نشر الروائيُّ المكسيكيُّ خوان رولفو (1917-1986) مجموعته القصصيَّة “السهل المحترق” سنة 1953، ثمّ أتبعها بروايته “بيدرو بارامو” (1955)، التي دفعته إلى ذرى الشهرة، ورسختْ مكانته روائيًا فذًّا في الأدب العالمي. بيدَ أنّ ثمّة ممارسةً جماليّةً أخرى برع فيها سابقًا، وهي التصوير الضوئيُّ. إنّ قامته مصورًا فوتوغرافيًّا لا تقلُّ شأنًا عن كونه كاتبَ “بيدرو بارامو”، إذ ذهبت سوزان سونتاغ إلى حدِّ التأكيد أنّ رولفو كان أفضل مصورٍ عرفَتْه في أميركا اللاتينيَّة على الإطلاق.
خَلّف رولفو للذاكرة الثقافيَّة المكسيكيَّة والعالميَّة صورًا بالغة الأهميّة، تنوعت بين ما وثَّقه بحكم وظيفته في الدوائر الرسمية، و7000 “نيغاتيف” عُثِرَ عليها بعد وفاته في منزله محفوظةً في علب الأحذية. ويعود الفضل للباحث المكسيكيّ خورخي ثيبيدا Jorge Zepeda في انتشال هذا الكنز من عتمة العلب إلى سطوع قاعات العرض، ليكون بذلك “المؤرّخ الأوّل لعدسة خوان رولفو” و”خازن أسراره البصريّة”.
تيتَّم رولفو صغيرًا لفقده أفرادَ أسرته جراء الصراعات السياسيَّة، فتربى مع جدَّته قبل أن يُودَع ميتمًا كان أشبه بسجنٍ إصلاحيّ للأحداث، تعرَّفَ فيه على “ضروب العنت والقسوة” -على حدِّ تعبيرِه- فصاغت تلك التجربة سجيَّته الميّالة للصمت والانطوائيَّة، والنفور من أضواء الشهرة.
واظب في شبابه على ارتياد محاضرات في كليَّة الفلسفة والآداب بالعاصمة، واهتمَّ بالأنثروبولوجيا وتاريخ الفنّ. ثمّ توظَّفَ في أرشيف “المعهد الوطني لشؤون السكان الأصليين”، وطفق يسافر في أرجاء المكسيك في مهامٍ ميدانيَّةٍ. وأثناء جَوْباتِهِ في الأقاليم الريفيَّة والتخوم المحليَّة، غاص في مُخبَّآت الوهاد والبراري، وتلهَّفَ لتسلُّقِ الجبال التي رأى من أكتافِها الدنيا وهي تَشخَصُ أمامه بمنظورٍ موشوريّ؛ فوقع في شَرَك ذلك الكون المجهول الذي كان يبصره ويتبصَّرُه.
كانت الكاميرا أداته لصَوْغ تمثلات ذلك العالم، ودحض النمطيّة التي حصرته في رؤية جوهرانيّةٍ. ولم تكن تصاويره غايةً في ذاتها، بل وسيلةً للنطق بموقفه الجماليّ والفكريّ. استخدم رولفو كاميرا (Rolleiflex) ذات العدستين، وهي آلةٌ تُحمَل عند مستوى الخصر، مما منح لقطاته زاوية تصوير منخفضة تجعل الأشياء تبرز بمهابةٍ تُشيعُ في النفس رهبةً. كما أنّ الكاميرا لم تحجب وجه رولفو عن الموضوع المصوَّر، بل أتاحت له الإفصاح صراحةً عن فعلِهِ أمام الناس، فلم يكن ذلك المُتطفِّل الذي يقتنص شذراتٍ من بؤسهم ويأسهم وخرائبهم وبقايا حضاراتهم الآفلة.
