
تتمثل الصورة السائدة عن هتلر في أنه كان منعزلاً ومضطرباً عاطفياً وعاجزاً عن إقامة علاقات إنسانية حقيقية، إلا أن شهادات المحيطين به ترسم صورة أكثر تعقيداً (تشانل 4)
ملخص
يعيد وثائقي جديد فتح ملف هتلر من زاوية غير مألوفة، مستنداً إلى مئات الساعات من الشهادات النادرة للمقربين منه. والنتيجة صورة أكثر تعقيداً لرجل لم يكن “وحشاً معزولاً” فحسب، بل شخصية استطاعت نسج علاقات إنسانية عادية، بما يجعل إرثه الإجرامي أكثر إثارة للقلق لا أقل.
كثيراً ما نسمع أن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن هذه القاعدة لا تنطبق تماماً على أدولف هتلر. صحيح أن الحلفاء انتصروا في الحرب العالمية الثانية، لكنهم لم يستطيعوا أن يخبرونا كيف كان هتلر كإنسان. فهم لم يعملوا إلى جواره، ولم يشاركوه موائد الطعام، ولم يمضوا أمسيات طويلة في صحبته. لذلك، إذا أراد المؤرخون والصحافيون وكتاب السير أن يفهموا الرجل الذي توارى خلف الشخصية العامة، ليس أمامهم سوى الرجوع إلى من عرفوه عن قرب.
بعد عام 1945، كان هتلر وكثير من أقرب المحيطين به قد لقوا حتفهم. لكن عدداً قليلاً منهم نجا، وعلى مدى عقود، تشكل جزء كبير من صورة هتلر في الوعي العالمي من شهادات أشخاص عملوا لديه أو أعجبوا به أو خدموه أو ساعدوا في إبقاء نظامه قائماً. وكان من بين هؤلاء سكرتيراته وسائقوه ومساعدوه العسكريون ومهندسون معماريون وأطباء والعاملون في منزله وزملاؤه السياسيون وأصدقاؤه، وقد تحولوا جميعاً إلى شهود على تلك المرحلة. كان بعضهم قد ارتكب بنفسه جرائم فظيعة، فيما كان آخرون يحاولون إعادة بناء حياتهم في ألمانيا المهزومة، وكان لدى جميع هؤلاء مصلحة في تفسير كيف انتهى بهم الأمر في الجانب الخطأ من التاريخ.
على مدى عامين، انغمست في شهادات هؤلاء الأشخاص أثناء إعداد سلسلة وثائقية عن هتلر. ولم أكتف بالاستماع إلى المقابلات التلفزيونية الشهيرة، بل أمضيت وقتاً طويلاً مع مئات الساعات من التسجيلات الأرشيفية، التي لم يكن كثير منها معداً للبث أصلاً.
لا يكشف الاستماع إلى شهادة شخص واحد عن الكثير، لكن الاستماع إلى مئات الشهادات يتيح ظهور أنماط متكررة. كانت بعض الذكريات تعود مرة تلو أخرى، وتروى بصورة مستقلة على لسان أشخاص احتلوا مواقع مختلفة تماماً في عالم هتلر. وفي المقابل، بعض الروايات بدت وكأنها صادرة عن شخص واحد، لكنها تكررت على نحو واسع حتى صار يتم التعامل معها كحقائق راسخة، ولم يكن هناك شاهد مؤثر في تشكيل صورة هتلر أكثر من ألبرت شبير.
نجا شبير من الحرب، وأفلت من الإعدام في محاكمات نورمبرغ، ثم أمضى العقود الثلاثة التالية في توضيح شخصية هتلر للعالم. تحولت مذكراته إلى كتب حققت مبيعات ضخمة عالمياً، وظهر في عدد لا يحصى من المقابلات التلفزيونية. وعندما شرع يواخيم فست في كتابة أول سيرة بارزة لـهتلر بعد الحرب، أجرى مقابلات مطولة مع شبير واعتمد بصورة كبيرة على ذكرياته، وهكذا أصبح واحداً من أكثر الأصوات تأثيراً في تشكيل فهم العالم لـهتلر في مرحلة ما بعد الحرب.
لكن رواية شبير ظلت، مرة بعد أخرى، تبدو غير منسجمة مع شهادات أشخاص آخرين. ففي مقابلة مع ديفيد فروست، سئل شبير عن الصفات الجيدة التي كان يتمتع بها هتلر، فأجاب: “من الصفات الجيدة لدى أي إنسان أن يكون لديه أصدقاء مقربون، لكن [هتلر] لم يكن لديه أي أصدقاء مقربين”.
