
لقطة من فيلم “جوبيتر” (ملف الفيلم)
ملخص
يستند “جوبيتر”، الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج الفرنسي ألكسندر سميا إلى فرضية سياسية شديدة القرب من أحوال عالمنا الحالي: محاولة اغتيال تستهدف الرئيس الروسي، وموسكو تتهم كييف بالوقوف وراءها، فيما يجد الرئيس الفرنسي المنتخب حديثاً نفسه داخل مركز القيادة النووي، تحت قصر الإليزيه، أمام قرارات قد تقود إلى كارثة كونية.
بدأ الكسندر سميا التفكير في المشروع قبل نحو ثلاثة أعوام، وشرع في كتابته قبل عامين ونصف العام، ولم يكن تقاطع الفيلم مع الأحداث الراهنة محاولة لاستثمار الحرب الروسية – الأوكرانية سينمائياً، ويقول سميا “منذ البداية كانت صلتي بالواقع وثيقة جداً، وهذا أمر اعتدت عليه من قبل، فقد عملت مثلاً في المسلسل الفرنسي ‘مكتب الأساطير’ الذي كانت له أيضاً صلة وثيقة بالواقع، وكنت قريباً من هذه الآلية في الكتابة، أي استيعاب ما يجري في الواقع ثم إدخاله في عالم الخيال، وبالنسبة إليّ فصناعة الأفلام تعني أيضاً رواية العالم الذي نعيش فيه”.
يعترف المخرج بأن بعض الأحداث اكتسبت خلال الكتابة طابعاً استشرافياً، لكنه يردّ ذلك إلى تفاعل السيناريو مع الوقائع أكثر مما يرده إلى قدرة على التنبؤ، يقول “في العمل الروائي تنطلق الأحداث من واقعة مفجّرة: محاولة اغتيال فاشلة تستهدف الرئيس الروسي، وتؤدي إلى سلسلة من التداعيات المتلاحقة، وهذه الآلية جزء من منطق السيناريو. أعتقد أن البناء الدرامي كان يحميني إلى حد ما، فيما جاءت الأحداث الحقيقية لتؤكد بعض الحدوس التي راودتني، بصورة شبه لا واعية، منذ غزو أوكرانيا”.
ومع أن بوتين وماكرون وزيلينسكي يحضرون بقوة في خلفية الفيلم، فإن سميا تجنّب منح شخصياته أسماء القادة الحقيقيين أو ملامحهم فلم يكن يريد أن يتحول العمل إلى لعبة مطابقة بين الشاشة ونشرات الأخبار: “الأفلام التي كانت مرجعاً لي تشترك تحديداً في أنها لا تسلك هذا الطريق، وثمة في كل مرة جهد حقيقي لبناء عالم روائي مستقل، إذ ينبغي إتاحة المجال أمام المشاهد للدخول في واقع الفيلم، بدلاً من أن يمضي وقته في مقارنة الشخصيات بنماذجها الحقيقية”.
المخيال الشعبي
ولم يكن اختيار الممثل القدير دوني مينوشيه لأداء الرئيس الفرنسي منفصلاً عن هذه الفكرة، فالممثل لا يشبه الصورة التقليدية لرئيس الجمهورية في المخيال الشعبي، وهذا تحديداً ما أراده المخرج: “لم أرد أن يقضي المشاهد وقته في ممارسة لعبة ‘الفروق السبعة’ محاولاً رصد أوجه الشبه والاختلاف بين الشخصية السينمائية ونظيرتها في الواقع، فإذا أمضى وقته في البحث عن هذه الفروق فلن يعود يتابع الفيلم، لأن انتباهه سيكون منصرفاً إلى مكان آخر، وهذه الشخصيات حاضرة باستمرار في حياتنا اليومية، ولا يمكن منافسة قوة الواقع في هذا المجال، فالفيلم يظل عملاً سينمائياً، وعليه أن يخضع قبل أي شيء لقواعد السينما”.
لكن اختيار شخصيات متخيّلة لا يعني الابتعاد من السياسة، بل على العكس يحافظ “جوبيتر” على موازين القوى الجيوسياسية المعروفة، ويعيد تركيبها داخل عالم روائي، وهنا يفضّل سميا الحديث عن البُعد الرمزي لا السخرية التي قد يستشعرها بعض المشاهدين: “مواقف الرئيسين الروسي والأوكراني تحيل إلى مواقف سياسية حقيقية، حتى وإن كانت الشخصيتان لا تشبهان صاحبيهما من الناحية الشكلية، وخصوصاً بسبب اختيارات الممثلين، ومن هنا تنشأ علاقة الفيلم بالواقع على مستوى المجاز، وهذا في نهاية المطاف جوهر نوع السينما الذي أشتغل عليه: أن نبني عالماً روائياً ونتحرك داخله، بدلاً من الدخول في مجال الفيلم الوثائقي”.
اختار المخرج أن يحصر معظم الأحداث في مكان واحد، فنحو 80 في المئة من الفيلم تجري داخل فضاء مغلق، حيث تجتمع تسع شخصيات حول طاولة واحدة، فيما تتراكم خارج الجدران احتمالات الكارثة، وهذا القيد المكاني لم يكن عائقاً أمامه، وإنما فرصة لاختبار إمكانات سينمائية مختلفة، ويقول “إنه بناء يتيح إمكانات مسرحية قوية جداً، وهذا ما يجعله ممتعاً إلى حد بعيد على مستوى الاشتغال الإخراجي، فتصبح الكلمة سلاحاً، وتدور المواجهات على المستوى الكلامي. إنه فيلم حركة بالفعل لكن أسلحته هي الكلمات، والمواجهات لا تقل ضراوة وحدّة عن مطاردة بالسيارات في أحد أفلام ‘فاست أند فيوريوس”، وقد حاولت أن أجعل الكلمات محرّك الأحداث”.
