-
حسام جزماتي.. المصدر الجمهورية .نت
-
-
-
لم يستطع الشيخ عبد الرزاق المهدي أن يُلقي خطبة الجمعة الفائتة في مسجد تنكز الذي يقوم عليه وسط دمشق، لأن سَفرته إلى حلب طالت أكثر مما كان يتوقع.
فقد كان المخطط أن يُعطي «دورة علمية» مكثّفة في يومَي الأربعاء والخميس، 21 و22 من شهر تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، في جامع حذيفة بن اليمان الشهير في حيّ بستان القصر. يقرأ فيها رسالة عمر بن عبد العزيز في الرد على القدَرية (عقيدة)، ورسالة سفيان الثوري لتلميذه شعيب المكي (عقيدة)، ومتنَ نخبة الفكر للحافظ ابن حجر (في مصطلح الحديث)، وأخيراً كتاباً له جمع فيه 101 من الأحاديث النبوية «في فضل الجهاد والمجاهدين، والرباط والمرابطين، والمنفقين في سبيل الله». وأعطى، على عادته، «الإجازة» للحاضرين الذين كان معظمهم من الشبان الذين ختموا «الدورة» بأنشودتَي «ما وَهَنَّا ما وَهَنَّا، نحن أحفاد المثنى/ في طريق المجد سرنا، اسألوا التاريخ عنَّا» و«خذ دِمانا، نحن من يروي اللواء/ مَن سوانا؟ نحن للدين الفداء»، الذائعتين مؤخراً في سوريا، محيطين بالشيخ الذي ظهرت على وجهه ابتسامة.
لكن المحبّين سارعوا إلى استغلال وجوده في المحافظة، فبادروا إلى دعوته لإلقاء درس في جامع خالد بن الوليد في بلدة النيرب، وليخطبَ الجمعة بافتتاح جامع مصعب بن عمير في مدينة منبج، ويحاضرَ في جامع الفاتح بمدينة الباب. وتخلَّلت ذلك زيارة لثانوية شرعية ولقاءات مع «طلبة العلم» قال في أحدها إن الفرصة الموجودة الآن في البلاد، لجهة فسح المجال للعمل العلمي والدعوي، لا تكاد تُوجد في بلد من العالم. فيما كتب تلميذه ومرافقه أن الوضع في حلب «مفرح جداً. وبلا شك هو أفضل بمراحل من الوضع بدمشق وريفها».
ولا ينبع كلام الأخير من عدم اطّلاع. فالشيخ بالغ النشاط في التنقل لإلقاء الخطب والدروس في جوامع العاصمة وريفها، ولا يكاد يمضي أسبوع من دون أن يُدعى إلى أحدها، فضلاً عن برنامجه في جامعه.
وقد حقَّق المهدي معادلة مناسبة. فهو شيخ سلفي يدعو إلى منهجه «بالحكمة والموعظة الحسنة» متجنباً إثارة الخلافات ما استطاع. كما أنه أمضى العِقد الأخير قبل سقوط النظام مقيماً في «المناطق المحرَّرة». وقد وضع كتابه المشار إليه أعلاه بينما كان يُلقي الكلمات التحفيزية على الجبهات وفي المعسكرات. مما جعل منه الصورة النموذجية للسلفية السورية الشعبية الهجينة الرائجة.
وهنا لا بد من عودة إلى التاريخ القريب. ففي أحداث الثمانينيات لم يُلاحَق التيار السلفي، الصغير وقتئذ، لكن التضييق على النشاط الإسلامي شمله حينها وفي السنوات اللاحقة، مما دفع رموزه والمقربين منهم إلى مغادرة البلاد، في حين تحرّك من تبقى منهم ضمن حدود «علمية» محسوبة وتحت الرقابة. وكان الحذر الأمني السوري من السلفية يشتد على إيقاعِ تزايد نشاطها في الدول الأخرى، لا على أساس نموِّها الذاتي في البلد. ما جعلها غائبةً عن السياق العربي، الخليجي بالدرجة الأولى، والإسلامي لصعود السلفية وتحوُّلاتها، وطبقاتها التي لم تنسخ بعضها، من تقليدية إلى حركية إلى جهادية.
وعلى الرغم من أن هذه الأخيرة وصلت سراً إلى سوريا، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 وغزو العراق في 2003، إلا أنها جاءت ممتطيةً الحماس، مختلطةً بالحميّة القومية والمقاوِمة، محمولة عبر أنشودة وتصوير رديء لعمليات مسجّلة على قرص CD. ومن عرف نقاشات الجهاديين في سجن صيدنايا، ولا سيما في مرحلة الاستعصاء في عام 2008، يعرف قدر التعالي الذي كان أصحاب التجربة العملية، وإن كانت هامشية، يشعرون به تجاه من أسموهم معتقلي السيديات. وعلى كل حال، لم يُكتب لهؤلاءِ ولأولئكَ أن يصبحوا مؤثرين، إلى جانب عوامل أخرى أتاحها كسر الحدود، إلا خلال الثورة.
