في أول مقابلة تلفزيونية له بعد سقوط نظام الأسد وتعيينه نقيباً مؤقتاً للمحامين في سوريا، صرّح المحامي أحمد دخان: «نحن كنقابة المحامين الأحرار في إدلب، أُوعِز إلينا، بتكليف شفهي من قبل القيادة، بتسلُّم زمام الأمور في نقابة المحامين المركزية في دمشق».

كان دخان قد انتُخب في عام 2023 رئيساً لمجلس نقابة المحامين السوريين الأحرار في إدلب، وهي الجسم النقابي الذي عمل تحت سلطة حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام. هكذا انتقل مجلس نقابة إدلب المؤلف من سبعة أعضاء إلى دمشق ليحلَّ مكان مجلس النقابة المركزية الذي ضمَّ سابقاً أحد عشر عضواً. استمرت ولاية المجلس المؤقت نحو ستة أشهر ، عيّن خلالها أعضاء مجالس جديدة في كل فروع النقابة في المحافظات السورية. كما دشن عمليات شطب أعضاء من النقابة مُتَّهمين بدعم نظام الأسد، وإعادة آلاف الأعضاء الذين كانوا قد شُطبوا لأسباب سياسية خلال سنوات الثورة من قبل نظام الأسد.

صورة تجمع أحمد دخان (يمين) ومحمد الطويل (يسار)، عام 2023. (صفحة محمد الطويل على فيسبوك، 2023)

في حزيران (يونيو) 2025، عيَّنت الأمانة العامة للشؤون السياسية مجلساً جديداً للنقابة المركزية برئاسة المحامي محمد علي حسين الطويل، وهو أيضاً زميلٌ لأحمد دخان في نقابة إدلب، وشغل مقعد أمين سر النقابة المركزية في المجلس المؤقت. وحين كانت الأمانة تُجري مشاوراتها غير العلنية لاختيار أعضاء هذا المجلس الجديد تواصلت مع المحامي سليمان القرفان، والذي كان نشطاً بدوره في نقابة المحامين الأحرار، وهي تشكيل نقابي آخر كان مركزه مدينة إعزاز، غطى نشاطه قبل سقوط نظام الأسد مناطق سيطرة الحكومة المؤقتة في ريف حلب الشمالي، وضمّ الكتلة الأكبر من المحامين الناشطين نقابياً في الشمال.

يروي القرفان للجمهورية.نت: «تلقيت اتصالاً من الأمانة العامة للشؤون السياسية في دمشق، أخبرني المتحدث أنهم بصدد إعادة هيكلة نقابة المحامين المركزية ويريدون أن أكون ضمن المجلس المزمع تعيينه… رتَّبنا بعدها لاجتماع امتدَّ لأربع ساعات بحضور كل المحامين المزمع تعيينهم. ناقشنا في الاجتماع الكثير من النقاط وكان سؤالي الرئيسي: هل سنكون مستقلين؟ وكانت إجابتهم أن دور الشؤون السياسية ينتهي مع تشكيل المجلس ولن تتدخل بأيِّ شكل في عملنا، بل يبقى دورها فقط فتح الأبواب المغلقة في وجهنا».

يؤكِّد سليمان القرفان، حين أجرينا معه المقابلة في مقرِّ النقابة المركزية في دمشق، أن السلطة أوفت بوعودها ولم تتدخل في عملهم حتى بعد أكثر من عام على التعيين. لكن سلسلة مقابلات أجرتها الجمهورية.نت مع محامين ومحاميات في دمشق وحلب تكشف عن واقعٍ أكثرَ تعقيداً من ثنائية الاستقلال والتبعية للسلطة. فغيابُ التدخل المباشر في شؤون النقابة لا يعني بالضرورة استعادة استقلالها ودورها المدني، في ظلِّ انقسامات عميقة داخل مجتمع المحامين، ومجالسَ نقابية تفتقر إلى الشرعية الانتخابية، وإرثٍ ثقيلٍ من عقودٍ ترسّخت خلالها فكرة أن مجالس النقابات امتداد للسلطة التنفيذية، وأن وظيفتها تنحصر في إدارة شؤون أعضائها وتقديم الخدمات لهم، لا في تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم والاضطلاع بدور مستقل في المجال العام.

هذا التصوُّر للنقابة ووظيفتها لم يكن سائداً على الدوام في سوريا، بل هو نتاج تحولات سياسية ومؤسسية امتدت على مدى عقود. ومن هنا، فإن فهم التحديات التي تواجه نقابة المحامين اليوم، وفرص استعادة استقلالها ودورها المدني، يتطلّب العودة أولاً إلى تاريخها، والنظر في التحولات التي طرأت على علاقتها بالسلطة وبأعضائها، قبل الانتقال إلى واقعها الراهن وما يحمله من تناقضات وإمكانات.