في هذا الفضاء لا يتخذ القرار السياسي شكلاً بطولياً أو فردياً، فالوزراء والعسكريون والمستشارون يتدافعون بالاقتراحات والتحذيرات، فيما يبقى الرئيس في موقع الإصغاء أكثر مما يتكلم: “كنت في حاجة إلى ممثل يستطيع نقل المشاعر وإيصال ما يدور في داخله من خلال أدائه وحده، من دون كلام. مينوشيه ممثل استثنائي وقدرته على تجسيد الشخصية من خلال النظرة والصمت لافتة جداً”.
هذا المنطق ينسحب على الحياة الخاصة للرئيس أيضاً، فلا استرجاعات زمنية تشرح الماضي أو تفسّر وفاة ابنته، و”الفيلم الذي يعتمد على المكان المغلق يفرض انضباطاً خاصاً، ويلزم المخرج باتخاذ خيارات دقيقة، فإذا بدأنا بالخروج عن هذا الإطار، خاطرنا بتقويض البناء كله، ثم إن مشاهد الاسترجاع الزمني باتت طاغية إلى حد ما في السينما، وأرى أنها تمنح الأفلام أحياناً طابعاً مصطنعاً”.
حق المشاهد
يذهب سميا أبعد من ذلك في الدفاع عن حق المشاهد في ألا يحصل على جميع الأجوبة، فالتلفزيون في رأيه رسّخ نزعة تفسير كل شيء، فيما تستطيع السينما أن تترك مساحات يملؤها المشاهد بتأويلاته الخاصة: “أنا شخصياً أحب أن أغادر صالة العرض وأواصل التفكير في الفيلم، كما أحب أن يختلف تأويلي له عن تأويل الشخص الذي رافقني إلى السينما، ولقد عرض عليّ بعض الصحافيين تصوراتهم في شأن ملابسات وفاة ابنة الرئيس، وأخبرتهم أنني سعيد جداً بخوضهم هذا النقاش، لأن هذا تحديداً ما أطمح إليه: فتح مساحة للتفكير والإبقاء على قدر من الالتباس”.
سياسياً، لا يوافق سميا على وصف الموقف الأوروبي من أوكرانيا بالخيانة، على رغم أن الفيلم يضع احتمال التضحية بالرئيس الأوكراني على طاولة النقاش، ويفضّل الفصل بين موقعه مخرجاً وموقفه مواطناً يتابع الشأن العام: “لا أعتقد أنه يمكن الحديث عن خيانة أوروبية، وما يهم هو الأفعال: الدعم المقدّم إلى أوكرانيا مستمر، وكذلك الإمدادات بما فيها العسكرية، لذلك أرى أن اتهام الأوروبيين بخيانة الأوكرانيين سيكون حكماً مجحفاً”.
لكنه يستحضر مشهد المواجهة بين دونالد ترمب وزيلينسكي داخل المكتب البيضاوي، عاداً أنه يقدم نموذجاً أكثر وضوحاً لما يمكن أن تعنيه الخيانة السياسية: “كان مشهداً يستحيل على أي كاتب أن يتخيّله”.
يبقى التهديد النووي السؤال الملحّ في الفيلم، فهل يمكن أن يضغط رئيس دولة على الزر الأحمر؟ يجيب سميا بأنه أمضى وقتاً طويلاً في التفكير في هذا الاحتمال، وقرأ للفيلسوف الألماني غونتر أندرس، الذي استوقفته إحدى أفكاره: “إذا كان شيء ما قابلاً للحدوث، فهذا يعني أنه ممكن، وحده المستحيل لا يمكن أن يحدث، وما دامت هذه الأسلحة موجودة فإن الادعاء باستحالة وقوع سيناريو كهذا يكاد يكون شكلاً من أشكال الإنكار الفلسفي”.
ومع ذلك، لا يتجاهل المخرج مفارقة الردع النووي، إذ يُفترض أن يمنع امتلاك السلاح استخدامه: “صُمّمت هذه الأسلحة كي لا تُستخدم فوجودها والتهديد بالتدمير المتبادل يُفترض أن يحافظا على السلام، ومنذ هيروشيما أسهمت الأسلحة النووية في الحيلولة دون اندلاع حرب نووية، ويمكننا إذاً أن نقول إن الردع نجح حتى الآن”.
ولعل أكثر ما يقلقه في هذا السياق ليس السلاح، وإنما السلطة التي يضعها النظام السياسي الفرنسي في يد شخص واحد، فمع اقتراب الانتخابات الرئاسية، يريد تذكير الناخبين بأن اختيار رئيس الجمهورية يتجاوز البرامج والشعارات: “عندما ندلي بأصواتنا خلف الستار الانتخابي، نمنح رئيس الجمهورية سلطة اتخاذ القرار في شأن استخدام السلاح النووي. فكّرت في الأمر وقلت لنفسي إنني لم أصوّت في حياتي وأنا أضع هذه المسألة في ذهني. نصوّت لشخصية سياسية أو لبرنامج انتخابي، من دون أن نفكّر بالضرورة في أننا نمنح هذا الشخص أيضاً سلطة اتخاذ قرار قد يؤدي إلى صور