ملخص
يتوقع محللون أن تصل إيرادات البلاد إلى ما يفوق 20 مليار دولار لو تم تفعيل هذه الموانئ لوجيستياً
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية أكد خبراء ومتخصصون لـ”اندبندنت عربية” أن موانئ الساحل الغربي السعودي لم تعد مجرد منافذ تجارية تقليدية، بل تحولت إلى محور استراتيجي يعيد رسم ملامح التجارة الدولية. وأشاروا إلى أن تصاعد التوترات في الممرات البحرية العالمية، خصوصاً في البحر الأحمر وقناة السويس، دفع كبرى شركات الشحن إلى إعادة توجيه مساراتها نحو بدائل أكثر أماناً وكفاءة، لتبرز الموانئ السعودية كخيار لوجيستي موثوق قادر على استيعاب هذا التحول.
وأوضح الخبراء أن السعودية نجحت في استثمار موقعها الجغرافي الفريد، الذي يربط بين ثلاث قارات، إلى جانب تطوير بنيتها التحتية وقدراتها التشغيلية، بما مكنها من استقبال تدفقات متزايدة من البضائع وتحويلها إلى فرصة اقتصادية استراتيجية. ولفتوا إلى أن هذا التحول لا يمثل استجابة ظرفية للأزمة، بل يأتي امتداداً لخطط طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز مكانة السعودية كمركز إمداد عالمي، مدعوم بشبكات نقل متكاملة وممرات لوجيستية حديثة.
وأكد المتخصصون أن ما يحدث اليوم يتجاوز إعادة توزيع حركة الشحن ليصل إلى إعادة تشكيل مراكز الثقل اللوجيستي في المنطقة، مع صعود دور موانئ البحر الأحمر كمحور مُوازٍ ومؤثر في منظومة التجارة بين الشرق والغرب، بما يعزز مرونة الإمدادات ويمنح المنطقة ثقلاً اقتصادياً متنامياً.
قدرة استيعابية تتجاوز 18.6 مليون حاوية
أكد المحاضر والباحث في الشؤون الاقتصادية والمصرفية الإقليمية عارف خليفة أنه إذا ما سلمنا جدلاً أن موانئ الساحل الغربي السعودي أصبحت اليوم مركز ثقل استراتيجياً عالمياً بقدرة استيعابية تتجاوز 18.6 مليون حاوية وليس 17 مليوناً، مشيراً إلى أن ذلك ما يجعلها لاعباً محورياً في التجارة الدولية بين الخليج وآسيا وأوروبا، بل وحتى أفريقيا، وقال إنه للأمانة الأزمة الراهنة في الممرات البحرية العالمية زادت من أهميتها، حيث تحولت إلى بديل آمن وفعال يعزز سلاسل الإمداد ويعيد رسم خريطة التجارة العالمية من خلال ملامح عدة للمشهد المعقد الحالي، موضحاً أن من هذه الملامح أولاً. وأوضح أن البحر الأحمر هو أحد أهم الممرات البحرية العالمية، حيث يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس، وأشار إلى أن الموانئ السعودية على الساحل الغربي تقع في قلب هذا الممر، مما يمنحها ميزة تنافسية في استقبال السفن العابرة بين ثلاث قارات. وذكر أن الطاقة الاستيعابية الحالية 18.6 مليون حاوية قياسية سنوياً من خلال الموانئ الرئيسة، وهي ميناء جدة الإسلامي، ويعد أكبر ميناء على البحر الأحمر ويمثل القلب النابض للتجارة.
وقال إن ميناء الملك عبدالله ونحن نعده من أسرع الموانئ نمواً في المنطقة، وأوضح أن ميناء ينبع التجاري وميناء الملك فهد الصناعي في ينبع يخدمان الصادرات النفطية والبتروكيماوية، وأشار إلى أن ميناء جازان وميناء جازان للصناعات الأساسية والتحويلية يركزان على دعم التنمية الإقليمية وميناء نيوم، فهو جزء من مشروع المستقبل لدعم التجارة والابتكار حتى مع سيناريوهات تأجيل مشروع نيوم.
تأثير الأزمات العالمية عاماً بعد عام
ودفعت الأزمة في الممرات البحرية الدولية (مثل التوترات في البحر الأحمر أو قناة السويس) شركات الشحن إلى البحث عن بدائل أكثر أماناً، وقال إن الموانئ السعودية استفادت من هذا التحول إذ ارتفعت حركة المناولة بصورة ملحوظة نتيجة إعادة توجيه السفن، موضحاً أن ذلك ما يعزز دور السعودية كـمركز لوجيستي عالمي ويزيد من اعتماد الشركات الدولية عليها.