من «جمعية وكلاء الدعاوى» إلى حقبة النقابة المركزية

يمتاز محامو ومحاميات سوريا بكونهم أصحاب أقدم نقابة مهنية عرفتها البلاد، لا بل إحدى أقدم النقابات في العالم العربي بأسره. إذ يعود تشكيل أول جسم مدني خاص بالمحامين إلى ما قبل تَشكُّل الكيان السوري الحديث، وبالتحديد إلى عام 1912، عندما أسست مجموعة ممَّن كانوا يُلقبون في ذلك الوقت بـ«وكلاء الدعاوى» جمعية خاصة بهم في مدينة حلب، وذلك بمبادرة مستقلة منهم من أجل تنظيم شؤونهم وحماية مصالحهم وتمثيلهم أمام السلطات.

(يمين) غلاف النظام الداخلي للجمعية باللغة التركية العثمانية، (يسار) طوروس شادرفيان، رئيس جمعية وكلاء الدعاوى ولاحقاً النقيب الأول لمحامي حلب (1912-1924). 2

أعادت هذه الجمعية تسمية نفسها بنقابة المحامين في نهاية عام 1918، وتلا ذلك تأسيس نقابة المحامين في دمشق في عام 1921، ومن ثم نقابة المحامين في اللاذقية في عام 1922. ولأن كُلّاً من هذه النقابات الثلاث كان جسماً مدنياً مستقلاً قائماً بحدِّ ذاته، لا امتداداً لجهاز دولة مركزي، فإنها حافظت على خصوصيتها المحلية وشخصيتها الاعتبارية على مدى خمسين عاماً، ولم تنضوِ على شكل «فروع» في جسم مركزي واحد إلا في بداية السبعينيات، بضغط من نظام الأسد والقيادة القطرية لحزب البعث. وخلال حقبة «النقابات الثلاث»، انتسب معظم محامي سوريا في جنوب البلاد ووسطها وشرقها بشكل مباشر إلى نقابة دمشق، في حين استقطبت نقابةُ حلب محامي حلب وإدلب، ونقابة اللاذقية محامي اللاذقية وطرطوس.

ومنذ عام 1935، أصدرت نقابة المحامين في دمشق مجلة المحامون بشكل دوري، فراكمت من خلالها أرشيفاً غنياً وثَّقَ كثيراً من جوانب العمل النقابي الحقوقي السوري. فبالإضافة إلى المقالات التخصصية والتحديثات التشريعية، احتوت أعداد المجلة على أخبار النقابات ونقاشاتها التنظيمية ونشاطاتها في الفضاء العام. شمل ذلك تفاصيل داخلية مُهمَّة وحساسةً، كالميزانية السنوية ومحاضر جلسات النظر في الشكاوى ومطالب النقابة المختلفة من الحكومات السورية المتعاقبة. وشمل أيضاً وقائع مؤتمرات نقابات المحامين وبياناتهم العامة، التي كثيراً ما تجاوزت الشأن المهني الضيّق لتشتبكَ مع القضايا الوطنية والدستورية الكبرى في البلاد.

ومن خلال هذه المنشورات، وثّقت المجلة لدور المحامين السوريين في مناهضة الانتداب الفرنسي ومشاركتهم الفاعلة في إضرابات واحتجاجات تلك المرحلة، وأَطلَعت قراءها بعد ذلك على الدور الخاص الذي لعبته نقابات المحامين في سوريا في تأسيس اتحاد المحامين العرب في الأربعينيات والخمسينيات. وبين الشؤون النقابية الداخلية والدور الوطني، نقلت مجلة المحامون لقرائها أيضاً وقائع ونتائج الانتخابات التي شهدتها النقابات الثلاث بانتظام لاختيار نُقبائها ومجالس الإدارة والتقاعد فيها، وقد بدأت هذه الممارسة الانتخابية منذ تأسيس الجمعية الأولى في حلب في نهاية العصر العثماني، وحافظت على أجواء تنافسية حقيقية عكستها محاضر جلسات الاقتراع حتى نهاية السبعينيات.

من صِدام 1980 إلى انقسامات الثورة

بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في عام 1963، تغيّرت وظيفة النقابات في سوريا  لتُصبِح «منظمات شعبية»، أيْ أجساماً لـ«تعبئة» المجتمع واستيعابه تحت قيادة الحزب الواحد، على النمط السوفييتيِّ. لكنَّ نقابات المحامين حافظت – عملياً – على هامش من الحرية والاستقلالية لم ينتهِ إلا بعد صدامها الشهير مع نظام حافظ الأسد بين 1978 و1980. وقد يكون هذا الصدام بحدِّ ذاته أوضح دليل على نجاح النقابيين الديمقراطيين والمستقلين حتى تلك اللحظة في الحفاظ على مواقعهم القيادية داخل النقابة، واستعدادهم لتوظيف المجلة الناطقة باسمهم للحديث بشكل واضح ومباشر عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وفي أعداد مجلة المحامون الصادرة في عام 1978 على وجه التحديد، تبدو نقابة المحامين وكأنها تُدرِك أنها تنطق بكلماتها الحرّة الأخيرة في القرن العشرين، فتُحاول تعويض ذلك بقدرٍ لافتٍ من الغزارة والإلحاح على ضرورة العودة إلى النظام الديمقراطي وإنهاء تجاوزات الأجهزة الأمنية وحالة الطوارئ. ظهرت هذه المطالبات منذ العدد الأول الذي نقل وقائع وكلمات المؤتمر العام الذي انتخب صباح الركابي نقيباً لمحامي سوريا في مطلع عام 1978، وتكرّرت دون توقف بعد ذلك لتبلُغ ذروتها في كلمات مؤتمر الدفاع عن حقوق الإنسان الذي استضافته النقابة بالتعاون مع رابطة الحقوقيين في نهاية العام.

