لا يضير الضعيف والعاجز ان يضع نفسه افتراضيا على مقربة من ذوي الأحجام العملاقة حين يكون تضخيم مكانته مجديا في رفع معنوياته قليلا. ولذا يكثر اللبنانيون غالبا النمطية المرضية ذاتها حين يزينون لأنفسهم مثلا ان اميركا بقضها وقضيضها تصاب بالأرق لان سلطة لبنان عجزت عن الإيفاء بتعهداتها القاطعة بحصرية السلاح ، أي بالمعنى المحدد نزع سلاح “حزب الله ” ، او ان أوروبا وحتى فرنسا ستصاب بصدمة انهيارية متى “طردت” من الجنوب يوم تنتهي ولاية اليونيفيل.
نسوق هذا النموذج ، عشية الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية، لا من دافع التهكم بل التنبيه إلى ان الإفراط في الأمنيات والرهانات على فوز أي من الحزبين المتنافسين من زاوية الافتراض ان لبنان سيكون في قلب الانعكاسات والترددات قد يصدم المفرطين متى تبينت لهم المرتبة الثانوية للبنان في حجم الأولويات التي ستعقب الانتخابات . ذلك ان انهيار المحور الممانع ومعه النظام السوري السابق البائد وتشكل مظلة دعم أميركية للسلطة اللبنانية الحالية ورعاية واشنطن للمفاوضات اللبنانية الأسرائيلية بالإضافة إلى وجود حلقة واسعة للبنانيين حول الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتفاعل قوي نابض للوبي اللبناني الأميركي منذ انتخاب ترامب، كلها عوامل بارزة وثابتة في اجتذاب الاهتمام الأميركي إلى لبنان بموازاة تحول بوصلة الاستراتيجيات الأميركية نحو الشرق الأوسط منذ اشتعال المواجهات الأميركية مع إيران. ومع ذلك يتعين على اللبنانيين بدءا من سلطتهم الرسمية وقواهم السياسية ، مراجعة ثوابت في واقع العلاقات اللبنانية الأميركية من جهة والتدقيق في معجم المصالح التي توجه وتحكم الدولة الأعظم في العالم بمعزل عن كل الاعتبارات الانفعالية التي غالبا ما تسطح رؤية كثير من اللبنانيين.
على رغم تاريخ طويل من التجارب ، تصح في مقاربة “مرجعية ” لمسار التجارب اللبنانية مع اميركا ثلاث أساسية مفصلية في العقود الأربعة الأخيرة . أولها وأكثرها تاثيراً آنذاك في تاريخ الأحداث التي شهدها لبنان كانت تجربة اتفاق 17 أيار عام 1983وما رتب انهياره على لبنان رغم الرعاية الأميركية . آنذاك كان ميزان القوى مختلا تماما بما سمح لخصوم اميركا تسديد الضربة القاضية إلى الاتفاق وعهد الرئيس امين الجميل من خلاله وكذلك لاميركا نفسها حين طلع فجر النفوذ الإيراني في لبنان عبر إرهاب دموي اسقط مئات جنود المارينز والمظليين الفرنسيين على ارض بيروت . بعد ذلك أدارت اميركا ظهرها للبنان حتى ولادة الطائف ، ولكن عودتها اليه لم تقترن بمعايير سيادية خالصة اذ سرعان ما سلمت بالوصاية السورية ضمنا لسنوات تركت عهدي الأسد الاب والابن يعبثان بوصايتهما الجهنمية على “القطر الشقيق” . تلك التجربة الثانية وضع حدا لها زلزال 11 أيلول في اميركا ، وكان من ثمار تلك الاستتباعات التجربة الثالثة اي القرار 1559 التاريخيّ بكل المعايير الذي شكل المظلة الدولية لانتفاضة ثورة الأرز
الان، في اللحظة المفصلية هذه، وأيا تكن الصورة التي سيخرج فيها الرئيس الأميركي ليل الثلاثاء القادم، سيكون لبنان امام حقيقة ان لبنان وحده يصنع الرعاية الأميركية المستمرة لأوضاعه ولبنان وحده “يطفش” اميركا مجددا إذا مضى في الاستنقاع . الجمهوريون والديموقراطيون في اميركا لا يختلفون كثيرا حول المقاربات من لبنان ، ولا حاجة لتضخيم الأوهام وتصوير المصير اللبناني تارة في صناديق اقتراع إسرائيل وطورا في صناديق الولايات الأميركية . وعل النصح بمعاينة تجارب التاريخ “الممل” يمر بآذان مفتحة على غير ما ادمنت سماعه وفق الامنيات !
