بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية… موقع درج
لا يهمّ إن كان النداءان قد تأخّرا أو أتيا في الوقت المناسب، المهمّ أن هناك مجموعة شيعية، على الرغم من حساسية اللحظة، طلبت بصوت عالٍ وقف مسلسل الانتحار، واتّخذت موقفاً شجاعاً سيذكره التاريخ لاحقاً، ضدّ استمرار هذه المقتلة.
في اليومين الماضيين، أصدرت شخصيّات شيعية جنوبية نداءين منفصلين الأوّل باسم مدينة صور والآخر باسم النبطية، طالبت فيهما الرؤساء الثلاثة بتحمّل مسؤوليتهم الوطنية والتاريخية واتّخاذ خطوات عملية لحماية أهل الجنوب وما تبقّى من مدنه وقراه من الإبادة والتدمير، ووقف الحرب بالطرق الدبلوماسية المتاحة، ودعت إلى العمل على فصل الجنوب عن الصراعات الإقليمية وتحييده عن سياسات المحاور وفرض سيادة الدولة على كامل أراضيه، وإعلان صور والنبطية مدينتين مفتوحتين آمنتين وتسليمهما للجيش اللبناني، وتحييد الآثار والقلاع وسائر المعالم التاريخية والتراثية في الجنوب عن دائرة الاستهداف.
الموقّعون على النداءين، كما بدا، لم يكن غرضهم تسجيل موقف سياسي، إنما إيصال صوت استغاثة وصرخة ألم وذعر للإسراع في إنقاذ الجنوب وأهله، انطلاقاً من موقع المسؤولية الأخلاقية والإنسانية والوطنية، بعدما هالهم مشهد استباحة الجيش الإسرائيلي أرضهم، وتخطّيه نهر الليطاني باتّجاه الشمال ووصوله إلى محيط قلعة الشقيف وانتشار دبّاباته على بعد رمية حجر من مدينة النبطية، وتموضعه على مشارف مدينة صور واستهداف طائراته محيطها الأثري، مهدّدة بكارثة على صعيد الإرث الإنساني الحضاري، وكارثة إنسانية أخرى، إذ إن نازحي المنطقة يتمركزون في صور بأعداد كبيرة.
في الواقع، لم يضف النداءان جديداً إلى ما نسمعه يومياً من الغيارى على مصلحة الطائفة الشيعية ووجودها، وما تردّده شريحة كبرى منها سرّاً وأحياناً قليلة علانية، فهما يعكسان مزاجاً شيعياً لم يعد يطيق كلفة الحرب وتمدّدها وتشعّب أهدافها من دون أفق واضح، أو بالأحرى بأفق واضح واحد هو عودة الاحتلال، ويعلنان ميله نحو تسليم زمام أموره للدولة لعلّها تستطيع عبر القنوات الدبلوماسية حماية مدينتي صور والنبطية وتجنيبهما مصير بنت جبيل، أي السقوط الحتمي بعد الدمار، وفرض معادلة وقف إطلاق النار التي حمت بيروت والضاحية من الاعتداءات الإسرائيلية، بعدما عجزت المقاومة عن ذلك، وبعدما استدرجت الاحتلال إلى عمق الأراضي المحرّرة كما تظهر الوقائع الميدانية.
العيب الوحيد في النداءين أنهما يخاطبان الدولة فقط بينما ينبغي أن يخاطبا “حزب الله” أيضاً.
على الفور، بدأت الضغوط على الموقّعين على النداءين، بعدما انصرفت المنصّات التي يرعاها “حزب الله” إلى التعميم أن النداءين يستهدفان المقاومة ورجالها ويغضّان الطرف عن جرائم العدو، فاضطرّ بعضهم إلى الانسحاب قبل أن يجفّ حبر تواقيعهم، واتّهموا لجنتي النداءين بأنهما تلاعبتا بنصّيهما، وأنهم تعرّضوا للخداع بادّعاء حماية الآثار بينما الغاية سحب سلاح المقاومة، إلا أن اللجنتين أكّدتا أن النصّين وُزّعا ونُشرا بصيغة واحدة ثابتة من دون أيّ تعديل.
ولا داعي هنا للوم المنسحبين، فالكل يعرف حجم الضغوط التي يتكبّدها المعارضون الشيعة لمغامرات “حزب الله”، كما لا يهمّ عدد الموقّعين علي النداءين، فإذا سلّمنا جدلاً أنهم قلّة لا يمثّلون الجمهور العريض، فلماذا كل هذا الخوف والاستنفار والبيانات المضادّة وحفلة الشتائم والتخوين التي طاولتهم؟ علماً أن المعارضين الشيعة لم يدخلوا يوماً في سباق حول عدد الأصوات، فهم يعرفون “أن الكرام قليل” كما قال الشاعر، أمّا دعوة الجمهور إلى الصلاة فلا تحتاج إلا إلى مؤذّن واحد، بحسب التراث الديني.
