هناك فكرة لافتة طرحها الفيلسوف الألماني شيلينغ: “قد يكون الفن أرفع من الفلسفة”. تبدو العبارة غريبة في البداية، لأننا اعتدنا أن نرى الفلسفة في أعلى مراتب الفكر، فهي التي تسأل عن الحقيقة والوجود والإنسان والمعنى. أما الفن فكثيرا ما ينظر إليه بوصفه مجالا للجمال والمتعة والخيال. لكن شيلينغ كان يرى الأمر بطريقة مختلفة. فالفلسفة، في رأيه، تحاول أن تصل إلى الحقيقة بالتفكير، بينما يستطيع الفن أحيانا أن يجعلنا نعيش هذه الحقيقة مباشرة.
حين يبدأ الإنسان بالتفكير في العالم، فإنه يضع نفسه في جهة والعالم في جهة أخرى. هناك إنسان ينظر، وهناك شيء ينظر إليه. ومن هنا تبدأ أسئلة الفلسفة: كيف نعرف العالم؟ ما العلاقة بين الإنسان والطبيعة؟ هل نحن منفصلون عن الأشياء أم جزء منها؟ تحاول الفلسفة أن تجيب عن هذه الأسئلة بالعقل والتحليل. وهي تبحث دائما عن أفكار تساعدها على جمع ما يبدو منفصلا. لكنها تظل تعمل عن طريق التفكير الذي يحسب ويقارن ويميز.
أما الفن فيسلك طريقا آخر. حين نقف أمام لوحة جميلة، أو نقرأ قصيدة مؤثرة، أو نسمع مقطوعة موسيقية تحرك شيئا في داخلنا، فإننا لا نشعر أننا أمام شرح أو نظرية. نحن ندخل في تجربة. لا نحتاج أولا إلى أن نفهم ما يحدث بعقولنا، لأن العمل نفسه يجعلنا نشعر بالمعنى.
وهذا هو السبب الذي جعل شيلينغ يمنح الفن مكانة كبيرة. فالفلسفة قد تقول لنا إن الإنسان والعالم ليسا منفصلين تماما، لكن الفن يستطيع أن يجعلنا نشعر بهذه الوحدة. خذ الحزن مثلا. يستطيع الفيلسوف أن يكتب صفحات كثيرة عن معنى الحزن وأسبابه وعلاقته بالحياة. لكن قصيدة واحدة للخنساء أو لمالك بن الريب أو لمتمم بن نويرة قد تجعلنا نشعر بالحزن بطريقة أعمق من كل هذا الشرح.
الموسيقى أيضا لا تعطينا تعريفا للحنين أو الفقد أو الفرح، لكنها قد تجعل هذه المشاعر حاضرة فينا خلال لحظات. هنا تظهر قوة الفن. الفلسفة تحتاج إلى التعريف والتحديد، وحين تعرف شيئا فإنها تحاول أن تقول ما هو، وما الذي يميزه عن غيره، وهذا ضروري للفهم، لكنه لا يستطيع دائما أن ينقل التجربة كاملة.
الحياة أوسع من التعريفات. هناك مشاعر وتجارب لا نستطيع أن نشرحها تماما بالكلمات، وقد يكون الفن أقدر على الاقتراب منها، لأنه لا يحاول دائما أن يفسرها، بل يتركها تظهر أمامنا. الرواية الجيدة، مثلا، قد تعلمنا عن الإنسان أكثر مما تعلمنا نظرية طويلة. فهي لا تقول لنا فقط إن الإنسان متناقض، بل تجعلنا نرى هذا التناقض في شخصية نحبها أحيانا ونغضب منها أحيانا أخرى. والفيلم الجيد قد يجعل فكرة الموت أو الفقد أو الحب قريبة منا بطريقة لا يفعلها الشرح المباشر. لهذا نعود إلى الروايات والأفلام والقصائد والموسيقى حين نحاول أن نفهم أنفسنا. هناك أشياء لا تظهر لنا على شكل أفكار واضحة، بل تظهر في قصة أو صورة أو صوت أو موقف.
ولعل الفن لهذا السبب قريب جدا من أصل التجربة الإنسانية. فالإنسان عرف الحكاية والرسم والغناء قبل أن يعرف الكتب الفلسفية. يبدو أنه عبر عن العالم بالصورة والإيقاع والأسطورة قبل أن يبدأ في بناء الأفكار والنظريات. وهذا لا يعني أن الفن أقل نضجا من الفلسفة، بل ربما يعني أنه احتفظ بشيء مهم: الاتصال المباشر بالحياة. لكن هذا كله لا يعني أن الفلسفة بلا قيمة، أو أن الفن يستطيع أن يحل محلها.
الفلسفة تظل ضرورية لأنها تعلمنا كيف نسأل، وكيف نميز بين الأفكار، وكيف نفهم ما نراه ونعيشه. وهي تساعد الفن نفسه على أن يفهم موقعه ومعناه. المسألة إذن ليست صراعا بين الفيلسوف والفنان. كلاهما يبحث عن الحقيقة، لكن كل واحد منهما يسلك طريقا مختلفا. الفلسفة تحاول أن تفهم، أما الفن فيحاول أن يظهر. الفلسفة تسأل عن معنى الحزن، أما القصيدة فتجعل الحزن حاضرا. الفلسفة تتحدث عن الزمن، أما الرواية فتجعلنا نشعر بمروره. والفلسفة تفكر في الموت، بينما يستطيع مشهد واحد في فيلم مميز أن يجعل معنى الموت قريبا منا بصورة لا تنسى.
من هنا نفهم ما كان يقصده شيلينغ حين رفع مكانة الفن. الفن ليس مجرد متعة أو زينة. إنه أيضا طريق إلى الحقيقة. فبعض الأشياء يمكن للعقل أن يشرحها، لكن هناك أشياء أخرى لا نعرفها حقا إلا حين نراها أو نسمعها أو نشعر بها. وربما لهذا يبدو الفن، في بعض اللحظات، أقدر من الفلسفة على التغلغل في دواخلنا. هناك لحظة ينتهي فيها الشرح، ولا ينتهي المعنى، وعند هذه اللحظة يبدأ الفن.
