذلك!

بخطى ضبابية حتى الآن، وهو ضبابٌ لم تتسبب به مدخنة المحرك البخاري، تعود سكة خط الحجاز إلى العمل، ومن غير الواضح بعد نوع البضائع على متن القطار السريع الجديد، لكن من واقع تجربتي في تغطية أخبار سوريا والمنطقة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، لا أنصح بأن نضع قائمة توقعات، فهذه السكة تمر عبر سوريا.