(يمين) بيانٌ طويلٌ يدين اعتداء سرايا الدفاع على أحد أعضاء النقابة، ويُعلن إضراباً عاماً للمحامين ليوم واحد احتجاجاً على الاعتداء. (يسار) غلاف العدد الثاني عشر والأخير لعام 1978 من مجلة المحامون الذي نزل فيه البيان.
من العدد نفسه، كلمة المحامي موفق الدين الكزبري التي ألقاها باسم رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان في نقابة المحامين في دمشق، واستشهد في آخرها بالتحوُّل الديمقراطي في إسبانيا والبرتغال ليُطالب بإنهاء حالة الطوارئ في سوريا والعودة إلى النظام الدستوري التعددي.

مع تخويل حافظ الأسد رئاسة الوزراء صلاحية حلِّ النقابات المهنية في نيسان (أبريل) 1980، ومن ثم حلّها بالفعل، فقدت النقابات المهنية في سوريا ومن بينها نقابة المحامين استقلالها ودورها المدني الذي تمتعت به على مدى أكثر من ستين عاماً، وبات النقباءُ ومجالسُ النقابات منذ ذلك الحين امتداداً لأذرُع الدولة السلطوية، وأداةَ ضبطٍ أو قمع أو تهديد «أولى» وظَّفتها الأجهزة الأمنية في كثير من الأحيان ضد أعضاء النقابة قبل أن تتدخل بشكل مباشر. حدث هذا خلال فترة ربيع دمشق والعقد الأول من حكم بشار الأسد، ثم على نطاق أوسع بعد اندلاع الثورة السورية وانخراط الكثير من المحامين والمهندسين والأطباء من مختلف المناطق في صفوفها. ومع الاعتصامات الاحتجاجية التي نظَّمها المحامون المؤيدون للثورة في حلب ودمشق في صيف عام 2011، تكرّسَ الشرخ السياسي الذي ضرب البلاد كلها داخل الجسم النقابي، وبدأت عمليات الشطب والملاحقة والاعتقال، وصولاً إلى التهجير.

ومن رحم التهجير، وعبر مسار متعرّج بدأ منذ عام 2013، وُلدت في نهاية عام 2019 نقابةُ المحامين الأحرار في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، شمال غرب سوريا. ضمّت النقابة عند تأسيسها حوالي 1000 محامٍ من مختلف المحافظات السورية، واعتمدت القانون رقم 30 الصادر في عام 2010 لتنظيم المهنة بعد إدخال بعض التعديلات عليه، وحافظت على بنية النقابة الهرمية ذاتها وإن بشكل رمزي، فاحتَوت على مجلس «مركزي» مقرُّه إعزاز وتسعة «فروع» تُعبِّر عن المحامين المهجرين من تسع محافظات هي، بالإضافة إلى حلب: حمص وحماة واللاذقية ودمشق وريفها ودرعا والرقة ودير الزور والحسكة. أمّا نقابة إدلب فبقيت خارج هذا التنظيم على الرغم من مشاركتها في النقاشات والمشاورات التأسيسية، وذلك بضغطٍ من حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، وتلا ذلك إعادة تنظيم نقابة إدلب نفسها في عام 2021 لتحمل هي الأخرى اسم نقابة المحامين السوريين الأحرار.

بقيت العلاقات باردة بين الجسمين النقابيين في الشمال بعد ذلك، ولا سيما مع قرار نقابة إدلب عدم معاملة محامي نقابة إعزاز بالمثل على صعيد إمكانية ممارسة المهنة في مناطق حكومة الإنقاذ. وعلى الرغم من تعرُّض نقابة المحامين في إعزاز لتدخلات من الحكومة المؤقتة، أي السلطة التنفيذية الفاعلة في مناطقها، فقد ظلَّت تعتبر نفسها أكثر استقلالاً وشرعية من نقابة إدلب الخاضعة تماماً لوزارة العدل في حكومة الإنقاذ.

بعد سقوط الأسد: تغيّر القيادات والتباس القوانين

مع سقوط نظام الأسد، وتعيين مجلسَي النقابة المؤقت ومن ثم الانتقالي، بدا وكأن أهمية الاختلافات القديمة داخل مجتمع محامي الشمال قد تراجعت، وذلك لصالح عودة الانقسام الأقدم والأعمق بينهم ككلٍّ وبين المحامين الذين كانوا قد بقوا في مناطق سيطرة النظام، والذين باتوا بدورهم يشعرون بخطر وعدم إنصاف النظر إليهم ككتلة واحدة اسمها «الفلول». تقاطعَ هذا الاستقطاب السياسي والنفسي مع الطبيعة المُلتسبة للبنية التشريعية الناظمة لعمل النقابات والمرحلة الانتقالية بشكل عام، وتصاحبَ في الوقت نفسه مع انقسام آخر حول مسألة التمثيل ومدى شرعية مجالسِ النقابة الجديدة المُعيَّنة «من الأعلى».

