في تموز (يوليو) الماضي، وبينما كنت أتابعُ بأسىً الأحداث الدامية في السويداء، وجدتُ نفسي، بحكم العادة، أبحث عن الإجابات في صفحات التاريخ. كنتُ خارج سوريا وقتها، ولكن كان في حوزتي كتاب أحداث دمشق لمؤلفه يوجين روغان، الذي يحكي بالتفصيل قصة مجزرةٍ أخرى وقعت أيضاً تحت شمس شهر تموز، لكنها سبقت أحداث السويداء بأكثر من قرنٍ ونصف.

كان العامل الطائفي في المجزرتين من أبرز عناصر التأجيج، وكانت الشائعات والأخبار الكاذبة من أهم ما غذّى العنف في كلتيهما. وفي حين لم أجد عزاءً في فكرة أن هذا النوع من العنف الجماعي ظاهرةٌ تتكرر عبر التاريخ، فإن المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الأحداث الغابرة تُتيح فهماً أكثر تروياً للأسباب التي قادت إليها، مما قد يساعدنا على تأمل السبل التي يمكن من خلالها أن تتجاوز المجتمعات مسببات هذه المحن، وتمنع تكرارها وتفاقمها.

الأحداث التي يتمحور حولها كتاب روغان، المنشور بالإنكليزية عام 2024، والذي قدمت الجمهورية مراجعةً له كتبها علاء الزيات، هي مجزرة 1860 بحقّ مسيحيّي دمشق، إحدى أحلك الأحداث في تاريخ المدينة الحديث، والتي راح ضحيتها الآلاف، وأُحرقت خلالها البيوت ودور العبادة، وأدخلت المنطقة في مرحلة من الاضطراب والتدخلات الأجنبية.

مع اقتراب ذكرى مرور 166 عاماً على هذه المجزرة، التي وقعت في التاسع من تموز (يوليو) عام 1860، يمكن القول إنه على الرغم من هولها وأثرها العميق في تاريخ البلاد، إلا أنها انزلقت تدريجياً إلى هامش الذاكرة الجمعية السورية، تاركةً فقط آثارها المباشرة وغير المباشرة، وبات بعض مراقبي سوريا من غير السوريين ملمّين بهذا الحدث المفصلي أكثر من أهل البلاد أنفسهم. حتى إن في تسميتها الشعبية، «الطوشة» أو «طوشة النصارى»، كثيرٌ من التمييع والانتقاص من هول المجزرة، والتضليل غير المقصود ربما، الذي يبدو كأنه يلقي اللوم على الضحايا.

في خضمّ المرحلة الانتقالية المحفوفة بالمخاطر التي تمرّ بها سوريا اليوم، تؤثر تجليات الذاكرة الجمعية بعمق في تشكيل السياسات ومجريات الأحداث. وفي حين يُناقِش السوريون قراءاتهم المختلفة والمتضاربة أحياناً للثورة السورية ضدّ نظام الأسد، وما قد سبقها وتلاها، لا بدّ من إعادة النظر ليس فقط في فهمنا لهذه المرحلة المعاصرة، بل أيضاً في كثيرٍ من محطات تاريخ سوريا الحديث التي قد تساعدنا على فهم حاضرنا وتَدارُك أخطار المستقبل، كما ساعدتني على التأمل في مجريات أحداث العام الماضي رغم شناعتها.

لعل أحداث العام 1860 من أبرز ما أثّرَ في مسار التاريخ السوري الحديث في مرحلةٍ مبكرة نسبياً منه، إذ وقعت المجزرة في أعقاب «تنظيمات» الدولة العثمانية المضطربة في وقتٍ كانت تواجه ضغوطاً متزايدة من القوى الأوروبية، مع بداية ما يُسمّى عصر النهضة العربية. حتى إن من أبرز من عاصروا تلك المجزرة، وأحد الناجين منها والمُوثِّقين لها، كان العلّامة الدكتور ميخائيل مَشاقة، القنصل الفخري الأميركي في دمشق، وأحد أبرز وجوه النهضة.

بحسب مشاقة، قُتل نحو 5000 مسيحيّ في المجزرة، وأُحرق حوالي 1500 بيت، علاوةً على 270 بيتاً آخر ألحق به الخراب والنهب. طال العنف جميع الكنائس والأديرة في المدينة. كما أدّت المجزرة إلى نزوح آلاف السكان، لجأ كثير منهم إلى لبنان. وصف روغان الأحداث باللحظة الإبادية، وشاعَ صيتُها في أصقاع المعمورة، تحديداً في دول الغرب، التي ما انفكّت تلوِّح بورقة التدخل لحماية الأقليات في المنطقة منذ ذلك الحين.

