الجواب بحسب محافظة طرطوس هو «السلم الأهلي»، لا أقل. لكن لماذا يخشى السلمُ الأهلي الطرطوسي، وربما السوري، من صورة رزان زيتونة المُغيَّبة منذ نحو 13 عاماً، ورائد الفارس الذي اغتيلَ قبل ثمانية أعوام؟ لم تَقُل المحافظة في بيانها السبب، وهي تذرَّعت أولاً باعتبارات إجرائية حول ترخيص المعرض الذي تَجولُ به «الذاكرة الإبداعية للثورة السورية» في أرجاء البلد، وسبقَ أن حطَّ رحاله في ست محافظات، قبل أن تقول شيئاً عن «وجود خلل في المحتوى من شأنه الإضرار بالسلم الأهلي»، وقبل أن تؤكد «حرصَ المحافظة على السلم الأهلي والنسيج المجتمعي». تكرارُ تعبير السلم الأهلي مرتين في جملة واحدة يشيرُ إلى الهواجس غير المُصرَّح بها عند مسؤولي المحافظة.

نُلحُّ في طرح السؤال: لماذا من شأن رسم فني لرزان ورائد أن يضر بالسلم الأهلي، وبالنسيج المجتمعي؟ لماذا يُمثّل رسمَا رزان ورائد «خللاً في المحتوى»؟ من الآخر: رزان ورائد عُنوانان لجريمتين كبيرتين ارتكبهما إسلاميون، هُم في السلطة اليوم، بحق ثائرين ديمقراطيين. رزان اختُطفت مع زوجها وائل حمادة، ومع سميرة الخليل وناظم حمادي، وكل ما هو مُتاحٌ من قرائن يُرجِّحُ مسؤولية جيش الإسلام «المندمج» في الحكم الحالي عن الجريمة. ومعلومٌ أن رزان محامية وناشطة حقوق إنسان وكاتبة مميزة، كانت من مُؤسِّسي لجان التنسيق المحلية منذ بداية الثورة، وتفرّغت في عام 2013 لإدارة مركز توثيق الانتهاكات، وكانت الكاتبة الرئيسية لتقاريره الموثقة، ومن أهمها تقريران خلال أسبوع واحد عن المجزرة الكيماوية في آب (أغسطس) 2013. وكان زوجها وائل حمادة ناشطاً سياسياً وحقوقياً، اعتُقلَ مرتين بعد الثورة من قبل الحكم الأسدي وتعرَّضَ لتعذيب قاسٍ. وكانت سميرة الخليل معتقلة سياسية سابقة ومنخرطة منذ البداية في الثورة السورية، وهي لجأت إلى دوما في أيار (مايو) 2013 إثرَ مُلاحقتها من قبل النظام. أما ناظم حمادي فهو شاعر ومُحام وناشط حقوقي كان متوارياً في دمشق لعامين ونصف منذ بداية الثورة ولجأ إلى دوما في أيلول (سبتمبر) برفقة وائل. المرأتان والرجلان غير معلومي المصير منذ ذلك الوقت، ما يُضفي فرادة استثنائية على الجريمة.

أما رائد الفارس فقد اغتيلَ مع رفيقه حمود جنيد في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، والقرائن المتوفرة تشير إلى انتماء مرتكبي الجريمة إلى جبهة فتح الشام، وريثة جبهة النصرة، وسابقة هيئة تحرير الشام التي ينحدرُ أكثرُ حُكَّام اليوم من أوساطها. ومعلومٌ أن رائد هو المُلهِم الأبرز للافتات كفرنبل التي كانت من أهم التعبيرات الفنية عن الثورة السورية. كما أسَّسَ راديو فريش عام 2012 لنقلِ أخبار المناطق المُحرَّرة، وأسهمَ في تأسيس «اتحاد المكاتب الثورية» الذي يضمّ منظمات مدنية وإعلامية متعددة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. وكان حمود جنيد مقاتلاً ضد النظام، قبل أن يتفرغ للتصوير ويشارك رائد العمل.

وقصة اغتيال رائد وحمود، وقبلها قصة اختطاف وتغييب رزان وسميرة ووائل وناظم، من أكبر قصص تدمير الثورة السورية من الداخل من قبل مجموعات إسلامية متطرفة. ولا يبدو أن الحكم الانتقالي الحالي يشعرُ بالحاجة إلى قول أو فعل شيء بخصوص هاتين الجريمتين، كأنهما لم تَقعا.

لكنهما وقعتا بالفعل. محافظة طرطوس التي تعترضُ على صورتين تضعُ نفسها في استمرارٍ مع المشتبه بهم بجرائم قتل وتغييب قسري، وليس في استمرارٍ مع ضحايا القتل والتغييب. ما هو خَطِرٌ على السلم الأهلي والنسيج المجتمعي في نظرها ليس قتل وتغييب ثائرات وثائرين محترمين، سبقَ نضالُهم ضد الحكم الأسدي وجودَ التشكيلات المُرتكِبة، بل تَذكُّرُ المقتولين والمغيبين. الخطر على السلم الأهلي ليس الجرائم ومرتكبيها، وليس محو الفرق بين الجريمة والسلطة، بل تَذكُّرُ بعض ضحايا الجرائم.