ألزمَ الإعلان الدستوري مجلسَي النقابة المؤقت والانتقالي بالعمل ضمن القوانين والهياكل والمسارات الإجرائية القديمة للنقابة. وبذلك، فإن التعديلات التي كانت قد أجرتها نقاباتُ المحامين في الشمال على قانون تنظيم المهنة رقم 30 لعام 2010 ومساراته الإجرائية لم تنتقل معهم إلى دمشق وحلب. أنهى هذا أيَّ فرصة لإحداث أيِّ تغيير جذري سريع في الجسم النقابي، وأرهقَ الطواقم الجديدة التي تسلَّمت العمل ببيروقراطية لم تعتدها. يقول المحامي مثنى الناصر، عضو مجلس نقابة حلب: «في إعزاز كان لدينا مرونة أكبر في العمل النقابي، أمّا هنا في حلب فقد قيدنا أنفسنا، تغيّرت المجالس لكن النظم والموظفين بقوا على حالهم، بدل أن ننقل مرونتنا معنا أرهقنا أنفسنا بتعقيدات بيروقراطية وتشريعات تحدُّ من فرص التحديث، وها أنا أتحدث إليك الآن من مكتبي رغم أن الساعة تجاوزت العاشرة ليلاً».

غير أن تطبيق القانون في مواضع أخرى بدا انتقائياً، بحسب المحامي (ن.و) في دمشق الذي بقي في المدينة طيلة فترة الثورة والحرب، والذي تحدّث إلينا عن سلسلة خروقات طالت قانون تنظيم المهنة، وفضّل عدم ذكر اسمه. من أبرز هذه الخروقات تلك المتعلقة بعمليات الشطب بحق المحامين المتهمين بالعمل مع نظام الأسد. فالطريقة التي تمت بها حسب قوله حرمت المشطوبين من حق الدفاع المشروع، وقامت النقابة لاحقاً بنشر أسماء المشطوبين عبر مُعرِّفاتها، وفي ذلك «مخالفة لنص القانون الذي لا يُجيز نشر الأحكام من هذا النوع».

«تَصدرُ قرارات الشطب غالباً عن مجالس الفروع وتمرُّ من مجلس النقابة المركزية فتُقَرّ أو تُرَدّ. وفي حال الإقرار يحق للأعضاء المشطوبين الطعن في القرار أمام محكمة النقض أو أمام لجنة خاصة داخل النقابة تضمُّ محامين وقضاة من وزارة العدل». هذا ما أخبرنا به المحامي سليمان القرفان في معرض شرحه لآلية الشطب، حيث أضاف: «نقوم برد الكثير من قرارات الشطب الصادرة عن مجالس الفروع.. المعيار الحاسم عندنا لقبول قرار الشطب هو تسبّب الشخص بأذى لزملائه المحامين أو غيرهم خلال سنوات الثورة، كحالة من كانوا يكتبون التقارير الأمنية لأجهزة النظام مثلاً. بالمجمل لا يتجاوز عددُ المشطوبين في كل سوريا 300 محامٍ حتى الآن».

مع ذلك، يبدو أن الشطب بآلياته الإشكالية قد تَحوَّلَ إلى مصدرِ رعب لآلاف المحامين الذين عملوا في ظلِّ النظام، أو إلى «سلاحٍ في يد مجالس النقابات» كما تُخبرنا المحامية (م.أ) العضو في نقابة دمشق التي قالت إن «العديد من المحامين الذين تم شطبهم أصدقاء لنا، اتُّهموا بأنهم فلول، لكن بعضهم شُطب لمجرد أنه التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية… الأمر أظهر الشرخ الكبير في مجتمع المحامين، خاصة حين طلبت النقابة في بداية التحرير من المحامين الإخبار عن بعضهم البعض وتحريك دعاوى ضدَّ زملاء مُتَّهمين بالتورُّط في دعم النظام».

التعيين وأزمة التمثيل والانتخابات  

طريقة تعيين أعضاء مجلس النقابة كانت بحدِّ ذاتها خرقاً للإعلان الدستوري، بحسب المحامي (ن.و)؛ لأن هذه التعيينات هي «من صلاحيات رئاسة مجلس الوزراء، وفي غيابها لا نعلم كيف انتقلت الصلاحيات إلى  الأمانة العامة للشؤون السياسية التابعة لوزارة الخارجية، والتي بدورها أوكلت تعيين مجالس الفروع إلى مجلس النقابة المركزية الذي عينته، كلُّ هذا مخالف لنصوص قانون تنظيم المهنة رقم 30 لعام 2010، وبالتالي للإعلان الدستوري».

