حين طبّق ألفرد لوازي، الكاهن الفرنسي وأستاذ الكتاب المقدس في المعهد الكاثوليكي في باريس، أدوات النقد التاريخي الحديث على الكتاب المقدس، كان يرى في ذلك وسيلة لتجديد التفسير الكاثوليكي والدفاع عن الكنيسة في مواجهة نتائج الدراسات الكتابية الحديثة. وسرعان ما أدخله هذا في صدام مع المرجعية الكنسية. ففي سنة 1892 مُنع طلاب سان سولبيس من حضور محاضرته بعد اعتراض على الطابع التاريخي لمعالجته للفصول الأولى من سفر التكوين، وفي العام التالي فُصل من كرسي الكتاب المقدس في المعهد، ثم مُنع لاحقًا من التدريس فيه نهائيًّا. وكان لوازي قد اشتغل في تلك الفترة على أسفار العهدين معًا، فنشر دراسة عن قانون العهد القديم سنة 1890، وأخرى عن قانون العهد الجديد سنة 1891، ثم واصل أبحاثه في النصوص والأناجيل ضمن مشروعه للنقد التاريخي للكتاب المقدس. وأصدر سنة 1902 كتابه “الإنجيل والكنيسة” ردًّا على اللاهوتي البروتستانتي أدولف فون هارناك، الذي كان قد جادل بأن الرسالة الأصلية ليسوع كانت أخلاقية بسيطة: أبوة الله ومحبة الآخر، وأن كل ما بُني فوقها لاحقًا من عقيدة ومؤسسة كنسية كان إضافة لاحقة شوّهت هذا الجوهر. فرد لوازي بأن هذا التطور المؤسسي كان امتدادًا عضويًّا ضروريًّا لبقاء الرسالة حية عبر قرون من نمو جماعة المؤمنين وتعقد حاجاتها، وصاغ جملته الشهيرة: “بشّر يسوع بالملكوت فجاءت الكنيسة”. وقد أثار هذا الرد الذي أراده لوازي دفاعًا قلق روما لأنه أقر ضمنًا بأن الكنيسة، بمؤسساتها وعقائدها، هي نتاج تطوّر بشري تاريخي، وهو ما يخالف الاعتقاد الكنسي السائد في أصل الكنيسة، فأُدرج الكتاب في الفهرس الروماني للكتب المحرمة. ثم صدر في تموز/ يوليو 1907 مرسوم “لامنتابيلي” الذي دان خمسًا وستين قضية مما سُمّي “التحديثية”، وقد أقر لوازي نفسه لاحقًا بأنه مصدر معظمها، وتبعه بعد شهرين، في أيلول/ سبتمبر 1907، منشور البابا بيوس العاشر “باسندي دومينيكي غريغيس” الذي وصف التحديثية بأنها خلاصة الهرطقات. ولما رفض لوازي الخضوع للمطالب الكنسية المتعلقة بموقفه من التحديثية، جاء الحسم بحرمان كنسي رسمي وإعلانه “فيتانْدوس”، أي ممنوع المخالطة كنسيًّا. وكانت فرنسا قد أصدرت سنة 1905 قانون الفصل بين الكنائس والدولة في سياق الصراع الحاد بين الجمهورية والفاتيكان، فمنحت الظروف الجديدة لوازي مجالًا أكاديميًّا خارج المؤسسة الكنسية، قبل أن يُنتخب سنة 1909 لكرسي تاريخ الأديان في “كوليج دو فرانس”، الذي شغله حتى سنة 1932، وظل خارج الكنيسة رسميًّا حتى وفاته سنة 1940.
وقبل هذه الواقعة بنحو ثمانين عامًا، كان ليوبولد زونز، اليهودي الألماني، قد بدأ بصحبة إدوارد غانس وموسى موزر مشروع إخضاع الأدب الحاخامي والتراث الشفهي لأدوات التاريخ والفيلولوجيا، عبر جمعية أسسوها في برلين سنة 1819، ثم انضم إليهم هاينريش هاينه لاحقًا، وأصدرت الجمعية سنة 1822 مجلة “علم اليهودية”. وأنجز زونز في كتابه “المواعظ الدينية عند اليهود” سنة 1832 دراسة تاريخية دقيقة لتقليد الوعظ الديني اليهودي، متتبعًا تطوّره وأشكاله عبر التاريخ، ومواجهًا بذلك تصورات كانت تنسب بعض ممارساته إلى إصلاحات حديثة. لم تكن اليهودية تملك هيئة تعادل البابوية في سلطتها الملزمة لجميع يهود العالم، لكنها كانت تملك تقاليد تفسيرية حاخامية واسعة النفوذ من دون مؤسسة مركزية تفرضها، وقد تصدّع هذا البناء تدريجيًّا على مدى عقود إلى تيارات إصلاحية ومحافظة وأرثوذكسية. واللافت أن زونز نفسه وقف لاحقًا بصراحة ضد الحاخام الإصلاحي صموئيل هولدهايم وموقفه من الحاخام بوصفه سلطة مستقلة، رافضًا أن يختزل عمله العلمي في غطاء لمشروع ديني بديل يستبدل التقليد كله بدل أن يفهمه.
