يكتسب إعلان وزير المالية عن تحقيق فائض في الموازنة العامة للعام الماضي بقيمة تقارب نصف مليار دولار دلالة تتجاوز الدلالات المالية التقنية المُتعارف عليها في السياسة المالية والاقتصادية. ففي سياق اقتصاد يعاني من تدمير واسع في بنيته الإنتاجية، وانكماش حاد في النشاط الاقتصادي، وتراجع مستمر في مؤشرات الرفاه، لا يمكن التعامل مع الفائض بوصفه مؤشر أداء إيجابي بالمعنى الاقتصادي المتعارف عليه. على العكس، يدل هذا الفائض على نمط  خطير جداً ومدمر في إدارة الأزمة الاقتصادية، والخيارات السياسية الكامنة خلفها.

في الأدبيات الاقتصادية، يُفهم الفائض المالي عادةً بوصفه نتيجة لتوسع اقتصادي أو لتحسن في كفاءة الجباية والإنفاق ضمن اقتصاد قادر على توليد القيمة. أمّا في حالة الاقتصادات المنهكة بفعل الصراع والعزلة، فإن الفائض قد يكون ناتجاً عن مسار معاكس تماماً: انكماش الطلب، تقييد السيولة – وهذا ما نتابعه من خلال تقييد السيولة من قبل البنك المركزي – وتراجع الإنفاق العام إلى مستويات أدنى من الحاجات الاجتماعية والاقتصادية الفعلية. في هذه الحالة، لا يعكس الفائض قوة مالية، بل يعكس سياسة امتناع عن أداء الوظائف الاقتصادية الأساسية للدولة بغرض تحقيق غايات معينة.

إن تحقيق فائض في بيئة تتسم بشحِّ السيولة لا يمكن فصله عن سياسة حبس السيولة والتقتير الشديد في الإنفاق العام. فحين تُقيَّد حركة النقد، وتُفرض قيود مباشرة وغير مباشرة على السحوبات والتحويلات، يُشلّ الطلب الداخلي، وتتراجع سرعة دوران النقود، وتنكمش الأسواق. هذا الانكماش لا يؤدي فقط إلى خفض النشاط الاقتصادي، بل يؤدي أيضاً إلى تقليص النفقات الحكومية الفعلية، سواء عبر تأجيل الاستثمار العام، أو عبر تآكل القيمة الحقيقية للرواتب والأجور – أو تآكل كتلتها بسبب عمليات التسريح – أو عبر تقليص مستوى الخدمات المقدمة.

من منظور الاقتصاد الكلي، تعمل الدولة السورية ضمن قيود واضحة: ضعف الإيرادات الحقيقية، غياب إمكانيات التمويل الخارجي، وهشاشة العملة الوطنية. في ظل هذه القيود، يُشكّل أي توسع في الإنفاق العام خطراً تضخّمياً مرتفعاً، نظراً لضعفِ القاعدة الإنتاجية وعدم قدرة العرض على الاستجابة للطلب. هذا التشخيص صحيح من حيث المبدأ، غير أن الخطورة تكمن في تحويل هذا القيد إلى منطق حاكم دائم للسياسة الاقتصادية، بدل التعامل معه كحالة انتقالية تستدعي سياسات انتقائية لإعادة بناء القدرة الإنتاجية.

الفائض المُعلن، في هذا الإطار، لا يعكس سياسة مالية نشطة، بل يعكس سياسة انكماش مُدار. الدولة لا توسّع إنفاقها ليس لأنها بلغت حدّ الكفاءة، بل لأنها تسعى إلى تجنب أي حركة اقتصادية قد تخلّ بالاستقرار النقدي الهش. النتيجة هي فائض محاسبي يتحقق عبر تعطيل الديناميات الاقتصادية، لا عبر تنشيطها.

هنا يبرز البعد السياسي بوضوح. فالفائض، كما يُقدَّم في الخطاب الرسمي، لا يخاطب المجتمع المحلي بقدر ما يخاطب الفاعلين الخارجيين. هو إشارة انضباط مالي، ورسالة مفادها أن الدولة قادرة على ضبط ماليتها العامة والتحكم في كتلتها النقدية ومنع الانفلات. هذه الإشارة لها قيمة سياسية في سياق السعي إلى تحسين الموقع التفاوضي دولياً، أو إلى إعادة تسويق صورة «الاستقرار» أمام مؤسسات دولية ودول مانحة محتملة.