بالإضافة إلى هذا الالتباس القانوني، ضاعفت مسألةُ التعيين من أثر المركزية الخانقة على العمل النقابي، فالتعيينُ والعزل من قبل النقابة المركزية في دمشق حوَّلا مجالس الفروع نحو التبعية الكاملة للمركز «فمن يقوم بالتعيين يستطيع العزل، ومن يتم تعيينه عليه أن يطيع» حسب تعبير (ي. ز) وهو محامي شاب يُمارِس المهنة في ريف حلب الغربي منذ ما قبل سقوط نظام الأسد. هكذا يتَّضح أن مسألة التعيينات أثَّرت كثيراً في ديناميات العلاقة ليس فقط بين المحامين العائدين من الشمال ونظرائهم الذين بقوا في مناطق النظام، بل أيضاً بين المركز والأطراف، بما فيها الأطراف التي كانت تحت سيطرة قوى المعارضة.

يُدافع المحامي سليمان القرفان، عضو مجلس النقابة المركزية، عن مسألة التعيينات، ولا سيما تعيين مجلس النقابة الانتقالي الحالي، والذي أخذ تشكيله بعينِ الاعتبار «الخبرات النقابية السابقة، الجنس، والخلفيات الاجتماعية المختلفة» وسمح «لأول مرة في تاريخ النقابة بوصول ثلاث نساء إلى مقاعد المجلس المركزي، ووازن بين محامي الشمال والمحامين في مناطق سيطرة النظام السابق». إلا أن سؤال الشرعية بقي مفتوحاً، وأضعفَ موقف قادة النقابة سواء أمام السلطات أو أمام الأعضاء في النقابة.

تتعلّق أزمة الشرعية في النقابة بسؤال «مِلكية» النقابة ودورها، بين كونها إطاراً يبنيه المحامون بأنفسهم ليُمثلهم بشكل مستقل، وآخرَ تقوم السلطة فيه بتعبئتهم وإدارة شؤونهم عبر مجلسٍ مطواعٍ لها. تقول المحامية (م.أ) في دمشق بتهكم إن المجالس الحالية تستند إلى «شرعية ثورية»، في إشارة إلى أفكار حزب البعث التي نسفت في عام 1963 الشرعية الدستورية القائمة على الانتخاب الحر والنزيه. أمّا المحامي مثنى الناصر، عضو مجلس نقابة حلب، فيقول إنهم يستمدُّون شرعيتهم من التفاف شريحة كبيرة من أعضاء النقابة حولهم باعتبارهم منتخبين سابقاً من المحامين الأحرار في الشمال. من جانبه، يُركِّز المحامي سليمان القرفان على شرعية الأداء ويقول: «ما أنجزه زملاؤنا في المجلس المؤقت للنقابة خلال ولايتهم من ضبط الفساد والتجاوزات المهنية يفوق ما فعلته كل المجالس المنتخبة السابقة في زمن البعث».

على اختلاف التأويلات، يبقى الثابت أن المجالس الحالية لا تملك شرعية انتخابية، «والانتخابات هي العلة المسكوت عنها بتواطؤٍ جماعي مريب» حسب وصف المحامي (ج.ن) في حلب، الذي يضيف: «على القهاوي نتحدث كما نشاء عن الأمر لكن ليس على المنصّات». سليمان القرفان يؤكد أن الانتخابات ليست بعيدة ويشرح: «نُحضِّر حالياً للمؤتمر العام لنقابة المحامين المتوقَّع تنظيمه قبل نهاية العام، ولدينا حالياً ثلاثة ملفات رئيسية وهي تعديل قانون تنظيم المهنة رقم 30 لعام 2010، كتابةُ مدونة سلوك للمحامين، وموضوع العزل النقابي، حيث نحضِّر مسودة مشروع لمنع كل المحامين المرتبطين بحزب البعث (المنحل) من شغل أيِّ مناصب نقابيةٍ حتى عشر سنوات… ما أن انتهينا من تثبيت هذه الأولويات، عندها سنكون مستعدين لخوض الانتخابات على مستوى النقابة المركزية والفروع».

بالفعل، أخبرنا محامون في حلب أن النقابة المركزية طلبت من فرع نقابة حلب، كما باقي الفروع، تشكيل لجانٍ وتقديم مقترحاتهم لتعديل قانون تنظيم المهنة، تتجمّع كلُّ تلك المقترحات لدى اللجنة المكلفة في النقابة المركزية لتقوم بصياغة القانون المُعدَّل تمهيداً لتبنّيه في المؤتمر المُنتظَر. لكن لا يبدو أن هناك آليةً واضحة لنقاش المقترحات التي تعمل عليها لجان الفروع مع لجنة المركز، قبل اعتمادها من عدمه في المسودة الأخيرة التي ستُطرح في المؤتمر. لذلك، عبَّرَ عدد من المحامين الذين تحدَّثنا إليهم عن عدم رضاهم عن آلية التشاور المُتعجِّلة، والتي تحصرُ التأثير في القانون الجديد بيد مجالس النقابة المعيَّنة، وتُثير مخاوفهم من تمرير قانون قد يكرّس تبعية النقابة للسلطة التنفيذية.