بالمجمل، تنمُّ أعماله الفوتوغرافيَّة عن نهجٍ تسجيليّ وإبداعيّ يشي بعناية الفنان المحترف، رغم أنّه دأب على نفي صفة الاحتراف عن نفسه، سواء في التصوير الضوئي أم الكتابة الروائيّة. وهو أمر يعود إلى تواضعِه، فضلًا عن انحيازه للغياب ونكران الذات. وتبوح الصور المُلتقطة في الأربعينيَّات وبداية الخمسينيَّات من القرن العشرين برؤيته الخلاقة، بل يمكن أن تُدرَس بوصفها “مخطوطات بصريَّة” مهَّدت الطريق لكي ترى روايتُهُ “بيدرو بارامو” النور.
احتلَّ التصوير حيّزًا واسعًا من اهتمامه، تتبع بالكاميرا “ما هو مكسيكيٌّ” في كافة تجلَّياته البشريّة والثقافيّة، سواء كانت أصليَّةً أم هجينةً، علاوة على تعبيراتٍ خُلاسيّة. ومن هنا، يجادلُ منجزه التصويريُّ – والأدبيُّ من بعده- في العلاقة بين الهيمنة الثقافيّة والثقافة المحليّة، وأثرها في بناء الهوية في سياقات ما بعدَ الاستعمارِ القديمِ والثورةِ المكسيكيَّةِ. وتأسيسًا على ذلك، قاربَ رولفو الإرثَ الاستعماريّ بأدوات جماليّة، كاشفًا عن “العنف البنيويَّ” بمستوياته المؤسساتيّة، والعقائديّة، والجسديّة، والرمزيّة؛ كما ركَّزَ على التراتبيّة والإفقار والجور والإقصاءِ الإثنيّ.
وفقًا لذلك، كان منجزُه الجماليُّ يضع الملامح الأولى لدراسات ما بعدَ الاستعمارِ التي ظهرتْ لاحقًا. وقبل أيّ اعتبارٍ آخر، تتوازى رؤيته مع معاصره الأنثروبولوجيّ والأديب البيروفيّ خوسيه ماريا أرغيداس (1911-1969). فقد رفض كلاهما المنظار السياحيَّ، وبينما كرَّس أرغيداس حياته لإنصاف شعوب جبال الأنديز ومنحهم صوتًا وتوثيق صورتهم الواقعيّة، راح رولفو يلتقط مُرتسمات أرواحهم، يعيد خلقها ويقيم لها وجودًا موازيًا في المتخيل البصريّ-السرديّ.
خلالَ رحلاته، مثُلَتْ أمامَهُ المشهديَّاتُ الإثنيَّةُ الأكثر غورًا وفرادةً. تجمَّلَ بالصبر، التزمَ الصمت الذي يتقنُهُ، وربضَ ينتظرُ اللحظة المواتية: “اللحظة الساكنة” (El instante estático)، المفارقة لـ”اللحظة الحاسمة” (El instante decisivo) التي كان هنري كارتييه بريسون يُطاردها. استغرق رولفو في لحظته التي جردها من زوائد الصوت، وجعلَها متقشِّفةً شبهَ خاويةٍ. وعبرها رصد خصوصيَّةَ ساكنِ الأرضِ، وأمارة روحه… وصولًا إلى أساطيره ما قبلَ الاستعماريَّةِ، وتشابكها مع سيرورةِ “تهجينٍ تفاوضيّ” مع الكاثوليكيَّة في سبيلِ البقاءِ.
