نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
منذ تأسيسه عام 1979، لم يتوقف النظام الإيراني عن تقديم نفسه بوصفه نصيرا للشعوب المستضعفة، وخصما للظلم والاستبداد والدكتاتورية، وحاملا لراية التحرر في مواجهة الهيمنة الخارجية. وقد جعل من هذه الشعارات جزءًا أساسيا من خطابه السياسي والإعلامي، مستثمرًا مشاعر الشعوب المقهورة وتطلعاتها إلى الحرية والعدالة والكرامة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد عقود من التجربة هو: إلى أي حد تتطابق هذه الشعارات مع حقيقة الممارسة؟ وهل يمكن اعتبار نظام ما حليفا يعتد به للشعوب، إذا كانت سياساته في كثير من الأحيان تسهم في تعميق أزماتها وتوسيع دائرة معاناتها؟
إن الحكم على الأنظمة لا يكون بما ترفعه من شعارات، ولا بما تنسجه من روايات عن بطولاتها ومواقفها، بل بما تقدمه من نتائج ملموسة لشعوبها وللشعوب التي تتدخل في شؤونها. ومن هذا المنطلق، تبدو الهوة واسعة بين الصورة التي يسعى النظام الإيراني إلى ترسيخها عن نفسه، والواقع الذي خلفته سياساته في الداخل والخارج.
ففي الداخل الإيراني، لا تنسجم ادعاءات نصرة المظلومين مع واقع التضييق على الحريات، وقمع الاحتجاجات الشعبية، وملاحقة المعارضين، وفرض القيود على حرية التعبير والاختيار السياسي. وقد شهدت إيران، على مدى سنوات، احتجاجات واسعة عبرت فيها قطاعات مختلفة من المجتمع عن رفضها للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكان الرد الأمني العنيف على قطاعات من هذه الاحتجاجات كافيًا لطرح سؤال جوهري: كيف يمكن لنظام يرفع شعار الدفاع عن إرادة الشعوب أن يضيق على إرادة شعبه عندما يطالب بالحرية والكرامة؟
إن مناصرة الشعوب ليست امتيازًا تمنحه السلطة لنفسها، بل مسؤولية أخلاقية وسياسية تبدأ باحترام الإنسان داخل حدود الدولة قبل التحدث باسم المظلومين خارجها. أما أن تصبح الحرية شعارًا يستخدم في الخارج، بينما يضيق على المطالبين بها في الداخل، فذلك تناقض لا يمكن إخفاؤه خلف أي خطاب أيديولوجي.
ولا يقل المشهد الخارجي دلالة عن المشهد الداخلي. فقد وسع النظام الإيراني نفوذه الإقليمي عبر دعم قوى مسلحة وأحزاب وتشكيلات سياسية في عدد من دول المنطقة، من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن. وقدم هذا التدخل بوصفه دفاعًا عن المقاومة ومواجهة للهيمنة الأجنبية، لكن نتائجه كانت موضع جدل واسع، خصوصًا في البلدان التي تحولت فيها المنافسة على النفوذ إلى عامل إضافي في إضعاف مؤسسات الدولة، وتأجيج الانقسامات، وتعقيد فرص الاستقرار.
وفي العراق، على سبيل المثال، لم يؤد النفوذ الإيراني إلى إنهاء الأزمات التي أعقبت سقوط النظام السابق، بل أصبح أحد الملفات الخلافية الأساسية في النقاش حول استقلال القرار الوطني، ودور الفصائل المسلحة، ومستقبل مؤسسات الدولة. وفي سوريا، أسهم التدخل الإيراني في دعم سلطة بشار الأسد خلال سنوات الحرب، في وقت كان فيه ملايين السوريين يواجهون النزوح والدمار والتشرد. أما في لبنان واليمن، فقد ظل ارتباط قوى محلية بالمحور الإيراني جزءًا من معادلات سياسية وأمنية معقدة، أثارت مخاوف بشأن سيادة الدول وقدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة بعيدًا عن صراعات المحاور.
