يمكن النظر إلى “السطو” هنا بوصفه تعبيرًا عن “إرادة القوة” (1)، بما هي نزوع إلى التوسع وإثبات الذات. وفي هذا المعنى، لا يعود السطو مجرد فعل استيلاء على ما يملكه الآخر، وإنما يصبح أحد أشكال العلاقة بين القوى، حين يسعى طرف إلى فرض حضوره أو رؤيته أو سلطته على طرف آخر. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة ما يحدث لكتابة المرأة بوصفه سلسلة من أشكال السطو التي لا تستولي بالضرورة على النص نفسه، وإنما قد تستولي على حقها في الكتابة، أو على شروط إنتاجها، أو على طريقة قراءة نصها وتأويله، بل قد تنتهي إلى أن تستبطن المرأة نفسها بعض ما فُرض عليها.
بهذا المعنى، يمكن أن نتحدث عن عمليات سطو تعرضت لها المرأة الكاتبة عبر تاريخها، وشكلت انتهاكًا لخصوصيتها وتبخيسًا لحضورها الإبداعي.
فما هي مظاهر هذا السطو؟ وهل أثر في حضور القيمة الإبداعية للمرأة وفي الاعتراف بها؟ وكيف تفاعلت المرأة الكاتبة مع هذا الانتهاك في إبداعها؟ وهل استطاعت أن تحول بعض أشكال السطو الواقعة عليها إلى مادة للكتابة نفسها؟
1- حين يُؤجَّل حق المرأة في الكتابة:
عندما ننظر إلى المرأة الكاتبة في التاريخ، نلاحظ أن حضورها بدا متأخرًا جدًا قياسًا إلى زمن حضور الرجل الذي عرف حضورًا لافتًا جعله في علاقة بالكتابة منذ زمن قديم، وهو ما جعل الرجل يدشن التاريخ، ويؤسس الحضارات، ومن ثم كان له منجز أدبي لافت. ولعل هذا الفتح لم يكن ليكون لولا البنية الثقافية التي أخذت، عبر صيرورتها، شكل نسق ثقافي انحاز إلى الرجل، فكان فاتحًا ومؤسسًا ومبدعًا. ولم يكن يخطر بالبال أصلًا، في ظل هذه البنية، أن يكون للمرأة نصيب من الإبداع، بحكم أنها بقيت طويلًا في الظل، لا يُتعامل معها إلا بوصفها إنسانًا من درجة أقل، تكاد تقتصر وظيفتها على القدرة الإنجابية وما يرافقها من توفير سبل العيش المريح، ليتقدم الرجل في التاريخ ويترك أثره في كل شيء.
لذلك تأخر كثيرًا حضور المرأة بما هي مبدعة، وهو ما يفيد أن سلطة التاريخ قد غمطت حق المرأة في الظهور بصفتها مبدعة، وقامت بالسطو على حقها في مساحة تعبيرية تقول من خلالها إنها ليست عنصرًا مكملًا للرجل، بل كائن مستقل بذاته، له وجوده وصوته وأثره. هذا السطو على مساحة حضورها الأدبي جعل دخول المرأة إلى غرفة الكتابة متأخرًا.
مثال:
يُعتبر شكسبير أحد عباقرة الكتابة الأدبية ومسرحيًا عظيمًا شغل الناس في زمانه ولا يزال. وفي كتابها “غرفة تخص المرء وحده”، قدمت فيرجينيا وولف فكرة متخيلة (2)، مفادها أن لشكسبير أختًا، وتفترض أنها تمتلك الموهبة نفسها التي امتلكها أخوها، لكنها تعيش في ظروف مختلفة تمامًا، فلا تتاح لها فرص التعليم والتعلم التي أتيحت له، ولا تُمنح المساحة نفسها التي تسمح لموهبتها بأن تتفتح.