| خوان رولفو في صورتين له |
مِنْ هذا المنطلق، تُومئُ تصاويرُهُ إلى المقاومة الإثنيَّةِ التي تتلاقى مع أطروحات هومي بابا؛ كما تُنبِئُ عن مُناورة السكَّان الأصليين في تضمينِ مكوناتٍ من ثقافةِ المستعمِرِ في ثقافتهم الأم. إذ إنّ المستعمَرَ لا يستسلمُ للمحو، بل يعيدُ تدوير رموز المهيمن وتطويعَها لتصبح أداةً للمقاومةِ والاستمرار. وهو ما جَسَّدَهُ رولفو ببراعةٍ في تصويره الشعائرَ والاحتفالات الممزوجةِ بالمعتقداتِ “ما قبلَ الكولومبيَّةِ”. ويُلاحَظ ذلك، على سبيل المثال، في زوايا التقاطهِ للصلبانِ المتآكلة، والمعابد الباروكيّة المهجورة، أو الوجوه التي تحمل ملامحَ الآلهة القديمة وهي تؤدِّي التراتيلَ الكنسيّة، أو الشخوص المُقَنّعة في الأعياد الشعبيّة…
بمعنى أنّ رولفو لم يكن يصوّر الشخوص بصفتها “ذواتًا سلبية” أو ضحايا تثير الشفقة، كما لم يقدمها كـ”ذواتٍ فاعلةٍ” تسعى للتغيير؛ بل قدَّمها “ذواتًا مقاومةً” تتحقق في عنادها الأنطولوجي وسط الزوال، وهو ما يفسر تلك الهيئات والأجساد المتجذرة في الضبابة والهباء المنثور في صور رولفو.
وتشير الإحصائيَّة التي أُنجِزَت حولَ الـ7000 “نيغاتيف” في أرشيفه إلى أنَّ 45% منها هي مناظر طبيعيَّة وعمرانيّة، و30% مشاهد للحياة الريفيَّة والمناسبات، بينما لم تحظ الوجوه البشريّة إلا بـ10% فقط. يبرهنُ هذا على أنّ رولفو كان يعامل “المكانَ” بوصفه بطلًا سرديًَّا (مشحونًا بالزمان، وأثرِ خَطْوِ الإنسان حتَّى أنفاسه). ولهذا يمكن القول إنّه كان يشتغل على تقديم “بورتريه المكان”. فقد رأى أنّ المكانيَّة هي نَفسٌ حيّة، وأنّ مُحيَّا الأرضِ وأديمَ الجدرانِ الطينيَّةِ المتآكلة يشبهان الوجوه البشريَّة، والعكسُ صحيح. وهي رؤيةٌ تجلَّت لاحقًا في “بيدرو بارامو” حين أضحت (كومالا) شخصيَّةً رئيسيَّةً مشاركةً في هَجْسِ الأحاديثِ والأحداث.
وفي سياقٍ متصلٍ، لا تعمدُ تصاوير رولفو إلى نسخِ الواقع، بل تحاكي جوهرَه وتجعلُ الكشف عنه متجددًا مع كلّ قراءة بصريَّة. كما يوحي واقعُ شخصياته في الصورةِ – والروايةِ- بأنّه محايثٌ لعالمٍ خياليّ عجائبي؛ فقد شدَّدَ في عمله الفنيّ على تواشجِ الواقع مع الوهم والمنام.
تقنيًَّا، يتجمَّدُ الزمن عند لحظة التقاط الصورة؛ لكنَّ رولفو لا يكتفي بهذا القطع، بل يتنازل عن “السيرورة الزمنيّة” في مساحة الصورة، ليجعل الوقت ساكنًا في حالةِ كمونٍ؛ فتتحوَّلُ معه اللحظةُ المصوَّرة إلى ماضٍ يُعاد إحياؤه آن التطلُّع إليه. إنَّهُ زمنُ أحياءٍ يقاومون الموتَ بالوجود في “الخيال الفوتوغرافيّ”. ولعلَّ رولفو أراد أن يلعبَ دورَ الخيميائيّ الذي يتوقُ للسموِّ بالزائل واليوميّ والمنسيّ والمهمَّش ليوثقَ عُراه مع الديمومة: ديمومة العمل الإبداعيّ.
وفي المقابل، يتنازل رولفو في روايته عن الزمن الكرونولوجي لصالح زمنٍ حلوليٍّ قارٍّ في المكان السرديّ؛ باعتباره زمن أمواتٍ يقاومون الفناء بممارسة الحياة في السرد. وفي الرواية كما في التصاوير، تلتبس الحدود بين الحياة والموت، الواقع والوهم، والوجه والقناع، المنطق والخرافة.