ولا يعني ذلك أن جميع أزمات هذه البلدان من صنع طهران، أو أن مسؤوليات الخراب تقع على طرف واحد؛ فلكل بلد ظروفه الداخلية وتدخلاته الخارجية ومشكلاته التاريخية. لكن من المشروع تماما مساءلة النظام الإيراني عن حصيلة سياساته، وعن مدى إسهامها في بناء دول مستقرة وقادرة على حماية مواطنيها، بدلا من إبقائها ساحات مفتوحة للصراع والنفوذ المتبادل.
وتكمن المفارقة الأشد وضوحا في أن النظام الذي يتحدث عن تحرير الشعوب يوسع نفوذه من خلال شبكات سياسية وعسكرية ترتبط به بدرجات متفاوتة، بينما تبقى الشعوب نفسها هي التي تتحمل الكلفة البشرية والاقتصادية للصراعات. فالمواطن العراقي أو السوري أو اللبناني أو اليمني لا يحتاج إلى شعارات إضافية بقدر حاجته إلى دولة تحميه، واقتصاد يوفر له حياة كريمة، ومؤسسات لا تخضع لإرادة قوى تتجاوز حدودها الوطنية.
ثم إن تحويل الصراعات الإقليمية إلى أداة دائمة لتوسيع النفوذ لا يمكن اعتباره بديلًا عن مشروع تنموي حقيقي. فالشعوب لا تقاس مكانتها بعدد الجبهات المفتوحة، ولا بقدرة القوى السياسية على استعراض قوتها العسكرية، بل بمستوى التعليم والصحة والرفاه، وبمدى احترام القانون، وبقدرة الأجيال الجديدة على بناء مستقبل بعيد عن الخوف والحروب. وعندما تتقدم حسابات النفوذ على حسابات التنمية، تصبح الشعارات الثورية غطاء سياسيًا لمصالح السلطة، لا طريقا إلى تحرير الإنسان.
إن الحليف الحقيقي للشعوب هو من يحترم استقلالها، ولا يصادر قرارها، ولا يحول أزماتها إلى فرص لتوسيع نفوذه. وهو من يقف إلى جانب حقها في اختيار أنظمتها وممثليها، حتى عندما تتعارض خياراتها مع مصالحه السياسية. أما الحليف الذي يطالب الآخرين بمقاومة الهيمنة، بينما يسعى إلى ترسيخ نفوذه في قراراتهم ومؤسساتهم، فإنه يضع مصداقيته موضع شك، مهما بالغ في ترديد شعارات التحرر والمقاومة.
وفي المحصلة، لا يمكن قياس صدقية النظام الإيراني بما يقوله عن نفسه، بل بما تكشفه سياساته عن أولوياته الحقيقية. فبعد عقود على تأسيسه، يظل التناقض بين خطاب نصرة المستضعفين وممارسات تثير انتقادات واسعة في الداخل والخارج أحد أبرز الأسئلة التي تواجه تجربته السياسية.
إن الشعوب ليست بحاجة إلى وصاية جديدة باسم الثورة، ولا إلى تبعية جديدة باسم المقاومة، ولا إلى صراعات مفتوحة باسم الدفاع عن الكرامة. إنها بحاجة إلى الحرية والسيادة والاستقرار والتنمية، وإلى علاقات دولية وإقليمية تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام، لا على استثمار الأزمات وتوسيع النفوذ.
وعليه، فإن السؤال ليس ما إذا كان النظام الإيراني يرفع شعار نصرة الشعوب؛ فهذا أمر يعلنه باستمرار. السؤال الحقيقي هو: ماذا جنت الشعوب من سياساته؟ وما مقدار الحرية والاستقرار والازدهار الذي أسهم في تحقيقه لها؟
عندما توضع النتائج إلى جانب الشعارات، يصبح من الصعب منح أي نظام صكًا مفتوحًا بالثقة لمجرد ادعائه الوقوف في صف المظلومين. فالحليف الذي يعتد به هو من تخف معاناتك بوجوده، لا من تتسع أزماتك كلما اتسع نفوذه؛ وهو من يساعدك على امتلاك قرارك، لا من يجعل قرارك رهينة حساباته. وتلك هي المحكات التي ينبغي أن يحاسب النظام الإيراني، كما غيره من الأنظمة، على أساسها.