سلطة مُتعجِّلة ومجتمع محامين مُفكَّك ومُرهَق

الخطير هو أن رسمَ مستقبل النقابة يجري في فترة يُعاني فيها مجتمع المحامين، كسائر المجتمع السوري، من شرخ سياسي واستقطاب حادٍّ على وسائل التواصل الاجتماعي، ممّا يزيد من صعوبة العمل المشترك ويُقلِّل من فُرص نجاح النقابة في تجسيد التطلُّعات والمصالح المشتركة لأعضائها من خلال الشفافية والانفتاح عليهم. وهذا يُفسّر إلى حدٍّ كبير تفضيل المحامين الذين تحدثنا إليهم من خارج مجالس النقابات عدم ذكر أسمائهم في هذا التقرير. ويُضاف إلى هذا الانقسام حالة الإنهاك العام التي يعاني منها المحامون كغيرهم، وإرث أكثر من أربعين عاماً من افتراق مجالس النقابة عن هيئاتها العامة.

«لدينا إرث راسخ من انعدام الشفافية لم ينقطع في النقابة» بحسب تعليق المحامي (ج.ن) في حلب، الذي يضيف: «حتى الآن لا توجد أُطر تشاورية مُتبلوِرة لإشراك الهيئات العامة للنقابات في مداولات الشأن النقابي، لا اجتماعات دورية، ولا حتى مؤتمرات بروتوكولية للتفاعل بين أعضاء النقابة ومجلسها. سياسة الأبواب المفتوحة التي تتبعها القيادة الانتقالية للنقابة لا تكفي، فتلك الأبواب المفتوحة لا تتَّسع لكل الأعضاء، على الأقل ليس بالدرجة نفسها في ظلِّ تقسيمات ‘الفلول والثوار’ وما بينهما، ناهيك عن وجود شريحة من المحامين تُحجِم عن المبادرة في الشأن النقابي بسبب شعورها بالإقصاء أو باللاجدوى».

يتفق محامون من حلب ودمشق تحدَّثت إليهم الجمهورية.نت على وجود فجوةٍ في التواصل بين المجالس والأعضاء، وهو ما يُعقد مسألة التمثيل ويُعمِّق محنة مجتمع المحامين المُنقسم. يُعلِّق المحامي (ج.ن) على المشهد بالقول: «لدينا سلطةٌ مُتعجّلة لتثبيت قواعد جديدة للعمل النقابي، ومجتمعُ محامين مُفكَّك ومُرهَق عاجزٌ عن المبادرة بشكل فعّال، بعد كل ما حدث، لم يعُد لدينا الجَلَد لمزيد من النضال». تتقاطع آراء المحامية (م.أ) مع ما ذكره، فهي تقول: «غالبية المحامين مشغولون برزقهم في هذه الأيام الصعبة، وآخر ما يريده أحدهم هو أن تتعثّر معاملاته اليومية بسبب خلافٍ نقابيٍّ وصدامٍ مع إحدى مديريات الحكومة، لذلك يميل معظمنا إلى تجنب الشأن النقابي والانشغال بشؤون مكاتبنا».

ينعكس ذلك في ضعف المبادرات والضغط المنطلق من القواعد النقابية نحو مجالسها، حتى حيال فجوة الشفافية والتواصل بين مجالس النقابة وأعضائها؛ إذ لم ينشط أيٌّ من المحامين-يات الذين تحدّثنا إليهم في مبادرات لجسرِها، ولم يلحظوا نشاطاً كهذا. «إحجام أعضاء النقابة عن المشاركة في المرحلة الحالية يُمهِّد الطريق نحو إعادة إنتاج الوضع القديم في النقابة مرة أخرى»؛ يُحذِّر مثنى الناصر مما يعتبره الخطر الأكبر في مرحلة إعادة رسم حدود العلاقة بين المحامين والسلطة. وتُضيف المحامية (م.أ) أن للنقابة دوراً في هذا الانكفاء: «يُحاجج البعض أننا نتجه نحو استقلالية نقابية لأن قادة النقابات الحالية في معظمهم أبناء مجتمع مدني وعمل نقابي لا أبناء سلطة، لكني لا أرى الأمور تسير في ذلك الاتجاه. في رأيي الشخصي، الشيء الوحيد الذي نجحت فيه النقابة حتى الآن هو إسكات المحامين».

الانشغال بالشأن الداخلي وإفراغ المجال العام

مطلع العام الحالي 2026، عقدت نقابة المحامين السوريين مؤتمراً استثنائياً، وكان الأول بعد التحرير، دامَ يوماً واحداً، ولم تصدُر عنه أيُّ قرارات مهمة، ولم يحظَ حتى بتغطية إعلامية كافية. لكن ما رشحَ عن نقاشات المؤتمر الخاطف أظهر غرق النقابة في شؤونها التنظيمية الخاصة على حساب الشأن العام والأدوار المُنتظَرة منها في المرحلة الانتقالية، في صون الحريات ومراقبة التشريعات والدفاع عن دولة القانون.

