حسام جزماتي
الجمهورية نت
ربما وصلت «حملة الذهبي للحجاب الشرعي» إلى ذروة نشاطها في حزيران (يونيو) الفائت، عندما وزّعت تشكيلتها من الحجابات على طالبات في جامعة دمشق. وهو ما احتفلَ به مشرف الحملة هاني دهب، الجهادي المصري المُهاجِر سابقاً إلى سورية. إذ رأى أن نظام الأسدين عدَّ هذه الجامعة «أهمَّ المؤسسات التي تُغيّرَ فكر المجتمع» ففرض عليها رقابة أمنية صارمة جداً، حتى «أكرم الله الشام بالفتح العظيم» بسقوطه في العام 2024، وصارت الطالبات فيها يمارسن حريتهن بارتداء ما يُرِدنَ «بكل سعادة وحرية وعفوية».
لكن السعادة نفسها لم تكن من نصيب ناشطين ومتابعين نظروا إلى هذه الخطوة على أنها تهديد لحياد الجامعة، وطالبوا بمعرفة الطريقة التي يحصل بها الذهبي على الإذن بالعمل طالما أنه لم يُرخِّص لجمعية واضحة البرنامج شفافة التمويل، مما وضع الحملة تحت الأضواء لمدة لجأت فيها إلى التوزيع في مناطق طرفية من البلاد.
لكن دهب لم يستطع البقاء في الظل طويلاً، فالتقط الجماهيرية الكبيرة التي حظي بها صانع محتوى لبناني، يلقب بالمايسترو، في فعالية نظّمها مول «شام سيتي سنتر» في حيّ كفر سوسة الدمشقي، مساء الجمعة السابع من شهر آب (أغسطس) الجاري؛ ليستنكرَ «تقديم هذه الشخصيات كقدوات للشباب والشابات مع السماح بكل ما يخالف الشريعة من اختلاط وسفور ومخالفات شرعية في مكان عام لا يُسمَح فيه بإقامة دعوة شرعية»، مُسارِعاً إلى مطالبة إدارة المول، عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها من خارج البلاد، بالسماح لحملته بتنظيم نشاط هناك، للمساواة مع «طوني نصراني اللبناني» على الأقل. ثم أرسلَ رلا خبّي، مسؤولة حملته من ريف دمشق، لتُقدِّمَ للإدارة طلباً رسمياً، مدعوماً بإلحاح افتراضي يُظهر التهذيب ويُلوّح بالتشهير، مما دفع المول إلى الموافقة الفورية بعد «حُسن الاستقبال» الذي شكرهم عليه، ولأنهم كانوا عند ظنه بأي «مسلم محب لدينه». إذ لا يعيق حملته إلا «إداري في جامعة أو مؤسسة تابع للفلول»، وفق قوله.
لكن الاعتراض جاء من مكان لم يتوقعه، حين اتصل سامر بيرقدار، معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف، بمسؤولة الحملة في دمشق وريفها، طالباً حضورها فوراً ليبلغها بإلغاء النشاط. وأثناء الاجتماع حاججت خبّي بما يُركّز عليه دهب من أن الحملة تهدف إلى استعادة «الزي الأصلي» للنساء الشاميات، العباءة والنقاب، مستعيناً بصور من النصف الأول للقرن العشرين. ويبدو أن بيرقدار ردَّ عليها، أثناء النقاش، بأن هذا ليس لباسَ أهل الشام.
ينتمي بيرقدار إلى عائلة دمشقية متدينة. نشأ في جامع الشافعي في حيّ المزة، حيث تلقى رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع دروساً دينية أولى، عندما كان الاثنان في كنف الشيخ محمد أبو الخير شكري، وزير الأوقاف الحالي، الذي يَعدُّ بيرقدار رجلَ المهمات الصعبة في الوزارة فاختاره لإدارة أوقاف دمشق، ثم سلّمه ملف الوقف الحساس، وأخيراً كلّفه بهذه المهمة الشائكة.
بالمقابل نشأ دهب في أجواء التيار الطلابي الإسلامي في جامعة القاهرة في التسعينيات، حيث أتقن العمل ضمن الحدود الشكلية للقانون من دون الإيمان به، وآليات الحصول على التراخيص اللازمة للنشاطات تحت الضغط بالتلميح إلى تحويل الأمر إلى قضية رأي عام بإثارة المشاعر الدينية. فبدأ التصعيد.
