عمّار المأمون – كاتب سوري
عودة فوكو إلى الساحة العامّة تجعله أقرب إلى كاتب لم يتوقّف عن الكتابة، أو “مولّد للعلامات”، يُضاف إلى مكتبته نصوص بصورة دوريّة، يرصف الباحثون والمفسّرون مخطوطاته ويلاحق “المريدون” ما يُنشر، والسبب أنه في عام 2013 سلّمت “مؤسّسة ميشيل فوكو” المسؤولة عن حفظ تراثه المكتبة الوطنية في باريس 110 صناديق من مخطوطاته ونصوصه وملاحظاته ورسائله، صناديق تحوي أكثر من 37 ألف ورقة كانت موجودة في شقّته يوم وفاته.
عاد اسم المفكّر الفرنسي ميشيل فوكو للتداول، هو الذي لا يختفي حقيقة، لكنّ ظهوره يشتدّ كل فترة ليتصدّر عناوين الصحف والمجلات. ففي الذكرى المئة لولادته، أصدرت دار غاليمارد، التي لطالما أصدرت نصوصه، كتاب “إيران- حين تزلزل الأرض- ريبورتاج 1978- 1979″، الذي يحوي المقالات العشرة التي كتبها فوكو حين زار إيران أثناء الثورة الإسلامية، ونشرها في مجلة Corriere della Sera الإيطالية.
المقالات العشرة متداولة سابقاً، وتعرّض صاحب “المراقبة والمعاقبة” إلى الكثير من الانتقادات بسبب إعجابه بـ”الحراك الثوري” ، الإعجاب الذي وصفه كريستيا غامبيت، عضو الأكاديمية الفرنسية، في افتتاحية في صحيفة “لو موند”، بـ”أركيولوجيا الوهم” في تعليقه على الكتاب الجديد. انتقادات تبدو متواضعة كوننا الآن نعيش حرباً ذات آثار عالمية، تقودها إسرائيل وأميركا ضد نظام الملالي، صاحب الأذرع في اليمن ولبنان والعراق وسوريا سابقاً.
لن نناقش موقف فوكو من “الثورة الإسلامية” في إيران، لكنّ اللافت هو الحضور المتكرّر لفوكو في الفضاء الثقافي الفرنسي والعالمي، وكأنه لم يمت، كل بضع سنوات يعود إمّا بكتاب جديد وإمّا بفضيحة جديدة، ناهيك بحضوره الفكري الذي تجدّد في ثورات الربيع العربي، وكأن صاحب “السياسات الحيوية” رمز ثوري ضد “السلطة” و”الخطاب” و”الهيمنة”، أينما تجلّت ظهر بوجهه وصلعته وياقته العالية.
شهرة فوكو جعلته في الكثير من الأحيان طوطماً، يكفي أن نكتب “قال فوكو كذا” أو “علّق فوكو كذا”، حتى يظنّ البعض أن النصّ اكتسب قيمة مضافة. الاسم إذاً، أمير الدوال، يتحرّك داخل النصّ، ويطغى على ما حوله، علماً أن مفاهيمه في الكثير من الأحيان قاصرة، لا تكفي، على الأقلّ، لتفسير منطقتنا وطبيعة القوى فيها، ناهيك بتغير صراع القوى وأسلوب إنتاج الحقيقة، فوكو كان غارقاً في الأرشيفات، لا البيانات، يقرأ لا يتصفّح، لكن ربما هذا هو سحر حضوره.
حنين إلى صورة جيل من المفكّرين “الزعران”، بحسب التعبير الفرنسي، “نجوم” الثورات والأفكار الطليعية، والمفاهيم الخلابة، جيل “المدرسة الفرنسية” وثورة الـ1968 في باريس.