يؤكد المحامي سليمان القرفان الأمر بالقول: «أولويتنا في المرحلة الحالية هي ترتيب البيت الداخلي، واستكمال جدول الأعضاء، حيث ما زال لدينا أعدادٌ كبيرةٌ من المحامين الذين فصلهم النظام ولم يعودوا للنقابة، وكذلك مكافحة الفساد الذي كان مستشرياً في كل مفاصل النقابة، سواء لجهة الوكالات القضائية التي كان جزءٌ كبيرٌ من ريعها يُنهَب قبل وصوله إلى صندوق النقابة، أو لجهة إدارة أملاك النقابة». ينتشل الرجل بطاقته النقابية، وتبدو بطاقةً بدائيةَ التصميم ومنخفضة الجودة، ويقول: “تخيَّل أن هذه البطاقة كلفت النقابة 3.5 دولار أميركي، يُمكن لأيِّ شخص تزويرها، وإن وضعتها في جيبي لعدة أيام سترى كيف تُمحى بياناتي المطبوعة عليها بسهولة، لكننا وبالتكلفة نفسها، تعاقدنا مع شركة لتطبع بطاقة جديدة بشريحة إلكترونية بمعايير عالمية أشبه بنموذج البطاقة الألمانية، فهل تتخيّل حجم الفساد في مجال التوريدات للنقابة؟».

بالدرجة الثانية، يبدو أن مجلس النقابة الحالي يُولي اهتماماً بالتعاون الدولي والشراكات مع المنظمات المدنية المحلية، بمقدار ما يُبادر الشركاء إلى ذلك. وضمن إطار عملية العدالة الانتقالية، أعلنت النقابة عن لجنة لمتابعة وتمثيل أهالي ضحايا الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون في سوريا، وذلك بموجب توكيل رسمي مجاني. هذا الانفتاح على المجتمع المدني، بالإضافة إلى تنظيم التدريبات والورشات، يأتي دون المرور بموافقات رسمية أو غير رسمية، بحسب تأكيد المحامي مثنى الناصر، عضو مجلس حلب، لكنّه يطرح احتمال أن تتحوّل النقابة إلى ما يُشبه الـ (إن جي أو) تُنظّم تدريبات وورشات ولكن على حساب دورها التمثيلي والرقابي العام، ولا سيما فيما يتعلق بسياسات وأوضاع ما بعد كانون الأول (ديسمبر) 2024. يقول المحامي (ي.ز) من ريف حلب: «شهدنا منذ التحرير صدور عشرات القوانين والقرارات التي مسَّت حياة الناس، هل علّقت أو حللت أو انتقدت النقابة أيّاً منها؟ شهدنا كثيراً من التجاوزات من قبل قوى الأمن والدفاع، هل ناصرت النقابة مظلوماً حينها؟».

الحدود المتحركة بين النقابة والدولة

من الثابت لنا – من مقابلات متعدِّدة – ألَّا «شيخ» في النقابة، بمعنى أنه لم يَلحظ أيٌّ من المحامين الذين تحدثنا إليهم تدخلاً واضحاً من جهة أمنية أو سياسية بصورة مباشرة في شأن من شؤون النقابة بعد تعيين المجالس. حتى قنوات التواصل المؤسَّسي بين النقابة والدولة «باتت مقتصرة حالياً على وزارة العدل»، على حدِّ قول المحامي سليمان القرفان.

مع ذلك، يبدو للكثير من المحامين الأعضاء أن النقابة بشكلها الحالي عاجزةٌ عن الخروج من عباءة الدولة، والتموضُع كجسم مستقل ضمن المجال العام. يُعبر عن الأمر المحامي الشاب (ي.ز) بالقول: «المشكلة أن أغلب قادة النقابة الحاليين يشعرون أنهم هم الدولة، وأن عليهم واجب حمايتها، فيتجنَّبون نقدها وينضبِطون ذاتياً ضمن حدودها». يُشير (ي.ز) أيضاً إلى دور الاستقطاب السياسي بين الأعضاء في حجب الأنظار عن المصلحة العامة لكلِّ المحامين في تقوية نقابتهم، ويُشدِّد على أولوية ردم الفجوة بين المحامين أنفسهم.

في مواجهة الفجوة، ثمة ميزة لنقابة المحامين تُشير إليها المحامية (م.أ): «نحن أكثر نقابة يعرف أعضاؤها بعضهم بعضاً، فنحن نلتقي بشكل يومي في القصر العدلي وفي الطابو والنفوس وكل مؤسسات الدولة». المعرفة والعلاقات الشخصية هنا رأسُمال اجتماعي يُمكن استثماره لتقوية صف المحامين وتعزيز دورهم في المجال العام، لكنها بحاجة إلى مجموعة منظمة من المحامين لتفعيله.

يُمكن الحديث عن شريحتين من المحامين بمقدورِهما المساهمة في دور التجسير هذا. الشريحة الأولى يصفها المحامي (ج.ن) بالمحامين الأحرار المُهمَّشين، ويقصد بهم المحامون الذين انشقُّوا عن النقابة الرسمية في بداية الثورة، وساهموا في تأسيس التنظيمات المهنية المستقلة، قبل أن يغيب بعضهم عن العمل النقابي بعد سقوط النظام. هؤلاء: «يعرفُهم من عمل في المهنة قبل الثورة، ومن انتسب إليها في الشمال لاحقاً، ويُمكنهم من خلال علاقاتهم وسُمعتِهم تعزيزُ التقارب بين المحامين المشتتين والمختلفين». أمّا الشريحة الثانية فهي مَن تُسميهم المحامية (م.أ) محامِي المجتمع المدني، وهم المحامون الذين نشِطوا وعملوا في أوساط المجتمع المدني خلال سنوات الثورة، ومن هناك كوّنوا علاقاتٍ، اطّلَعوا على تجارب، وبنوا مواقف سياسية بعيدة عن الحدية والتنازُع. هؤلاء أيضاً يُمكن التعويل عليهم.