من ناحية أخرى، يشبه النداءان إشارة التحذير التي أطلقها الشاعر الأموي الفرزدق حين التقى الحسين بن عليّ وهو سائر إلى كربلاء، وقال له جملته الشهيرة عمّا ينتظره في الكوفة: “قلوبهم معك وسيوفهم عليك”، كونهما يحذّران “حزب الله”، وإن لم يكن بصريح العبارة، من استمراره في الحرب بعدما تخاذلت طهران عن نصرته على مدى أكثر من ثلاث سنوات، وتركت الجنوب وحده في الساحة لا ناصر ولا معين، بينما لم تتردّد لحظة في ضرب تل أبيب حين سقطت صواريخ إسرائيل على أراضيها.
إضافة إلى أنهما يضعان “حزب الله” أمام تحدٍّ تاريخي، في أن يملك الشجاعة الوطنية بالانسحاب من الجنوب وتسليمه للجيش اللبناني وتسليم سلاحه للدولة حفاظاً على من بقي من شبّان الطائفة وعلى الطائفة وعلى الجنوب، ذلك أن الواقع الميداني ليس لصالحه وتمسّكه بالقتال لا يعني إلا المزيد من الانتحار المجّاني بالشيعة وحواضرهم، فالمقاومة فعلياً لم تفعل شيئاً حتى الآن، سوى استدراج العدو إلى قلب الجنوب، فالخلل في ميزان القوّة بينها وبينه واضح وكبير، والعين لا تقاوم المخرز إلا في الحكايا الشعبية، أمّا الميدان فلا يتكلّم إلا بلغة الحديد والنار.
لا يهمّ إن كان النداءان قد تأخّرا أو أتيا في الوقت المناسب، المهمّ أن هناك مجموعة شيعية، على الرغم من حساسية اللحظة، طلبت بصوت عالٍ وقف مسلسل الانتحار، واتّخذت موقفاً شجاعاً سيذكره التاريخ لاحقاً، ضدّ استمرار هذه المقتلة. فعقيدة الشهادة ليست قدراً شيعياً، “إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً” هذا ما قاله عليّ بن ابي طالب إمام الجماعة الأوّل، عدا أن التقيّة عقيدة شيعية أيضاً ومارستها الجماعات الشيعية عبر العصور، فحافظت بها على وجودها وحمت كيانها من الفناء، ولعل “حزب الله” يدرك أن الأقلّيات لا تدخل في حروب كبيرة بل تجنح غالباً إلى الهدن وعقد التحالفات، وأن استراتيجية “عدم التشبّث بالجغرافيا” التي يدير بها الحرب هي خسارة للتاريخ، لأن الجغرافيا كما علّمنا التاريخ هي التي تحمي الأقلّيات.
العدو في هذه الأثناء يتقدّم سريعاً في أرض الجنوب ويحتلّ مزيداً من المواقع، ويمعن فتكاً وإبادة مستنداً إلى تفوّقه التكنولوجي، والنازحون يعانون الذلّ والهوان بين جشع أصحاب الشقق ومهانة الخيام وتوقّف الأعمال، لذلك أطلق الغيارى هذين النداءين، فإذا كانت ذريعة العدو هي السلاح الإيراني فليكن “حزب الله” شجاعاً بحقّ ويسلّمه للدولة ويسحب مقاتليه من الجنوب، فإعلان مدن الجنوب مفتوحة ومنزوعة السلاح شجاعة وليس خيانة، الخيانة الحقيقية هي تسليمها للإسرائيلي يحرقها ويبيدها ويجعلها غير قابلة للحياة.
على مدى تاريخه، اعتاد “حزب الله” أن يبني الأصنام من الثلج ثم يشكو من أنها تذوب، فحين سمّى زعيمه الراحل حسن نصرالله اجتياح بيروت في 7 أيّار/ مايو باليوم المجيد تراجع في اليوم التالي، وبعد كارثة حرب تمّوز/ يوليو قال “لو كنت أعلم”، وبعد سقوط نظام الأسد المجرم في سوريا بدأ قادته يتبرّأون من دعمه، وسيأتي اليوم الذي يقتنع فيه بأن هذا المصير الذي جرّ إليه الشيعة هو نكبة محقّقة، على أمل أن يأتي قبل فوات الأوان.
نحن الموقّعين أدناه… التي بدأها النداءان هي من أعظم العبارات التي تختصر شجاعة ثلّة من شيعة الجنوب في هذا الوقت العصيب، كما أن النداءين سيشكّلان بدايات ونهايات لطرق كثيرة، بداية طريق الافتكاك عن تلزيم الشيعة لإيران ونهايته أيضاً، بداية عودة الشيعة إلى دولتهم الوطنية ونهاية غربتهم عنها، بداية استعادة الشيعة شخصيّتهم الثقافية المستقلّة ونهاية تبعيّتهم، نهاية حقبة اختزلت حضور الشيعة بالسلاح وجعلتهم عبارة عن عصابة تنقل بندقيتها من ساحة إلى أخرى غبّ الطلب وبداية عودتهم إلى حيّزهم المدني وإعادة بناء نسيجهم الاجتماعي وشخصيّتهم المكانية والزمانية الفريدة، التي ولدت ونمت وتراكمت من فينيقيا إلى لبنان الكبير، فأنتجت هذه الهوية المركّبة والإثنية الفريدة.