ويبدو أن فيرجينيا وولف أرادت، من خلال هذه الفكرة المتخيلة، أن تجيب عن سؤال محدد: ماذا لو امتلكت امرأة الموهبة نفسها التي امتلكها شكسبير، لكنها لم تحظَ بالظروف والإمكانات التي أتاحت له أن يصبح مبدعًا عظيمًا؟ هل كان بإمكانها أن تحقق بدورها مجدًا أدبيًا لافتًا؟
هذه الفكرة المتخيلة التي قدمتها وولف تختبر بها فكرة بقاء المرأة في الظل، وتطالب من خلالها بتوفير الظروف والإمكانات نفسها التي يتمتع بها الرجل، حتى تتمكن من مغادرة منطقة الظل والدخول إلى غرفة الإبداع. وبمعنى آخر، لعل ما ننتهي إليه مع فيرجينيا وولف هو أن الموهبة الإبداعية ليست حكرًا على الرجل، ومن هنا نفهم أن وولف تربط بين تحقق الرعاية والشروط الموضوعية للكتابة وبين بروز الموهبة ونضجها.
هذا السطو على مساحة حضورها الأدبي جعل دخول المرأة إلى غرفة الكتابة متأخرًا، لكنه يجعلنا نتساءل: هل استطاعت المرأة الكاتبة أن تتخلص من ظلم التاريخ حين قدمت نصوصها الأدبية، أم أنها وجدت نفسها في مواجهة سطو آخر يضيّق أفق التلقي لكتاباتها؟
| ربما كانت فرجينيا وولف من أكثر من تنبه مبكرًا إلى أهمية الشروط التي تحتاج إليها المرأة لكي تكتب (Getty) |
2- حين يُحاصَر النص بالتأويل الجاهز:
عندما استطاعت المرأة أن تتجاوز عقبة المسلمات الجاهزة التي لم تنظر إليها بوصفها شخصًا قادرًا على الإبداع، قدمت منجزًا أدبيًا متنوعًا. غير أن الناقد أتى محملًا بترسانة من الأحكام النقدية الجاهزة، فتحولت هوية المرأة الجندرية في كثير من الأحيان إلى تأويل يسبق النص، فاعتُبر أن ما تكتبه المرأة يتنزل أساسًا في الدفاع عن نفسها بوصفها كاتبة امرأة، وهذا ما جعلها تدخل بسهولة في صندوق النسوية، فتُقرأ نصوصها على ضوئه، كما كان الحكم جاهزًا بأنها لم تتجاوز في تعبيراتها مستوى الانفعالات الوجدانية.
هكذا أصبح النظر إلى المرأة الكاتبة سابقًا على النظر إلى نصها، وأصبح انتماؤها الجندري مدخلًا شبه وحيد لتأويل ما تكتب، وهو ما جعل مجال التأويل لنصوصها محدودًا. ويمكن اعتبار ذلك نوعًا من التحامل على منجزها الأدبي، وسبيلًا إلى السطو على مهارتها وقدرتها على كسر الحدود والتعبير عن الإنسان في عمقه الوجودي والإحاطة بأسئلته المختلفة.
إن السطو على مساحة النص الذي تكتبه المرأة يعكس نظرة دونية إلى قدراتها وتأويلًا محدودًا لأبعاد نصوصها، ولذلك نلاحظ أنه تم حصر منجزها في صندوق لم تغادره إلا لمامًا، وهو ما جعل كثيرًا من التناولات النقدية متشابهة، وبالتالي مستهلكة، عاجزة عن تقديم نقد بنّاء يساعد على تأسيس رؤية أدبية وجمالية تساهم في تطوير منجزها الأدبي.
مثال:
يمكن أن نجد في تلقي أعمال نوال السعداوي مثالًا على حضور هذا التأويل الجاهز. ويمكن أن نجد في تلقي أعمال السعداوي قراءات ركزت على القضايا النسوية التي تطرحها، حتى غدا اسمها نفسه مقترنًا في كثير من التناولات بصورتها بوصفها كاتبة مدافعة عن حقوق المرأة. وهذا لا يعني أن القراءة النسوية لأعمالها غير مشروعة، وإنما يطرح سؤالًا آخر: هل تكفي هوية الكاتبة ومواقفها الفكرية لتحديد أفق قراءة نصوصها، أم أن النص يظل أوسع من الإطار الذي نضعه له؟
من خلال هذا المثال، نلاحظ كيف أن الإطار النقدي يصبح سطوًا على النص الذي تكتبه المرأة حين يتحول من أداة لقراءة النص وتفكيكه إلى صندوق يُغلق على النص ويحد من دلالاته وأبعاده التأويلية.