فمصير النقد التاريخي للنص المقدس يتأثر، وإن لم يتحدد به وحده، بشكل السلطة الدينية التي يواجهها: فبوجود سلطة مركزية تملك صلاحية إصدار حكم ملزم، يمكن أن يتحول الخلاف إلى إدانة مؤسسية واضحة؛ أما حين تتوزع سلطة التفسير بين مرجعيات متعددة، فقد يأخذ الصراع شكل تنازع بين تيارات ومؤسسات لا تملك إحداها سلطة نهائية على الجميع. ومن هنا يمكن فهم خصوصية الحالة الإسلامية التي واجهها محمد أركون. فقد عرّف الإسلام، منذ موت النبي، مؤسسة الخلافة بوصفها إطارًا للسلطة السياسية التي نشأت بعده، لا امتدادًا لسلطة الوحي ولا مرجعية موحدة لتفسير النص. وكانت مسألة الخلافة نفسها من أوائل مواضع النزاع حول الشرعية في التاريخ الإسلامي، وأسهمت الصراعات السياسية والدينية المبكرة في نشوء اتجاهات تبلورت لاحقًا في تقاليد سنية وشيعية وخارجية متمايزة. وفي التقليد السني نفسه، لم تتجمع سلطة تفسير النص في مؤسسة دينية واحدة لها القول الفصل، بل توزعت بين العلماء والمذاهب والمدارس ومؤسسات التعليم والإفتاء، وتعدّدت المرجعيات باختلاف الأزمنة والأقاليم. أما المؤسسات الدينية الحديثة، ومنها الأزهر ومؤسسات الإفتاء الوطنية، فهي نتاج مراحل تاريخية لاحقة، ولم تنشأ بينها سلطة إسلامية عالمية واحدة تملك صلاحية إلزام جميع المسلمين بموقف موحد. وهذا يختلف بنيويًّا عن الكنيسة الكاثوليكية، التي تطورت فيها سلطة تعليمية مركزية مرتبطة، في تصورها العقائدي، بالخلافة الرسولية للرسل، وبخاصة بخلافة بطرس، وأصبح للبابا والأساقفة، ضمن بنية محددة، موقع مؤسسي في ممارسة هذه السلطة. لذلك لا يأخذ الخلاف مع ناقد مثل أركون بالضرورة صورة قرار واحد يصدر عن مؤسسة واحدة ويكون ملزمًا للمسلمين جميعًا، بل يجري داخل فضاء تتعدد فيه المرجعيات الدينية والمؤسساتية، وتتباين مواقفها من النقد التاريخي للنص.
وقد مارس أركون، في هذا الجانب، ما يشبه ما مارسه لوازي وزونز: أخذ ممارسة أو نصًّا يُعامل على أنه منزل من خارج الزمن، ووضعه داخل شرط تاريخي محدد. فقد عاد باستمرار إلى لحظة تحول يعتبرها أساس كل ما بعدها: انتقال الخطاب القرآني من حالته الأولى، أي من كلام متلو ومسموع ارتبط في طوره الأول بسياقات التلفظ والتبليغ، إلى حالته الثانية، أي إلى مدونة مكتوبة ومغلقة استقرت في صورة المصحف، وهو ما يربطه أركون بسياق التثبيت الرسمي للمصحف في عهد عثمان بن عفان.
| ألفرد لوازي، الكاهن الفرنسي وأستاذ الكتاب المقدس في المعهد الكاثوليكي في باريس |
ويرى أركون أن هذا الانتقال من الكلام المتلو إلى المدونة المكتوبة لم يتحوّل، في الغالب، في التقليد التفسيري إلى موضوع مركزي للتحليل التاريخي للنص، إذ انصرف التفسير أساسًا إلى المصحف الذي استقر بوصفه النص المرجعي المكتمل. وطبّق أركون هذا التحليل على نصوص بعينها، ومن أوضح تطبيقاته قراءته اللغوية لسورة الفاتحة ومطلع سورة الكهف، مستندًا فيها إلى أعمال اللغوي الفرنسي إميل بنفنيست، ولا سيما تحليله للتلفظ بوصفه فعل استعمال للغة تتحدّد فيه مواقع المتكلم والمخاطب، وترتبط فيه مؤشرات الشخص والزمان والمكان بواقعة الخطاب نفسها، ليبحث في كيفية تشكل الخطاب القرآني في فعل التلفظ قبل أن يُقرأ بوصفه نصًّا مكتوبًا.
وأسند أركون مقاربته هذه إلى سابقة أفرد لها كتابه “نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي”، ويتناول فيه لحظة من تاريخ الفكر العربي في القرن الرابع الهجري، أبرز وجوهها مسكويه وأبو حيان التوحيدي، أنتجت نصوصًا تجمع بين الأخلاق والفلسفة والأدب بروح إنسانية منفتحة على التراث اليوناني. ويرى أركون في تلك اللحظة احتمالًا حضاريًّا حقيقيًّا أجهضه تراجع هذا التيار في القرن الخامس الهجري، في سياق صعود الأشعرية ودعمها من سلطة الدولة السلجوقية والمدارس النظامية التي أسسها نظام الملك، فرسّخ من جديد سلطة النص المقدس على حساب هذا العقل الإنساني المنفتح. وباستحضار هذه الحلقة، يستأنف أركون سؤالًا أُجهض من الداخل بفعل تحالف سياسي- ديني، مستفيدًا في قراءته له من أدوات العلوم الإنسانية الحديثة.