كما يُتوقَّع من مواليد الحقب المضطربة، انفجرت السلفية السوريّة بهوية مختلطة مقارنةً مع تنويعات هذا التيار كما جرت خارجاً. فالسلفيون السوريون المستجدون تلقوا النسخ كلها معاً متداخلة، أما الأكثر معرفة فقد ضاعت هويتهم الخاصة أو طوتهم صفحات الصراع. فقد اضطرت السلفية الحنبلية الدومانية، التقليدية تعريفاً، إلى حمل السلاح تحت ظرف الدفاع عن النفس. رغم أنها، كما قال الشيخ سمير كعكة، شرعيّ فصيلها «جيش الإسلام»، ترفض الخروج على الحكام في المبدأ. أما السلفية الحركية فقد تمثّلت تقريباً في حركة «أحرار الشام الإسلامية»، سواء في أفكار بعض مؤسسيها أو مراجعات بعضهم الآخر. لكن التفجير الشهير في أيلول (سبتمبر) 2014 أودى بالجميع وأسلم الحركة إلى التيه والانقسام. مثلما لم تتمكَّن «جبهة النصرة»، ووريثتاها، من الرسوخ في عالم السلفية الجهادية، الذي تنتمي إليه بالمنشأ، بسبب تحوُّلها السريع إلى «فصيل» يقبل البيعات الجماعية ويفتح باب التجنيد، والقتل المتكرر للمهاجرين الأكثر خبرة القادمين من «خراسان»، وأخيراً بنتيجة تحولاتها التي صارت دراماتيكية في السنتين الأخيرتين، والتي تدفع إلى مزيد من اختلاط الهوية/ الهويات السلفية مع «الإسلام الوسطي» الذي سلّمته السلطة منصبي المفتي ووزارة الأوقاف، ودعمته بمخرجات مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي» الذي رعته رئاسة الجمهورية في إشارة دالّة.
اليوم استعادت السلفية التقليدية رمزين رجعا إلى البلاد إثر عقود؛ هما محمد عيد عباسي، أحد أبرز تلاميذ شيخ السلفية الهام في سوريا، وسواها، ناصر الدين الألباني، وعبد الله آدم الألباني الذي لا يمكن اختزاله بأنه مجرد ابن أخ ناصر الدين. لكنهما مسنّان إلى درجة تُضعف كثيراً من فاعليتهما. وهناك فجوة جيلية كبيرة تفصلهما عن مشايخ سلفيين، شبان نسبياً، يُتّهم بعضهم بعدم الحماس للثورة والابتعاد عن المشاركة فيها أثناء سنواتها الأقسى. في حين لا يبدو للسلفية الحركية عنوان متكامل واضح بل تظهر عبر شيوخ متوسطين استلموا منابر في بلد لا يعرفونه جيداً بسبب نشأتهم في الخليج إثر فرار عائلاتهم في الثمانينيات. أما السلفية الجهادية ففي تآكل يومي بتأثير عمليات تغيير الجلد التي تجريها «هيئة تحرير الشام»، وبفعل حل مُمثِّلها المعتمد، تنظيم «حراس الدين»، نفسه بعد التغيير.
وهنا يحضر الشيخ عبد الرزاق المهدي ممثلاً ملائماً للسلفية المختلطة المطلوبة. عالِماً تدرّج على مهلٍ وتتلمذ على يد عبد القادر الأرناؤوط، أهم مشايخ السلفية في الشام بعد هجرة الألباني. كما درس أولاً عند شيوخ من بيئة «الإسلام الشامي» وتجاوزهم بلا عداوةٍ. وفي أثناء الثورة رجع من منفاه المؤقت ليُشارك أبناء «المحرّر» خطر القصف وشظف العيش وفاجعةَ الزلزال. وهو معنيٌّ بالشأن العام يتدخل فيه كلما استطاع، محققاً أبرز السمات الإيجابية للسلفية الحركية، في الوقت نفسه الذي يخلو فيه خطابه من الملامح الإخوانية التي تُكوِّنها وتثير ريبة الكثيرين وربما نفورهم. ورغم أنه يظهر في صور حاملاً بندقية إلا أن هذا لا يدمجه مع السلفية الجهادية. فهو يُشبه جمهوره من «المجاهدين» لا الجهاديين.
ولذلك كله يبدو أنه شيخ المرحلة، حتى حين.
-