في هذا السياق، يتحول سعر الصرف من متغير اقتصادي ناتج عن التوازنات الداخلية إلى أداة سياسية-مالية تُدار بوعي. ويُصبح الحفاظ على استقرار نسبي للعملة، حتى لو كان ذلك فوق اقتصاد مشلول، هدفاً بحد ذاته، لأنه يخدم إنتاج صورة «دولة منضبطة» قادرة على التحكم. سياسة حبس السيولة هنا ليست مجرد أداة نقدية، بل جزء من استراتيجية أوسع لإدارة الانطباعات الخارجية.

هذا المنطق الاقتصادي يجد معادله المباشر في المجال السياسي. فكما يُدار الاقتصاد بمنطق التجميد لتفادي المخاطر، تُدار السياسة بمنطق الجمود لتفادي الاستحقاقات. غياب أي تقدم جدي في العملية السياسية، أو في مسارات المصالحة الوطنية، أو في توسيع التمثيل والمشاركة، لا يمكن فصله عن منطق «إدارة الحد الأدنى» ذاته. فتح هذه الملفات يتطلب موارد، ومرونة، واستعداداً لتحمل نتائج غير قابلة للضبط الكامل، وهي شروط لا تتوافق مع نموذج حكم يقوم على التحكم والانكماش.

بذلك، تُصبح الشرعية الخارجية بديلاً عملياً عن الشرعية الداخلية، وهو أمر واضح في الجانب السياسي من خلال الاستماتة لنيل الشرعية الدولية، مع تجاهل الداخل. فالانضباط المالي، كما يُعرض خارجياً، يُستخدم لتعويض غياب مسار سياسي داخلي يُعيد بناء العقد الاجتماعي. غير أن هذا التعويض يظلّ شكلياً وهشاً. فالشرعية التي تُبنى على مؤشرات مالية مجردة لا يمكن أن تحل محل شرعية تستند إلى قبول اجتماعي ومشاركة سياسية فعلية.

اقتصادياً، يحمل هذا النموذج آثاراً مدمرة على المدى المتوسط والطويل. فالتقتير المستمر في اقتصاد مدمّر لا يُحافظ على الاستقرار، بل يراكم اختلالات بنيوية مؤجلة: تآكل رأس المال البشري، توسّع الاقتصاد غير الرسمي، هجرة الكفاءات، وتراجع القدرة الإنتاجية. الاستقرار الذي يتحقق عبر تجفيف السيولة ليس استقراراً ديناميكياً، بل سكوناً قسرياً.

وسياسياً، فإن السعي إلى شرعية خارجية دون إعادة بناء الداخل يخلق نظاماً عالي الهشاشة. فالاعتراف الدولي، إن تحقق، يظل مشروطاً ومتغيراً، بينما الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للانكماش تقع بالكامل على المجتمع المحلي. في هذه المعادلة، يتحول المجتمع إلى متغير قابل للتضحية، باسم الاستقرار والانضباط.

في الخلاصة، لا تكمن الإشكالية في رقم الفائض بحد ذاته، بل في المنطق الذي ينتجه ويُوظّفه. حين يُصبح الفائض غاية في اقتصاد منهك، وحين يُدار الاستقرار بوصفه واجهة سياسية لا مشروعاً تنموياً، فإن الدولة تنتقل من إدارة التعافي إلى إدارة الركود. هذا الخيار قد يخفف الضغوط الآنية، لكنه يعمّق الأزمة البنيوية، اقتصادياً وسياسياً.

الاستقرار الذي لا يُترجم إلى قدرة على الإنتاج، والعمل، والمشاركة، ليس استقراراً مستداماً، بل تأجيل منظم لأزمة أعمق. وفي هذا السياق، الفائض المالي ليس علامة قوة، بل هو دليلٌ على اختلال الأولويات.