في الحقيقة، من يسطو على ما تكتبه المرأة الكاتبة ليس فقط الثقل التاريخي، ولا ترسانة المفاهيم والقراءات الجاهزة التي يأتي بها الناقد فتسبقه رؤى جاهزة قبل أن يباشر قراءة النص الذي كتبته المرأة؛ إذ يمكن للسطو على كتابتها أن يأتي من مكان قريب جدًا، من البيئة التي تنشأ فيها والبيت الذي تعيش فيه. فالزوج، بما يمثله أحيانًا من سلطة داخل البيت، وبما يرتبط به من ثقل المسؤوليات المنزلية والعائلية، قد يتحوّل بدوره إلى عائق أمام الكتابة. فهل يمكن أن يكون البيت، بدلًا من أن يكون فضاءً يساعد المرأة الكاتبة على الإبداع، مكانًا آخر يقع فيه السطو على وقتها وشروط كتابتها؟
3- حين تصبح الحياة العائلية شرطًا على الكتابة:
تحتاج الكتابة في العموم إلى وقت وطاقة وتركيز، وإلى فضاء يساعد الكاتب على شحذ طاقته واستنهاض همته وتوفير ما يحتاج إليه من أجل الكتابة، مع ما يرافقها من شروط أخرى، مثل القراءة ومتابعة أعمال سينمائية ومسرحية بعينها تساعده على تشذيب أفكاره وتعميق رؤيته داخل النص. يبدو هذا الأمر مهمة صعبة عندما يتعلق الأمر بالمرأة الكاتبة التي تجد نفسها في مواجهة مشاغل البيت ومسؤولية الأبناء وواجباتها تجاه العائلة، حتى توفر هي لهم شروط الحياة المريحة.
لهذا تبدو المهمة صعبة جدًا، وتجعلها بين نارين: إما أن تضحي بجانب من مسؤوليتها في البيت، وإما أن تضحي بجانب من مشاغلها الأدبية. وفي مواجهة هذا الخيار الصعب، يبدو أن حضور الزوج يُفترض أن يكون على قدر من التفهم، بحيث يتحمل جانبًا من المسؤولية داخل العائلة ليوفر الوقت والطاقة للزوجة الكاتبة. غير أن انسحاب الزوج من هذه المسؤولية قد يساهم في عرقلة مهمة الزوجة الكاتبة، وكذلك تعلله أحيانًا بأن الكتابة مجرد ترف يمكنها الانشغال به في أوقات فراغها القليلة.
يستند هذا الموقف إلى نظام اجتماعي يخضع بدوره لأحكام جاهزة، يمكن أن يعتمدها الزوج حجة لإبقاء المرأة داخل أدوارها التقليدية وإشغالها بمسؤوليات البيت، بحيث تذهب إلى غرفة الكتابة منهكة ومستنزفة، فلا يبقى لها الكثير لتسكبه على الورق. بل تساهم هذه المسؤوليات في تشتيت تركيزها وإضعاف طاقتها الإبداعية، فيولد النص وقد خُطفت منه أحيانًا لمعة الإبداع وبريق الموهبة. وهكذا تجد المرأة الكاتبة نفسها أمام شكل آخر من السطو، لا يسرق منها النص، وإنما يسطو على الوقت والطاقة اللذين يحتاج إليهما النص لكي يولد.
| غدا اسم نوال السعداوي نفسه مقترنًا في كثير من التناولات بصورتها بوصفها كاتبة مدافعة عن حقوق المرأة |
مثال:
ربما كانت فيرجينيا وولف من أكثر من تنبه مبكرًا إلى أهمية الشروط التي تحتاج إليها المرأة لكي تكتب. ففي كتابها “غرفة تخص المرء وحده”، لا تتعامل مع الكتابة باعتبارها موهبة فقط، وإنما تربط إمكانها بتوافر شروط مادية ونفسية، في مقدمتها أن يكون للمرأة دخلها الخاص وغرفة تخصها وحدها. فالمرأة لا تحتاج إلى الموهبة فحسب، وإنما تحتاج أيضًا إلى الوقت والخصوصية والقدرة على الانصراف إلى الكتابة من دون أن تستنزفها المسؤوليات المحيطة بها.