ترى كيف يبدو الحال من وجهة نظر الأهالي؟ بوصفي واحداً منهم، يبدو أنه يُقال لنا إن تَذكُّرَ أحبابنا، وإبرازَ صورهم، هو عدوان خطير على السلم الأهلي، ما دام مجرد وجود صور لاثنين منهم هو «خلل في محتوى» معرض واسع عن شهداء الثورة السورية ومعتقليها. علماً أن صور رزان ورائد لم تُرفَق بأي اتهام للجناة المُرجَّحين. فهل يُنتظَر مثلاً منا أن نضمن راحة بال الخاطفين بأن ننسى أحبابنا، كي لا تَأخذُ على خاطرها محافظة طرطوس؟ ما الحوادث الخطيرة المحتملة التي تعكر السلم الأهلي لو أن الصور عُرِضَت دون إشكال؟ هل كان يحتمل أن يبادرَ أهالي رائد وحمود إلى اغتيال اثنين من هيئة تحرير الشام في طرطوس أو غيرها؟ أو يبادرَ أهالي رزان وسميرة ووائل وناظم إلى اختطاف امرأتين ورجلين من الهيئة وتغييبهم؟ أو ربما مُقايضتهم بمعلومات عن مخطوفي جيش الإسلام الأربعة؟

الواقع أن هناك ما يُسيء للسلم الأهلي فعلاً في الواقعة، هذا إن كان الأهليُ يُحيلُ على أهل البلد، على «أولاد البلد» من السوريين على اختلافهم، وهو بالتحديد مَسلكُ محافظة طرطوس الذي يقول ضمناً إن جرائم الإسلاميين بحق ثائرين غير إسلاميين ليست جرائم. وهو ما يقول لغير الإسلاميين إن حياتهم أقل شأناً، وضحاياهم ليسوا ضحايا، وحقوقهم ليست حقوقاً. هل يبقى سلمٌ أهليٌ بعد ذلك؟

كل هذا ونحن نتكلم على مجرد عرض صورتين لم تُرفَقَا بأي اتهامات، وليس على مطالبة بتحقيق العدالة، وليس على دعوة إلى توقيف ومحاكمة المشتبه بهم، وليس على وجوب اعتراف السلطة بهذه الجرائم وكشف الحقيقة بشأنها.

واقعةُ طرطوس تثير أسئلة سورية عامة.

يتصل أولها بالحق في التذكُّر العلني العام. هل للسوريين حقوق متساوية في تَذكُّر أحبابهم من الشهداء والمفقودين، في الحداد عليهم، في معرفة الحقيقة عن مصائرهم، في معرفة أماكن دفنهم؟ أم تُرانا نُلاحَق نحن لأننا نرتكب جرائم الذاكرة بالقول إن لنا قضية عامة، والمثابرة على استحضار صور أحبابنا وسِيَرهم؟ هل نقضُّ مضجع السادة القتلة والخاطفين بوجودنا وإصرارنا على التذكُّر؟ وهل إذا ثابرنا على هذا العمل، نستحق أن نُغيَّب نحن أيضاً، وربما نُقتَل؟

في أواخر الشهر الأول من عام 2025 ثبَّتنا على باب البناء الذي كان فيه مركز توثيق الانتهاكات، الذي اختُطفت منه رزان وسميرة مع وائل وناظم في دوما، لوحة من عشرين كلمة تَذكرُ الواقعة وتاريخها وأسماء الأربعة، وبعد ثلاثة أشهر كانت قد أُزيلت. وفي وقت مبكر من شهر نيسان (أبريل) ثبّتَ صديقٌ للمغيبين الأربعة لوحة مماثلة المضمون في الموقع نفسه وخلال أسابيع كانت قد طُمست. في دوما كما في طرطوس، تبدو الحرب ضد الذاكرة هنا استمراراً لتغييب وقتل الثائرين الديمقراطيين المستقلين.

وكان يمكن لشراكة محافظة طرطوس في هذه الحرب أن تكون هامشية، لولا أن الحرب ضد الذاكرة تُحيل على شيء أكبر: الحق في العدالة للثائرين السوريين الذين قتلهم أو غيبهم إسلاميون. هناك قضية في هذا الشأن لا يمكن الالتفاف عليها، وهي الامتحانُ الحقيقي للعدالة في سورية. هي، وليس محاكمة المجرمين الأسديين (وربما الدواعش).

ومن وراء قضيتي الذاكرة والعدالة، يُحيل مَسلكُ محافظة طرطوس، والتذكُّرُ الانتقائي للضحايا، على سؤال ثالث يتصل بملكية البلد. هل سورية ملك السوريين، ولهم فيها الحقوق ذاتها؟ لنا مثلما لمحافظ طرطوس وشركاه؟ أم هي ملك من يحكمونها مثلما كان الحال في الحقبة الأسدية؟ حتى إذا تَعرَّضَ ملكهم للمنازعة ارتضوا بتدميرها، بـ«حرق البلد»، من أجل بقائهم «إلى الأبد»؟

وليس هناك ترجمة للملكية العامة للبلد من قبل أهل البلد غير الحريات السياسية والمدنية، حريات الاعتقاد، والرأي والتعبير والنشر، والتجمع والتنظيم والاحتجاج السلمي، والترشّح والانتخاب، ومنها بطبيعة الحال نقدُ ومُساءلة شاغلي المواقع العمومية دون استثناء. ما يضمن السلم الأهلي هو المساواة بين أهل البلد في حقوق التذكُّر والعدالة وامتلاك السياسة، وليس القرار التعسفي بمنع صور ضحايا الجرائم التي ارتكبها الطرف الذي ينتسب إليه من قرروا المنع.