“صناديق” المخطوطات
عودة فوكو إلى الساحة العامّة تجعله أقرب إلى كاتب لم يتوقّف عن الكتابة، أو “مولّد للعلامات”، يُضاف إلى مكتبته نصوص بصورة دوريّة، يرصف الباحثون والمفسّرون مخطوطاته ويلاحق “المريدون” ما يُنشر، والسبب أنه في عام 2013 سلّمت “مؤسّسة ميشيل فوكو” المسؤولة عن حفظ تراثه المكتبة الوطنية في باريس 110 صناديق من مخطوطاته ونصوصه وملاحظاته ورسائله، صناديق تحوي أكثر من 37 ألف ورقة كانت موجودة في شقّته يوم وفاته.
أرشيف ما بعد الوفاة، إشكالي في كل الحالات، لكن في حالة فوكو يقدّم الباحثون نصوصه “الجديدة” كاستمرار لما سبق، كتابه المتداول بكثرة “تاريخ الجنسانية”، ازداد عدد أجزائه منذ وفاته، إذ صدر منه جزء خامس بعنوان “المخنّثون” في عام 2025، وفي عام 2018 صدر جزء رابع باسم “اعترافات اللحم“، وفي عام 2023 صدر له أيضاً كتاب “الخطاب الفلسفي“.
يستمرّ المشروع إذاً ويُنبَش الأرشيف بحثاً عن “جديد”، لكنّنا لا نقرأ كتاباً لحظة تأليفه أو نشره، بل لحظة “بعثه”، نقرأ إذاً ما لم يحسمه الكاتب، متعة الفضول و”الجديد” لا تترك المؤلّف لموته، بل تمعن في نفي دوره ليعود النصّ ملكاً لنا.
ترك فوكو نصوصاً في مختلف أنحاء العالم، تجعله أينما حلّ، “ينتج” معرفة، حتى لو كانت محطّ الانتقاد، يشتبك مع “الآن” هو المؤرّخ الذي يغطس في الأرشيفات القضائية والطبّية، ليخرج علينا بنتائجه، لكن دوماً يتداخل الشخصي مع الفكري في سيرته، فـ”مؤرّخ العلوم” يعود إلى الجدل بسبب حياته الشخصية المحاطة بالغموض والاتّهامات، خصوصاً مثليته وإصابته بعوز المناعة المكتسب، الشؤون التي لم يناقشها علناً إلاً نادراً، هو الذي كان مجرّماً في ظلّ حكومة فيشي التي تعاقب على المثلية الجنسية.
أيقونة عابرة للحدود؟
نحن أمام مخطوطات من المكتبة، ومقالات من إيران، وإشاعات في ساونات باريس، لكن هناك المزيد، صدر في عام 2021 كتاب منسيّ، كان مخطوطاً متروكاً في كاليفورنيا، بعنوان “فوكو في كاليفورنيا: قصّة حقيقية عن الفيلسوف الفرنسي الشهير حين أخذ الأسيد في وادي الموت”، الذي يحكي مغامرة فوكو في مستعمرات “الهيبيين عراة الصدور” في السبعينيات، وتعاطيه حجر الفلاسفة /LSD حتى البكاء، قائلاً أمام صخور وادي الموت: “أنا أعرف الحقيقة”. وفي العام نفسه، خرج علينا كتاب غاي سورمان “معجم الخراء“، الذي يتّهم فيه فوكو في إحدى الفقرات بضرب مواعيد مع أطفال توانسة في مقبرة سيدي بوسعيد، “حيث كان يغتصبهم تحت ضوء القمر، وهو مستلقٍ على القبور”.