ومن هنا تبدو “الغرفة” عند وولف أكثر من مكان للكتابة؛ إنها مساحة حرية واستقلال عن كل ما يشدها خارج النص. وإذا كانت المرأة الكاتبة تدخل غرفة الكتابة مستنزفة بعد يوم طويل من المسؤوليات المنزلية والعائلية، فإن ما يُسطى عليه هنا ليس النص الذي كتبته، وإنما شروط إنتاج النص، وهي الوقت والطاقة اللذان كان يمكن أن تمنحهما لهذا النص.
بمعنى أن مفهوم السطو هنا لا يتعلق بالنص مباشرة، بل بشروط إنتاجه، وهو سطو يساهم بشكل مباشر وجذري في التأثير في إنتاج النص، بل قد يصل إلى بخسه أصلًا. ولعل السؤال الذي يُطرح هنا: هل يمكن أن ننتظر من الكاتب الرجل، بما هو رفيق في غرفة الكتابة، أن يكون سندًا للمرأة الكاتبة وأن يدعمها من منطلق الهواجس الأدبية المشتركة؟ بمعنى آخر، هل يمكن للكاتب الرجل أن يكون شريكًا لها في مواجهة بيت يغص بالمسؤوليات وزوج مستقيل من كثير من المهمات؟
4- حين يُنتقص من قيمة النص لأنه نص امرأة:
من الذي يحدد القيمة الأدبية للنص؟
يبدو أن أغلب من كانت لهم مشروعية تقييم النص الأدبي هم من الرجال، بحكم إرث تاريخي جعل لهم نوعًا من الوجاهة في التقدم بآرائهم لتقييم النصوص الأدبية، بما يعنيه ذلك من منح تأشيرة الإبداع لهذا أو لذاك. ويبدو أن وضع المرأة الكاتبة في هذه المواجهة كان مجحفًا، إذ إن الاعتراف بقيمة النص الأدبي، ومن ثم بقدرتها على الإبداع، يمر عبر تاريخ من السيادة الجندرية على تاريخ الأدب.
لكن الأمر يبدو لافتًا عندما يتم الاعتراف بنصها الأدبي من دون منحها قيمة أدبية. نفهم هذه المفارقة عندما يتعرض نص الكاتبة المرأة للسطو عليه، ويكون ذلك بأشكال عدة: إما باستنساخ فكرته، أو سلخ صورته، أو حتى أخذه كما هو ونسبته إلى كاتب آخر.
يحدث في مثل هذه الوضعية أن تستسلم المرأة الكاتبة لعملية السطو؛ لأنها تعلم مسبقًا أن ذلك قد يجرها إلى مواجهة في عالم نُسب دومًا إلى الرجال، وتشعر أنها ستخسر هذه المواجهة. وهنا قد يتكفل التاريخ بالكشف عن عملية السطو تلك، التي لا تعود لتنصف المرأة في زمنها، لكنها تصبح شهادة على السطو على نص يعني، ضمنيًا، قدرتها على التميز من جهة، وتبخيسها في الوقت نفسه من جهة أخرى.
مثال:
لعل تجربة سيدوني غابرييل كوليت تقدم مثالًا دالًا على هذا النوع من السطو؛ فقد كتبت الأديبة في بداياتها روايات “كلودين” (3)، التي صدرت بين 1900 و1903 تحت اسم زوجها الكاتب هنري غوتييه-فيلار، المعروف بـ ويلي. وهكذا خرج النص إلى القراء محمولًا باسم الرجل، بينما بقي اسم صاحبته في الظل. ولم يكن ويلي رجلًا بعيدًا عن تجربة كوليت الأدبية، بل كان زوجها وشريكها في الحياة والكتابة، وكان يُفترض أن يكون، بما هو الأقرب إلى موهبتها، سندًا لها في الوصول إلى الاعتراف الأدبي بها والتقدير لجهدها، لا أن يحجب اسمها عن النص. ولم تستعد كوليت حضورها المستقل بوصفها كاتبة إلا لاحقًا، بعد أن تم طلاقها منه؛ حينها بدأت تستعيد اسمها ومكانتها الأدبية.