ويضيف أن الأثر بات واضحاً على التجارة الدولية في الخليج والسعودية والموانئ الغربية توفر منفذاً مباشراً إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية، من دون الحاجة إلى المرور عبر الخليج العربي فحسب، وأشار إلى أن هذه الموانئ أصبحت نقاط ارتكاز في سلاسل الإمداد العالمية، مما يقلل من الأخطار ويزيد من سرعة وصول البضائع، وقال إن وفي الاستيراد والتصدير فالسعودية تعزز موقعها كجسر تجاري عالمي حيث يمكنها تصدير النفط والبتروكيماويات والمنتجات الصناعية بسهولة استيراد السلع من آسيا وأوروبا بكفاءة عالية.
إيرادات إلى ما يفوق 20 مليار دولار
لكن، على رغم الأرقام الكبيرة فالتحدي يكمن في استدامة النمو عبر مزيد من الاستثمار المستمر في البنية التحتية والتقنيات الحديثة وتعزيز الربط البري والسككي مع الداخل السعودي والخليج ومواجهة المنافسة الإقليمية من موانئ مثل دبي والسويس، وفق قوله. وقال، “وعليه، فإننا نؤكد أن موانئ الساحل الغربي السعودي لم تعد مجرد موانئ إقليمية، بل أصبحت مركزاً عالمياً للتجارة بفضل موقعها الاستراتيجي وقدرتها الاستيعابية الضخمة واستمرار الأزمات البحرية العالمية حولتها إلى خيار رئيس للشركات، مما يعزز مكانة السعودية كمركز لوجيستي عالمي يدعم رؤيتها الاقتصادية في تنويع مصادر الدخل”.
وتوقع عارف أن تصل إيرادات إلى ما يفوق 20 مليار دولار لو تم فعلاً تفعيل هذه الموانئ لوجيستياً.
موانئ السعودية تمنح الخليج مرونة استراتيجية
من جهتها أكدت المتخصصة في الشأن الاقتصادي البحرينية نورة الفيحاني أنه في الواقع، تعمل دول الخليج منذ سنوات على تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتنويع مسارات التجارة، إدراكاً لأهمية تقليل الاعتماد على ممرات أو نقاط لوجيستية محددة، مشيرة إلى أن هذه الأزمة جاءت لتسرع من وتيرة هذا التوجه بصورة واضحة. وقالت إن ما نشهده اليوم من صعود موانئ الساحل الغربي السعودي وتحولها إلى مركز ثقل استراتيجي، يعكس تحولاً حقيقياً في خريطة سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية، حيث لم تعد المنطقة تعتمد على مسار واحد، بل أصبحت تمتلك شبكة متنوعة ومتكاملة من الموانئ والممرات البديلة، موضحة أن هذا التحول لا يقتصر على كونه استجابة ظرفية، بل يمثل خطوة استراتيجية طويلة الأمد، ستعزز من مكانة دول الخليج كمركز لوجيستي عالمي يربط بين الشرق والغرب، ويمنحها قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات وضمان استمرارية تدفق التجارة بكفاءة عالية.
وأضافت أننا اليوم لا نشهد مجرد إعادة توجيه موقت لحركة التجارة، بل إعادة رسم حقيقية لخريطة سلاسل الإمداد، تعزز من دور الخليج كمحور لوجيستي عالمي أكثر مرونة واستدامة.
وأشارت إلى أن الأزمة الحالية لم تخلق واقعاً جديداً بقدر ما سرعت تنفيذ خطط كانت موجودة مسبقاً، حيث انتقلت دول الخليج من الاعتماد على مراكز محدودة إلى منظومة لوجيستية متعددة المحاور. وقالت، “اليوم، مع توجه البضائع نحو موانئ البحر الأحمر، نشهد تفعيل هذه الخطط على أرض الواقع، مدعومة بتسهيلات لوجيستية متقدمة وربط أكبر بين موانئ المنطقة”.
خطط طوارئ
وأوضحت أن من المهم الإشارة إلى أن ما كان يعد سابقاً “خطط طوارئ”، قد يتحول إلى نموذج تشغيل دائم، بخاصة إذا أثبت كفاءته في تقليل الأخطار وتحسين مرونة سلاسل الإمداد، مبينة أن هذه الأزمة يمكن أن تتحول إلى فرصة اقتصادية مستدامة، تعزز من تنافسية الموانئ السعودية، وتدعم موقعها كممر استراتيجي رئيسي للتجارة بين الشرق والغرب، مع زيادة في حجم الاستيراد وإعادة التصدير. وأكدت أن ما نشهده اليوم ليس مجرد استجابة موقتة، بل تحول تشغيلي قد يعيد تعريف دور موانئ البحر الأحمر كمحور أساس في التجارة العالمية.