في نشاطاته السابقة اعتمد دهب طريقة موحدة. يتلقى طلباً من خمسين امرأة، على الأقل، بتوجيه الحملة إلى منطقتهنَّ لإهدائهنَّ الحجابات التي يُرِدنَ أن يرتدينها. ثم يتوجه إلى مسؤولين متوسطين أو صغار فيرسل إليهم الطلب لإقامة فعالية التوزيع تحت عنوان «العفاف» أو ما شابه، في جامع أو جمعية أو مدرسة أو كلية. ويحصل على الموافقة بيُسر. لكنه اصطدم هذه المرة بما لم يعرفه.
فبعد أن قرر أن نمطَ ما يُوزِّعهُ هو وحده «الحجاب»، مُتضمِّناً خمس قطع (عباءة وخمار ونقاب وقفازات وجوارب) حتى لا يظهر من المرأة «قلامة ظفر»؛ عرّضَ ضمناً بشكل الحجاب الذي تعتمده أكثر المدارس الدينية في دمشق، ويسمحُ بكشف الوجه والكفين وفق بعض الاجتهادات المُعتبَرة. فيما يقول دهب إن تغطية الشعر، التي تفعلها أغلب النساء، «أصبحت فلكلوراً وعادة شعبية بلا قيمة فكرية عند أغلب من تفعل». ولذلك لا يحاربها العلمانيون بخلاف غضبهم من حملته.
لجأ دهب، الذي لم يَزُر دمشق يوماً ولا يفهم من حساسيتها ما يتجاوز الأفكار العامة، إلى عُدّته السجالية المتحايلة. فمن جهة قال إن الحملة تحترم وزارة الأوقاف وكل «عامل صادق فيها»، مُكرِّراً أن «مناصرة الدولة السورية دَينٌ ودعمها واجب»، وأنه من مؤيدي «الأخ الحبيب القائد الرئيس أحمد الشرع» الذي «يعرف جيداً من هو الذهبي وما هي أهدافه»، مُعلِناً بوضوح أن «من حرَّر هو من يقرر». ومن جهة أُخرى أكّدَ أن الحملة لن تتوقف بحسب «مزاج بعضهم» وما «يميلون له من آراء أو خلفيات نعلمها». مُصعِّداً، بدوافع كتبية لم تقرأ الواقع جيداً، ضد «شبيحة القبيسيات»، ناسباً إليهم، وإلى بعض الجماعات التي تنتمي إلى فضاء «مناصرة نظام بشار الأسد»، محاربة حملته بسبب «انتشارها الفائق والمؤثر» فانتفضوا ليدخلوا معها معركة هي، بالنسبة لهم، مسألة «حياة أو موت».
ولم يتأخر «الإسلام الشامي» في الدفاع عن بعضه. فبيرقدار من عائلة قدّمت شهيداً (أو اثنين، بحسب التصنيف) في الثورة. وقبل سقوط النظام كان مشرفاً على لجنة الحج، أحد الملفات القليلة التي نجحت المعارضة في إدارتها باقتدار. فيما عاد دهب، وفق السردية هذه، مصرياً مجهولاً بأجندة غامضة ومصدر تمويل غير مُعلَن، غادر سورية منذ أكثر من عشر سنوات -وإن بسبب الإصابة- ممّا لا يتيح له المزاودة باسم التحرير. كما قيل إن الحملة «تثير الريبة» لأنها «تُدار من الخارج»، ويتم التركيز فيها على اسم شخص بشكل استعراضي يهدف إلى لفت الأنظار. ومن غير المنطقي أن تمنح الوزارة إذناً رسمياً لمن لا تعرف حتى شكله، ولم يراجعها بشخصه أبداً.
وتوالت شهادات شيوخ دمشقيين، بعضهم سلفيون، في أبي عامر الذي تلقى دعماً من أحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي لرئاسة الجمهورية، الذي شهد أن معاون الوزير «لعبَ دوراً في صناعة النصر، واليوم يلعب دوره ببناء الدولة». وبالمقابل استطاعت منشورات دهب أن تحوز شعبية لدى ناسخين لاصقين مغمورين من خارج «الطبخة»، أغضبهم أن يقوم رجل، في هذا المنصب من «عقر دار الإسلام»، بمنع فعالية تهدف إلى نشر حجاب «أمهات المؤمنين». فتفرَّقَ الصف «الأموي» بين سَليلين أصليين في دمشق وبين ضواري أمويين جدد من جماعة «لبت لبت» على الأغلب، يتحدثون عن «الشام» عامة.
من جهته قال الذهبي إن منهج حملته هو الدعوة إلى الله «بالحكمة والموعظة الحسنة»، وأغفلَ الاستقواء بالسلطة والتهديد بالشارع والابتزاز بالسمعة! في حين كتبَ أحد المسؤولين المتوسطين إن دمشق «اعتادت على مر التاريخ أن تلفظ الغربان عنها، وستفعل إن شاء الله».
فهل تكون هذه الحادثة بداية نهاية حملة الذهبي؟!