هنا لا يتعلق السطو بالنص وحده، وإنما باسمه أيضًا، وبالحق في أن تصل الموهبة إلى القارئ مقرونة بصاحبتها. فالذي يُنتزع من المرأة الكاتبة ليس النص وحده، بل حقها في أن يعرف الآخرون بأنها هي التي كتبته.
بهذا المعنى، يصبح السطو على نص المرأة الكاتبة أكثر من اعتداء على ملكية أدبية؛ إنه محاولة لمصادرة حضورها بوصفها مبدعة، وتأخير الاعتراف بمكانتها الأدبية.
كيف سيكون رد فعل المرأة الكاتبة وهي تشهد لصوص المعنى يستولون على موهبتها؟
تبدو المفارقة هنا في أن الشخص المغلوب قد يحدث أن ينبهر بغالبه ويتقمص دوره، حتى إنه لا يسمح بنهبه فقط، بل قد يقوم بهذا الدور وينهب نفسه. بمعنى أن المرأة الكاتبة هنا تتحول، من حيث لا تدري، من ضحية للسطو إلى شريكة فيه، فتسطو على نفسها. كيف ذلك؟
| لم تستعد سيدوني غابرييل كوليت حضورها المستقل بوصفها كاتبة إلا لاحقًا، بعد أن تم طلاقها من زوجها |
5- حين تسطو المرأة على نصها بنفسها:
يبدو أن المرء عندما يعيش تاريخًا من الضغوط المختلفة ينتهي به الأمر مستسلمًا لها، ويأخذ هذا أشكالًا عدة، من أشدها خطورة أن يتبنى مواقف الآخر وآراءه فيه. ويبدو أن المرأة الكاتبة نفسها لم تنجُ من هذه الحالة التي جعلتها أحيانًا تستبطن صورة الآخر عنها، ومن ثم تستبطن الصورة النمطية التي رُسمت لها من أجل أن تكون المرأة النموذجية والكاتبة الجيدة. وهذا ما جعلها تراقب نفسها في غرفة الكتابة، وتكتب وفق ما ينتظره الآخر منها.
وبهذا المعنى، يمكن أن نقول إن المرأة الكاتبة تسطو على صورتها، ولا تترك موهبتها تتفجر وفق ما يمكن أن تكونه، بل تتدخل فيها حتى لا تخدش الصورة الاجتماعية التي رُسمت لها.
يبدو أن من أقسى أشكال السطو التي تتعرض لها المرأة الكاتبة أن تقع هي في الفخ، فتسطو على نفسها، ويستيقظ الرقيب فيها، بحيث تفكر وتكتب وفق ما ينتظره منها الآخر. وهذا ما يجعل نصها مكتوبًا مسبقًا، أي إن خطته تكون قد ضُبطت سلفًا من طرف المجتمع ذاته.
لعل هذا ما يجعلنا نتحدث، من خلال السطو على الذات، عن نوع من الاغتراب الذي يعيشه الإنسان عندما يصبح غريبًا عما يمكن أن يكونه، فينعكس ذلك على كتابته، ويؤثر بشكل عميق في مساره وفي قيمته الأدبية.
مثال:
نجد عند فيرجينيا وولف مثالًا دالًا على هذا النوع من السطو الداخلي. ففي كتابها “غرفة تخص المرء وحده”، تتحدث عن “ملاك البيت”، تلك الصورة المثالية للمرأة التي ينبغي أن تكون بشوشة ولطيفة ومراعية للآخرين، مستعدة دائمًا للتنازل عن رغباتها، وألا تجعل ذاتها مركز اهتمامها. وتكشف وولف عن أن هذه الصورة لا تبقى خارج المرأة، وإنما يمكن أن تتحول إلى صوت يسكنها ويؤثر في ما تفعله وما تكتبه.
ولهذا كان على الكاتبة، في تصور وولف، أن تتخلص من هذا “الملاك” حتى تستطيع أن تكتب بحرية. فالمشكلة لم تعد في وجود سلطة تمنعها من الكتابة، وإنما في وجود سلطة استقرت داخلها وأصبحت تراقبها وهي تكتب.