خاتمة

من الصعب تَخيُّل مستقبل قريب في سوريا تختفي فيه آثار الشروخ الكبيرة التي شهدتها البلاد منذ ما قبل عام 2011. ما حدث خلال الخمسة عشر عاماً الماضية هائلٌ، وإرثه اليوم يتضافر مع تحديات اقتصادية واجتماعية متصاعدة، واستقطابٍ حادٍّ على وسائل التواصل الاجتماعي، وغموضٍ في الرؤية السياسية للسلطات الجديدة ونزعتها نحو «السيطرة الاستيعابية». كل هذا يزيد من صعوبة الانخراط في الشأن العام ويحدُّ من القدرة على بناء أُطر مدنية مستقلة وجامعة. نقابة المحامين كما النقابات جميعاً جزءٌ من هذا المشهد العام. وحتى لو باتت الظروف أكثر «عادية» مع الوقت، فليس من المتوقع ولا من المأمول أن تختفي الاختلافات والتجاذُبات داخل أيِّ جسم نقابي كبير مثل نقابة المحامين في سوريا، سواء ارتبطت هذه الاختلافات ببرامج النقابة الداخلية المعنية بمصالح المحامين أو بدور النقابة وموقعها في الشأن العام.

لذلك، لا ينبغي للسؤال عن مستقبل نقابات المحامين في سوريا ودورها خلال المرحلة الانتقالية افتراضُ تَحوُّل قرابة خمسين ألف محامٍ ومحامية موزَّعين في مختلف أنحاء البلاد إلى كتلة مُتجانسة واحدة، بل التركيز على إمكانية تشكُّل نواةٍ فاعلة ومتعددةِ المشارب داخل كلِّ جسم نقابي تسعى إلى استعادة النقابة لدورها التاريخي وموقعها المدني المستقل. تَشكُّلُ نواة «مبدئية» كهذه يتطلَّب لقاءً بين أصحاب التوجه المستقل من المحامين العائدين من الشمال – سواءٌ الموجودون منهم الآن في مجالس النقابات أو خارجها – وبين أصحاب المبادرة والمصداقية السياسية والمهنية من المحامين الذين بقوا في مناطق سيطرة نظام الأسد، ويتطلب أيضاً خطاباً جامعاً يُركِّز على المصلحة المشتركة في بناء نقابة فاعلة ومستقلة.

بعد قرابة خمسين عاماً كانت فيها النقابات ومجالسها في سوريا أدواتٍ للتعبئة أو الضبط أو القمع، قد لا يكون من البديهي القول إنَّ من مصلحة المحامين جميعاً أن تكون لهم نقابات قادرة على تلبية احتياجاتهم وإيصال صوتهم إلى الفضاء العام، وإنه لا يمكن لهذه القدرة أن تتحقَّق بالفعل دون مجالس مُنتخبة تُمثِّل الجسم النقابي بحق، وتملك جرّاء انتخابها قوةً تفاوضية حقيقية تجاه السلطات المختلفة أو أيِّ جهة فاعلة أخرى. وقد لا يكون من البديهي التذكير أيضاً بأن مصلحة المحامين لا تقتصر على شؤون ممارسة المهنة أو على بناء شبكة تضامن اجتماعي، على أهمية هذه المسائل، بل ترتبط بشكلٍ مباشرٍ ببناء دولة القانون. ليس من المُصادفة أن شأن المحامين والحقوقيين والقضاة وكليات الحقوق يعلو كلما عَلَت مكانة القانون في أيِّ بلدٍ، ويتدهور كلما تدهورت مكانة القانون في مواجهة الطغيان أو الفساد.

قد لا يكون من المُستغرَب أن الأمور في نقابة المحامين هي على ما هي عليه اليوم، أو أن تنشغل النقابة بمعالجة جسمها قبل أن تُصبِح قادرةً على الانتقال إلى المجال العام. لكن في ظلِّ مرحلة انتقالية سِمَتُها اللَّايقين، وحيث يُعاد رسم حدود العلاقة بين سلطة مركزية ومجتمع مُفكَّك، لا يوجد ما يضمن ألا تعود النقابة لتُصبح جسماً تعبوياً ضابطاً أو أن يستمر تقزيمُ دور المحامين كحراسٍ للحقوق والعدالة واختزالُ نقابتهم إلى مؤسَّسة خدمية ضيّقة الرسالة والاهتمام، إلا المبادرة من كل الأطراف المعنية. في انتظار تحقُّق وعود قادة النقابة الانتقالية بالقانون الجديد والانتخابات التي «ستُعيد للنقابة ألقها»، يحتاج قادةُ النقابة إلى توسيع قنوات التواصل والمشاركة أمام الأعضاء، كما أنّ ثمة حاجةً إلى تحريك النقابة من جهة الهيئات العامة أيضاً وتعزيز المبادرات المُنطلقة من قاعدة التنظيم نحو قمَّته.