وقالت إن السعودية تمثل بطبيعتها محوراً جغرافياً ولوجيستياً مهماً في المنطقة، نظراً إلى ارتباطها البري والبحري بدول الخليج، مما يجعلها ممراً طبيعياً لحركة التجارة، مشيرة إلى أن مع إطلاق مسارات لوجيستية وممرات تشغيلية جديدة لاستيعاب الحاويات المحولة، سنشهد تأثيراً مرحلياً على كلف النقل، حيث قد ترتفع في البداية نتيجة إعادة توجيه الشحنات وتغيير المسارات. وأضافت أنه مع استقرار هذه الممرات وتحسن كفاءتها التشغيلية، من المتوقع أن تنخفض الكلف تدريجاً بفعل زيادة الكفاءة، ووفورات الحجم، واشتداد المنافسة بين مقدمي الخدمات اللوجيستية، موضحة أن على مستوى سلاسل الإمداد، فإن هذه الخطوة ستعزز من مرونتها وكفاءتها، من خلال تقليل الاعتماد على مسار واحد، وتوفير بدائل أسرع وأكثر استقراراً في أوقات الأزمات.
تحول حقيقي
أشارت إلى أننا أمام تحول حقيقي، ليس فقط في البنية التحتية، بل في دور وموقع السعودية نفسها، التي تتجه لتكون مركز إمداد إقليمياً رئيساً يربط بين الشرق والغرب، ويؤدي دوراً محورياً في إعادة تشكيل خريطة التجارة في المنطقة. وقالت إن الارتفاع الحالي في الكلف هو كلفة انتقال طبيعية، لكن النتيجة النهائية هي منظومة أكثر كفاءة، وسلاسل إمداد أكثر مرونة، ومكانة لوجيستية أقوى للسعودية على المدى الطويل.
أكثر من 40 مليون حاوية بحلول 2030
يقول المحلل الاقتصادي الأردني موسى عساف إنه لا شك أن هذا التحول يتقاطع مع خطة تستهدف رفع إجمال الطاقة الاستيعابية للسعودية إلى أكثر من 40 مليون حاوية بحلول 2030، حسب بيانات الهيئة العامة للموانئ، إلى جانب أن البحر الأحمر تعبر منه نحو 12 في المئة إلى 13 في المئة من التجارة العالمية وفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، مشيراً إلى أن ذلك يمنح الموانئ السعودية قدرة على التحول إلى مراكز إعادة شحن تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا بكفاءة زمنية أعلى. وقال إن هذا التوسع يدعم توجه السعودية لإعادة رسم الجغرافيا اللوجيستية، من خلال مشاريع الربط البري والسكك الحديد التي تستهدف وصل البحر الأحمر بالخليج العربي، بما يسهم في خلق ممرات تجارية أكثر مرونة، موضحاً أن كل ذلك سيعمل على تعزيز من قدرة السعودية على استقطاب عمليات إعادة الشحن والتوزيع، بدلاً من الدور الحالي والقائم على خدمة العبور، حيث أكد وزير النقل والخدمات اللوجيستية السعودي صالح الجاسر في تصريحات سابقة أن السعودية تستهدف الدخول ضمن أفضل 10 دول عالمياً في مؤشر الأداء اللوجيستي، عبر تطوير الموانئ وربطها بشبكات النقل المتكاملة.