هنا يصبح السطو أكثر تعقيدًا: فالمرأة الكاتبة لا تُمنع من الكتابة، ولا يُسرق نصها منها، لكنها قد تتدخل في نصها بنفسها حتى لا تخالف الصورة التي ينبغي أن تكون عليها. وبذلك يصبح المجتمع حاضرًا داخل النص حتى عندما لا يظهر فيه، ويصبح الرقيب الذي كان يقف خارج غرفة الكتابة جالسًا إلى جانب الكاتبة وهي تكتب.
السطو على المرأة الكاتبة: الرهان والمآلات
في تاريخها الأدبي، نلاحظ أن المرأة الكاتبة تعرضت للسطو من خارجها كما من داخلها، بحيث كانت في كل مرة تُنهب بطريقة مختلفة، بدءًا من التاريخ الذي سار وفق قوة جندرية جعلت المرأة على هامش التاريخ طويلًا، فضلًا عن السطو على معنى النص بحصره ضمن أفق محدود. ثم امتد السطو إلى شروط إنتاجه، وصولًا إلى نصها نفسه عندما يُستولى عليه أو تُنسب موهبته إلى غيرها، ثم إلى صوتها عندما تُلزم بصورة مسبقة عنها، بصفتها امرأة نموذجية وكاتبة جيدة عليها ألا تحيد عما رُسم لها، فتكتب برقيب يسكنها.
وهكذا انتقلت أشكال السطو التي تعرضت لها المرأة من سطو خارجي إلى سطو من داخلها.
ولعل المشهد الأدبي العربي نفسه يقدم أمثلة على المرأة التي تكتب برقيب يرافقها، بل يكتب من داخلها، فيصبح السطو هنا أكثر خفاءً؛ إذ لا يعود ثمة من ينتزع النص منها، وإنما تتولى هي بنفسها حراسته من كل ما يمكن أن يخدش الصورة التي رُسمت لها والدور الذي حُدد لها.
يبدو أن السارق لم يعد بحاجة إلى أن يدخل إلى نص المرأة؛ لأنها تعلمت أن تحرس الباب بنفسها، وتكفلت بسطو متقن لا تتجه فيه أصابع الاتهام إلى أحد. ولعل المفارقة تتمثل في ذلك النص المنهوب الذي تكتبه المرأة: إلى أي حد يعبر عن ذاتها ويعكس صدقية تجربتها في الكتابة ومعاناتها في إنتاجه؟
إذا كانت كل جهة تسطو على شيء مختلف من كتابة المرأة، فأي تحديات تواجه المرأة اليوم من أجل أن تستعيد حقها في الكتابة وتعيد تأسيس ذاتها؟ أم أنها باتت مطالبة، قبل كل شيء، بأن تستعيد حقها في أن تكون كاتبة حرة، تفكر داخل نصوصها بجرأة؟
لعل الرهان اليوم لا يتعلق فقط بأن تكتب المرأة، وإنما بأن تستعيد حريتها داخل ما تكتب، وأن تتخلص من كل أشكال السطو عليها وعلى مقدراتها بوصفها مبدعة. عندها فقط يمكن أن نطرح السؤال الأصعب: أي نص ستكتبه المرأة عندما لا يعود أحد، خارجها أو داخلها، يكتب عنها؟
الإحالات:
(1) يمكن النظر إلى السطو بما هو تعبير عن “إرادة القوة” عند نيتشه في كتابه “جنيالوجيا الأخلاق”، المقالة الأولى، ترجمة فتحي المسكيني، صدر عن المركز الوطني للترجمة، 2010.
(2) و(4) فرجينيا وولف، “غرفة تخص المرء وحده”، ترجمة سمية رمضان، صدر عن دار العين بالقاهرة سنة 2013.
(3) كوليت، “كلودين في المدرسة”، باريس، 1900؛ صدرت الرواية تحت اسم زوجها هنري غوتييه-فيلار، المعروف بـ ويلي، وظلت روايات “كلودين” تصدر بين 1900 و1903 تحت توقيعه وحده. وإن اسم كوليت لم يترسخ في الرواية إلا في عشرينيات القرن الماضي.
*كاتبة من تونس.