وجه آخر لفوكو ظهر مع كتاب كاليفورنيا، واتّهامات سورمان الذي زار فوكو مع آخرين في سيدي بوسعيد، وهناك رأى الأطفال يركضون حول الفيلسوف الأصلع الذي “كان يرمي لهم النقود”، هذه التفاصيل لا مجال للتأكّد منها بدقّة، خصوصاً عبارات “تحت القمر” و”فوق القبر” المذكورة سابقاً، فهل كان يشاهد الجريمة وهي تُرتكَب؟
إشكالية هي شهرة فوكو، حكايات تحيط به تُشابه تلك التي أبطالها نجوم الترفيه، جنس ومخدّرات واتّهامات جنسية مع قصّر، لسنا بصدد الدفاع والاتّهام، لكن ما يهمّنا صورته، تحوّله الأيقوني، الممتدّ في الزمن عبر الكتب التي أنتجها أو تدور حوله أو مخطوطاته المنسيّة، الذي يغذّيه تحوّل فوكو إلى مادّة أدبية، إذ يحضر كشخصيّة متخيّلة في رواية هيرفيه غيبرت “إلى الصديق الذي لم ينقذ حياتي” في عام 1990، غيبرت هذا صديق فوكو ومصاب أيضاً بعوز المناعة، ويقال إن فوكو يحضر في الرواية الذاتية هذه تحت اسم “موزيل”، ناهيك بحضوره أيضاً كشخصيّة متخيّلة في رواية لوران بينيه البوليسية “الوظيفة السابعة للغة” الصادرة في عام 2015، الذي يظهر فيها فوكو كجزء من تحقيق حول مقتل/ اغتيال المفكّر الفرنسي رولان بارت، الذي تدور حول وفاته بحادث سيّارة، العديد من نظريات المؤامرة.
لن نخوض في الاتّهامات الموجّهة لفوكو في إساءة قراءة نيتشه، أو عدم دقّته التأريخية، أو الأحاديث عن استفادته من علاقاته لكي يحصل على وظيفة في الكوليج دو فرانس، كل مساحة من حياة “النجم” محطّ الانتقاد والتشريح، مع ذلك تبقى الهالة الإيقونية حوله، وعودته إلى الجدل لا تتوقّف، لكن هل فعلاً ما زالت أفكاره قادرة على تفسير العالم من حولنا؟ هل ما زال فوكو “معاصراً”؟
في القراءة والتفسير
النظر في ظاهرة “الفوكوية” يتجاوز ظهور أعمال “جديدة” له نحو التمسّك بقدرة مفاهيمه على التفسير، إذ نستفيد من “كلماته” و”أشيائه”، لكن هل فعلاً ما زالت قادرة على الإحاطة بالموضوعات المتعدّدة الآن؟ هو نفسه بالذات خاض في هذه الإشكالية، حول العلاقة بين “المكتوب” وقدرته على وصف العالم، أما نحن فنقرأ فوكو الآن في ظلّ المؤسّسات السائلة وفائقة التسارع، نقرأ في ظلّ رأسمال المراقبة واقتصاد الانتباه، لكن كل ما هو “فوكو” مثير وخلّاب، حتى إن “صلعته” وكنزته ذات الياقة العالية أضحت “زيّاً” يُستخدَم أحياناً للتنكّر.
قناع فوكو الآن جزء من العدّة الأيديولوجية لليسار بشكله “الثوري”، وهنا المفارقة. يسار الخميني إن صحّ التعبير، تحوّل الآن إلى “يسار إسلاموي”، يسار تنازل أمام الهويّات وتسلّح بـ”المفكّرين الثوريين” وأهمل الطبقة والمؤسّسة على حساب الشخصي، في حين ما زالت “الأنظمة” تتطوّر وتحتوي وتوظّف التكنولوجيا، ليتحوّل فوكو وغيره إلى ما يشبه “تمثالاً فيتشياً” يُلوّح به حدّ العبادة الساذجة أحياناً، بوجه تقنيات الهيمنة شديدة التطوّر!
حيوات فوكو بعد مماته تعيدنا إلى موت المؤلّف، والاحتفاء الفرنسي وما بعد الحداثي بهذا المفهوم، واللبس المحيط به من قِبل بعض المحافظين، فموت المؤلّف ينفي عنه الإبداع ويجعله مجرّد جزء من عمليّة “مؤالفة عناصر النصّ” وتركها للقارئ الذي يعيد النصّ فتح نصوص أخرى أمامه، هذا الموت المعنوي للحفاظ على الأفكار، تبناّه فوكو نفسه الذي أخفى حياته الشخصية، لكن بعد مماته، وإصداراته المتعدّدة شبه السنوية علينا إعادة النظر، ربما ما زلنا في جنازة فوكو، ربما لم يُدفَن كلياً، ربما يمتلك من الحيوية والجدل ما يُكسبه حياة مديدة حتى بعد مئة عام.