من اللافت أن شبير يردد هذه الفكرة لما تنطوي عليه من فائدة كبيرة بالنسبة إليه، فإذا كان هتلر، كما يقول، لم يعرف في حياته أصدقاء مقربين، فمن المستحيل أن يكون شبير نفسه قد شغل تلك المكانة. وفي الوقت ذاته، أسهم هذا التفسير في ترسيخ الصورة الشائعة عن هتلر بوصفه رجلاً معزولاً، منغلقاً على نفسه، يفتقر إلى الدفء العاطفي ويعجز عن إقامة علاقات إنسانية حقيقية.
ومع ذلك، فإن شهادات المحيطين به ترسم صورة أكثر تعقيداً. فقد تذكرت تراودل يونغه، سكرتيرة هتلر الخاصة، أن شبير كان ضيف هتلر المفضل، ونقلت عنه قوله: “روحه مثل روحي، تربطني بشبير علاقة وثيقة جداً، لأنه فنان مثلي، وهو يفهمني”، كما وصف مؤرخون العلاقة بين الرجلين بأنها كانت وثيقة بالفعل.
أما سائق هتلر، إيريخ كيمبكا، فذكرياته ترسم زعيماً كان قادراً على تكوين روابط شخصية عميقة، ووصف علاقته بهتلر بأنها كانت “مثل علاقة أب بابنه”، بينما استعادت غيردي تروست، مصممة الديكور الداخلي الخاصة بـهتلر أمسيات من الأحاديث والضحكات، وهي تفاصيل تبدو متناقضة إلى حد يصعب تجاهله مع الصورة التي قدمها شبير لرجل يعيش عزلة عميقة.
لا يجعل أي من هذا الكلام هتلر شخصاً أكثر استحقاقاً للتعاطف، بل يرسم له صورة أوضح بصفته إنساناً، وهذه نتيجة مزعجة أكثر بكثير.
ويظهر النمط نفسه في جوانب أخرى من صورته، فكثيراً ما نسمع أن هتلر امتلك قدرة خطابية تكاد تكون خارقة، وكأن أمة بأكملها وقعت ببساطة تحت سحره. وقد قال إرنست “بوتزي” هانفشتانغل، أحد أوائل مؤيدي هتلر، “كان يسحق أي رجل بصوته، وكان لصوته رنين رائع لن يتكرر خلال 10 آلاف عام”. 10 آلاف عام! يا لها من مبالغة مذهلة.
لا شك في أن هتلر كان خطيباً جماهيرياً مؤثراً، لكن تصويره بعبارات تكاد تمنحه صفة أسطورية يقدم تفسيراً مريحاً لما حدث. فهو يحول أتباعه إلى ضحايا لقوة استثنائية، بدلاً من النظر إليهم بوصفهم أشخاصاً اتخذوا قراراتهم بأنفسهم. وهذه رواية أريح بكثير من مواجهة حقيقة أن ملايين أعجبوا به، وصوتوا له، وساعدوا في إبقائه في السلطة.
مرات كثيرة وجدت نفسي أتساءل: هل تستمر بعض القصص التي ما زلنا نرويها عن هتلر لأنها صحيحة فحسب، أم لأنها تضع مسافة بيننا وبينه؟ فهي تدفعنا إلى النظر إليه باعتباره مختلفاً في جوهره عن بقية البشر: بلا أصدقاء، غامض يستحيل فهمه، ويمتلك قدرة استثنائية على الإقناع.
إنها صورة مريحة وجذابة، لأنها تتيح لنا أن نعتقد أننا كنا سنعرف شخصاً مثل هتلر لو التقيناه يوماً، لكن ما تكشفه التسجيلات الأرشيفية يرسم صورة مثيرة للقلق أكثر بكثير.
الأشخاص الذين عرفوا هتلر عن قرب لم يروه كشخصية أسطورية، بل عرفوه إنساناً عادياً عاشوا معه تفاصيل الحياة اليومية: سافروا برفقته، وعملوا معه، ومازحوه، واختلفوا معه، بل إن كثيرين منهم أعجبوا به. وهذا لا ينتقص بأية صورة من فظاعة جرائمه، بل لعل العكس هو الصحيح، إذ يجعلها أكثر إثارة للقلق. فهو يجبرنا على مواجهة حقيقة مفادها بأن أعظم الفظائع التي شهدها التاريخ لم يرتكبها وحش يقف بمعزل عن البشر، وإنما رجل بدا لكثير من معاصريه إنساناً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، واستطاع أن يرتبط بمن حوله بأكثر الطرق اعتيادية على الإطلاق: بوصفه صديقاً.
وقد جعلني إعداد هذه السلسلة أعيد التفكير في واحدة من أكثر العبارات شيوعاً في قراءة التاريخ، فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون دائماً، أحياناً يكتبه الناجون. والناجون، ولا سيما أولئك الذين لديهم أكبر قدر من الدوافع إلى الدفاع عن أنفسهم، قد يصبحون أكثر رواة التاريخ تأثيراً.
سلسلة “ديكتاتور: مقابلات هتلر” متاحة الآن للمشاهدة عبر خدمة البث التابعة لـ”تشانل 4″.
© The Independent