أين الحكمة في هذا الاستحضار لجراح الماضي في وقتٍ بالغ الهشاشة، يُخشى فيه من اندلاع أحداثٍ مشابهةٍ بين مكونات المجتمع السوريّ الجريحة في مناخٍ يشوبه الاحتقان؟ أليس من الحميد أن السوريين تناسوا تلك «الهفوة»، ولم تَعُد أصلاً موضعَ جدلٍ أو إنكارٍ أو تملّصٍ من المسؤولية أو متاجرة بدم الضحايا، بل غابت عن الوعي السوري العام وانزلقت إلى هامش الذاكرة الوطنية؟ وهل يجب علينا أيضاً أن نقع في فخ التركيز المُفرط على أعمال العنف بحق الأقليات، خصوصاً تلك التي حدثت قبل أكثر من قرنٍ مضى، في حين قد يفوق عدد ضحايا السنوات الخمس عشرة الماضية ضحايا مجزرة 1860 بمئة ضعف، أكثرهم من المسلمين؟

إن تجاهل ما لا يُرضينا من مراحل مفصلية في تاريخ البلاد لا يساعدنا على بناء مستقبلٍ أكثر استقراراً، بل قد يُفضي إلى بقاء أسباب العنف وآلياته عُرضةً للتشويه وسوء الفهم، وإلى إعادة إنتاج أنماطه في غياب قراءة تاريخية واعية للأسباب القريبة والبعيدة التي تؤدي إليه. كما أن التعامل الرشيد مع واقع النظرة الغربية إلى طبيعة العلاقات بين مكونات مجتمعنا، مهما كانت مجحفة، لا يعني الانصياع لها بل يعني سلبها حججها، وإعادة تأطير الأحداث التي يفخر بها السوريون أو يتأسفون لذكرها على حد سواء ضمن سردية وطنية متماسكة.

في حين أنّه ما من امرئٍ حيٍّ اليوم يحمل إثمَ تلك المجزرة، إلا أنّنا نتحمل جميعاً مسؤولية تذكُّرها والاستهداء بتلك التجربة، باعتبارها درساً في هشاشة المجتمعات حين تتآكل الثقة بين مكوناتها، وحين يُترَك الخوف والاحتقان والتدخل الخارجي لتتحول إلى وقودٍ للعنف الجماعي، وحين يغيب الإلمام الكافي بالظواهر المجتمعية لدى صانعي القرار، خصوصاً المرتهنين منهم لضغوط خارجية، وما قد يؤدي إليه التقهقر الاقتصادي والاجتماعي لفئات ترى أن في طامتها منفعةٌ غير منصفة لآخرين.

لن أستفيضَ هنا في تفاصيل المجزرة، التي جاءت في سياق تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، أثّرت بشكل كبير على توزيع الثروات وأعادت رسم موازين القوى الاقتصادية والتراتبية الاجتماعية التقليدية، والتي يمكن الاطلاع عليها بالتفصيل في الكتاب المذكور آنفاً وغيره.

إن استعادة وقائع مجزرة 1860 إلى الذاكرة الجمعية الوطنية لا ينبغي أن يُفهمَ بوصفه نبشاً للأحقاد القديمة، بل محاولة لوضعها في سياقها التاريخي الصحيح. فامتلاكُ الرواية التاريخية يتيح للمجتمع فهم ماضيه بدلاً من ترك تفسيره للآخرين، وبذلك يهتدي بدروس الماضي في بحثه عن مستقبل أفضل.

لا يعني التذكير بما جرى في تموز 1860 بالضرورة الدخول في جدليات لا نهاية لها، كما هو الحال في مجازر أخرى، فالدولة السورية الحديثة لم تكن موجودة حينذاك، ولا تتحمل حكومات الحاضر مسؤولية الاعتراف بذنبٍ أو الاعتذار عن خطأ. إحياءُ ذكرى هذه المجزرة يسلّطُ الضوء على جوانب أخرى من القصة نفسها: المبادرات التي حالت دون تَحوُّلِ تلك اللحظة الإبادية إلى كارثة أكبر، أو الدور الذي لعبه بعض المسلمين، مثل الأمير عبد القادر الجزائري، وعددٌ من أهالي دمشق في حماية المسيحيين وممتلكاتهم.

أمّا عن بعض الطرق العملية التي يمكن من خلالها إحياء ذكرى هذه الأحداث، فعلى المستوى الرسمي، يمكن إدراج يومٍ تذكاريٍّ في التقويم الوطني لتكريم الضحايا وتخليد من ساهموا في إنقاذ أرواح الأبرياء. وفي المناهج الدراسية ينبغي تناول تموز 1860 ضمن سياقه التاريخي الكامل، بعيداً عن السرديات التبسيطية التي تختزل الماضي في ثنائيات طائفية مغلوطة. أمّا على مستوى المجتمع المدني، فيمكن أن تُشكِّل الندوات والحوارات العامة خلال شهر تموز فرصة للإضاءة على التنوع السوري وضرورة الحفاظ عليه والتعريف به بشكلٍ إيجابي، مع الابتعاد عن نظرة «الأبيض والأسود» إلى الأمور. كما يمكن أن تُركِّز مقالات تنشرها الصحف المحلية على زوايا مختلفة من تلك الحادثة، أو على شهاداتٍ معاصرة لها مثل كتابات ميخائيل مشاقة وبطرس البستاني وغيرهم.

المجتمعات التي تفقد صلتها بصفحاتها المظلمة لا تتحرر من الماضي، بل تصبح أكثر عُرضةً لتكراره بأشكال جديدة. أمّا استعادة تلك الصفحات بوعيٍ تاريخيّ متزن، ففيه محاولةٌ لبناء ذاكرة وطنية أكثر نضجاً، وهو شرطٌ لا غنى عنه لأي مستقبلٍ سوريّ مستقر.