وأشار إلى أن هذا التحول يحمل أهمية كبرى في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة، إذ إن تنويع المسارات وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية سيسهم في تعزيز أمن سلاسل الإمداد، ويمنح السعودية قدرة وهامشاً أكبر على التحكم في مسارات التجارية العالمية. وأوضح أن من المتوقع أن ينعكس هذا التحول على إعادة توزيع الأدوار بين الموانئ الخليجية الكبرى وموانئ شرق المتوسط، حيث ستمتد المنافسة إلى القيمة المضافة والخدمات اللوجيستية المتكاملة بعدما كانت محصورة في حجم المناولة. وقال إنه ومع استمرار الاستثمار في البنية التحتية والرقمنة، تبدو السعودية في موقع متقدم لإعادة تعريف دورها ومكانتها في شبكة التجارة الدولية كفاعل مؤثر في تحديد مساراتها. وأكد أنه لا شك في أنه في ظل تعطل بعض موانئ الخليج تبرز موانئ البحر الأحمر السعودية كخيار بديل وآمن لعديد من خطوط الشحن، إذ إن تدفق البضائع نحو الساحل الغربي للسعودية يمثل فرصة اقتصادية مهمة، خصوصاً في حال أبقت شركات الشحن العالمية على هذه الترتيبات، إذا أثبتت هذه الموانئ كفاءة عالية من حيث سرعة المناولة وبكلفة تنافسية وموثوقية في التعامل في ظل الضغوط. وقال إن المنافسة لن تقتصر على استيعاب تدفقات إضافية، بل ستمتد إلى كسب ثقة الخطوط الملاحية وتحويلها من مستخدمين موقتين إلى شركاء دائمين، وهو ما يتطلب تقديم حوافز تشغيلية وتعزيز الخدمات اللوجيستية المرتبطة، وعلى رأسها التخزين وإعادة التصدير.
وأشار إلى أن استمرار هذا التحول لفترة زمنية كافية قد يؤدي إلى إعادة توزيع مراكز الثقل اللوجيستي في المنطقة، مع صعود دور موانئ البحر الأحمر كمحور مُوازٍ لموانئ الخليج، بخاصة على خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا، موضحاً أن هذا السيناريو يظل مرهوناً بقدرة هذه الموانئ على استيعاب النمو، من دون التعرض لاختناقات تشغيلية قد تؤثر في أداء عملها، حيث كما أشار تقرير صادر من البنك الدولي حول سلاسل الإمداد العالمية، إلى أن الشركات باتت تعطي أولوية لمرونة المسارات وليس فقط الكلفة، مما يعزز فرص تثبيت المسارات البديلة إذا أثبتت كفاءتها. وأكد أن الأزمة الحالية تمثل اختباراً لقدرة الموانئ السعودية على تحويل التدفقات إلى حضور دائم في شبكات التجارة العالمية، بالتالي فإن ترسيخها كميزة تنافسية طويلة الأمد سيعتمد على سرعة تطوير البنية التحتية وتعزيز التكامل مع شبكات النقل والخدمات اللوجيستية بما يواكب توقعات السوق العالمية. وقال إنه يعتقد أن إطلاق السعودية لمسارات لوجيستية وممرات تشغيلية جديدة لاستيعاب الحاويات المحولة يمثل خطوة تتجاوز الاستجابة الطارئة ليعكس توجهاً نحو إعادة رسم كفاءة وكلفة سلاسل التوريد في المنطقة، مشيراً إلى أن هذه الممرات يمكن أن تسهم في خفض الكلف الإجمالية للنقل عبر تقليص زمن الرحلات، وتقليل فترات الانتظار في الموانئ، والتقليل من الكلف غير المباشرة المرتبطة بالتأخير والتخزين، إضافة إلى أن تحسين الربط بين الموانئ ووسائط النقل البري والسكك الحديد يعزز من انسيابية حركة البضائع، وهو ما ينعكس إيجاباً على كفاءة العمليات اللوجيستية.
وأوضح أنه في هذا السياق تشير تقديرات صندوق الاستثمارات العامة إلى أن الاستثمارات في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية تستهدف تقليص زمن الشحن الداخلي بنسبة تصل إلى 30–40 في المئة، بخاصة مع اكتمال مشاريع الربط مثل الجسر البري. وأضاف أنه في رأيه ربما يكون الأثر الأهم في تعزيز مرونة سلاسل التوريد، حيث يوفر تعدد المسارات خيارات بديلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ، وهو عامل يحظى بأولوية قصوى لدى الشركات العالمية في ظل تزايد الاضطرابات. وأشار إلى أن التحول إلى مركز إمداد رئيس يتطلب تكاملاً أوسع يشمل تطوير البنية التحتية، وتوسيع الخدمات اللوجيستية ذات القيمة المضافة، وتحسين البيئة التنظيمية، وكل ذلك سيسمح بتحويل الموانئ إلى مراكز متكاملة لإعادة التوزيع والتخزين. وأضاف أن هذه الخطوة تعكس مؤشرات إلى تحول محتمل في موقع السعودية ضمن خريطة سلاسل الإمداد الإقليمية، إلا أن ترسيخ هذا الدور سيظل مرتبطاً بقدرتها على تحقيق كفاءة تشغيلية مستدامة وكلفة تنافسية، بما يجعلها خياراً دائماً في التجارة العالمية.