فاقترح، لفهم كيف يتشكل التحالف بين السلطتين الدينية والسياسية في أي مجتمع، شبكة تحليلية من خمس ساحات متداخلة: الساحة الدينية، والساحة الفكرية، والساحة السياسية، والساحة الاقتصادية، والساحة الثقافية. وينطلق من افتراض أن الخطأ الشائع، عربيًّا وغربيًّا على السواء، هو معاملة تلازم الدين والسياسة في الإسلام على أنه معطى جوهري ثابت، ويسوق لدعم هذا الطرح مثالًا مقارنًا بين تجربة تركيا الأتاتوركية، بوصفها علمنة قسرية جذرية فرضتها الدولة من فوق على مجتمع لم يُستشر فيها، في مقابل تجربة لبنان، بوصفها علمنة توافقية طائفية لم تمس في الجوهر بنية الطوائف الدينية نفسها بل رتبت تعايشها المؤسسي، ليخلص إلى أن العلمنة قد تعني مسارًا قسريًّا في مكان ومسارًا تفاوضيًّا في مكان آخر، وأن استيراد النموذج الفرنسي بصيغته الجاهزة إلى أي منهما محكوم بالفشل سلفًا.
ولم يكن أركون في هذا كله يحاكم النصوص وحدها، فقد كان معنيًّا بالقدر نفسه بـ”المتخيل الاجتماعي”، وهو مفهوم يعود إلى كورنيليوس كاستورياديس في كتابه “التأسيس التخيلي للمجتمع” سنة 1975، ثم استثمره مؤرخو مدرسة الحوليات الفرنسية، وأبرزهم جاك لوغوف في دراسته لمخيال العصور الوسطى، لفهم كيف يتشبع وعي الجماعة برموز وطقوس سابقة على أي تفكير نظري مباشر. واستعان أركون بهذا المفهوم ووظفه توظيفًا خاصًّا ليفسر لماذا يفشل الخطاب النقدي العقلاني وحده، مهما بلغت دقته، في زحزحة تدين الناس اليومي؛ فالمسلم يعيش إسلامه جسديًّا عبر حركات الصلاة والصيام قبل أن يعيه عقائديًّا، وهذا التدين المتجسد في الممارسة لا يخاطبه النقد اللغوي والتاريخي مباشرة، لأنه لا يتشكل أساسًا في مستوى الأفكار التي يمكن مناقشتها ونقدها، بل في عادات وممارسات ورموز تتجذر في الحياة اليومية.
لم يبق أركون حبيس هذه المباحث الأكاديمية، فانخرط في نقاشات سياسية أوروبية راهنة حول اندماج المسلمين في القارة، وحاور مباشرة سياسيين أوروبيين كفريتس بولكستين حول شروط هذا الاندماج وحدوده، رافضًا في آن واحد الموقف الفرنسي العلماني المتشدد الذي يريد إخفاء الدين كليًّا من الفضاء العام، والموقف المحافظ الذي يريد استيراد الشريعة كما هي دون مساءلة تاريخيتها.
وبعد، لقد فقد لوازي موقعه داخل المؤسسة الكنسية، لكن ذلك لم يمنع مشروعه من أن يجد، في فرنسا، مؤسسات أكاديمية تتلقاه وتناقشه قبل أن يُنتخب سنة 1909 لكرسي تاريخ الأديان في كوليج دو فرانس. أما أركون، فقد حظي هو الآخر باعتراف أكاديمي واسع، ولم يكن موقعه في الحقل الغربي موقع الباحث الهامشي: درس في السوربون، وتولى تحرير مجلة “أرابيكا”، وكان أستاذًا زائرًا في جامعات ومراكز بحثية عدة، وألقى محاضرات غيفورد في إدنبرة، ونال جائزة جورجيو ليفي ديلا فيدا ووسام جوقة الشرف الفرنسية. وكان معهد الدراسات الإسماعيلية في لندن، حيث كان زميلًا بحثيًّا أول وعضوًا في مجلس إدارته، من أبرز المؤسسات الإسلامية التي ارتبط بها في أواخر حياته. لكن هذا الاعتراف الأكاديمي الذي حظي به في المؤسسات الغربية لم يتحول، في العالم العربي، إلى موقع مؤسسي مماثل لمشروعه؛ فقد حضرت أعماله في الترجمة والتدريس والبحث، لكن حضورها لم يكن يعني بالضرورة الاعتراف بالمشروع نفسه بوصفه مرجعيةً لإنتاج البحث في الدراسات الإسلامية. فظل حضوره في هذا المجال موزعًا بين أفراد ومؤسسات متفرقة.