تعود ماهية (الواقع/ الخيال) إلى ميراث سكَّان المكسيك الأصليين، من حيثُ تعشُّقُ الطبيعة مع ما وراء الطبيعة، وتداخلُ الغيبيّات والعجائبيّة مع الحقائق الأنطولوجيَّة والمحسوسات في وحدةٍ لا تنفصم.
من جانبٍ آخر، يتلمَّس المتلقّي في تصويره الفوتوغرافي ميلًا للسرد، بينما تتوقُ المقاطع الروائيَّة للتماهي مع السينوغرافيا الفوتوغرافيَّة والتلاعب بدلالاتِ الصور. ولا بدَّ من القول إنَّ رولفو في تصاويره التي تتناول الكائن البشريّ، يشيحُ بنظره عن تقصّي الوجوهِ واقتفاءِ ملامحِها الدقيقة، فهي وجوهٌ متواريةٌ بلا سيمياءَ تميزها، تُلتَقطُ في غبشةِ الظلال أو من مسافاتٍ بعيدة. وهو المسعى ذاته الذي تجلّى في الرواية، حيثُ تلوحُ الشخوصُ بلا علاماتٍ فارقةٍ في سِحناتها. إنَّهم أوهامٌ في الصورة، وأمواتٌ في الرواية؛ أو لنقلْ إنَّهم أشباحٌ أو خيالاتٌ في كلا الجنسين الإبداعيين. وقد أشار رولفو في إحدى المقابلات التلفزيونيَّة إلى قصدِيَّته هذه.
بناءً على ما سبق، يمكن القول أنّ المصوّر في رولفو كان حاضرًا أثناء صياغة “بيدرو بارامو”، الأمر الذي يبرّر البعد البصري في الرواية، سواء عبر سرد المرئي أو ما يوحى بأنّه مرئي، أو عبر مناخات الجلاء والقتامة (الكياروسكورو)، والفضاءات الأثيريّة المتدرّجة (السفوماتو)، وكثافة تدرجات الأبيض والأسود في سمة الأشياء المجردة والحالات النفسيّة والاجتماعيّة التي تشير إليها؛ لا سيما أنها رواية تتّكئ على التصوير الفوتوغرافي بالأبيض والأسود.
وفي هذا الصدد، أنوه إلى أنّ رولفو كان ينزوي في غرفة مظلمة في بيته ليحمّض الصور بنفسه. كان دقيقًا في اختيار درجات الرمادي وكثافة الأسود، وقد نقل هذا الحرص التقنيّ إلى اشتغاله الروائي عبر تكوين عبارته الوصفيَّة المتقشّفة، وتوقيع صمتٍ مغايرٍ تنبثق منه “مسموعيّة” الحكاية بكل ما فيها من جَرْسٍ وهَسيسٍ. هنا، تكاد يدُ القارئ تمتدّ لتتحسَّس الصورة والصوت والسُبَات، وتعمل المستطاع لنزع الحجب وهي تبني إمكانيّات المعنى.
لقد استطاع خوان رولفو، في كلتا الممارستين الإبداعيتين، أن يمسك بالضوء والكلمة ليصوّر ما يُرى وما لا يُرى، واهبًا الغياب حضورًا، والصمت صوتًا، والأزل وقتًا. وعليه، تتبدّى صورُه السرديّة والفوتوغرافيّة بكلّ الشخوص التي تساكنها كما لو أنّها تتحاور وتناور على تقاسم حصتها من “بوليفونيّة” الصمت والظل في آن واحد. إن منجزه الإبداعي ليس مجرد توثيق لأعماق المكسيك المجهولة، بل هو استبصارٌ لجوهر الوجود الإنساني في عزلته القصوى. بيد أنّ المفارقة تكمن في أنّ الذاكرة الثقافيّة تحتفي برولفو الأديب، وتغفلُ عن رولفو المصوّر، متناسية أن تلك الصور لم تكن سوى “المسودة البصريّة” لرواية “بيدرو بارامو”.