ملخص
يحتاج مشروع العودة البريطانية للاتحاد الأوروبي إلى إجابة واضحة عن المساهمات المالية وحرية التنقل والقواعد المشتركة وحدود القرار الوطني، وإلى تفويض ديمقراطي يستطيع الصمود أمام تبدل الحكومات.
خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكنها لم تستطع الخروج من السؤال الأوروبي، فالجغرافيا لا تتغير نتيجة استفتاء، والمصانع لا تعيد ترتيب سلاسل إمدادها على إيقاع الخطب، والتاريخ لا يغلق أبوابه بمجرد أن يعلن سياسي أنه استعاد مفاتيحه.
لهذا يعود سؤال العضوية اليوم بإلحاح، هل ترجع بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي؟ في تقديري، العودة الكاملة ليست قريبة، لكن التقارب المتدرج أكثر احتمالاً، وقد يصبح هذا التقارب، مع الوقت، الطريق الذي يعيد فتح باب العضوية.
وأعاد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام فتح النقاش، داعياً إلى حوار جاد في شأن علاقة بريطانيا بأوروبا على المدى الطويل، غير أن المسافة بين فتح النقاش واتخاذ القرار تظل طويلة، فالسياسة تستطيع الاعتراف بالمشكلة قبل أن تملك الشجاعة أو الغالبية لحلها.
كانت قوة “بريكست” في بساطة وعده، استعادة السيطرة، أما صعوبته فتكمن في التفاصيل التي جاءت بعده، وتستطيع الدولة أن تستقل بقرارها التنظيمي، لكن الشركات التي تريد البيع في السوق الأوروبية ستظل مضطرة إلى احترام شروط تلك السوق.
هنا يظهر السؤال الذي لم تحسمه الشعارات، ما قيمة حرية كتابة قواعد مختلفة إذا كانت كلفة الاختلاف أكبر من فائدته؟
تمنح التقديرات الاقتصادية هذا السؤال وزناً ملموساً، ويفترض مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني أن العلاقة التجارية بعد “بريكست” ستخفض الإنتاجية على المدى الطويل بنحو أربعة في المئة مقارنة بمسار البقاء داخل الاتحاد، هذا تقدير لفارق بين مسارين اقتصاديين، وليس إعلاناً أن الاقتصاد انكمش بهذه النسبة خلال عام واحد، لكنه يوضح أن الحدود الجديدة تحمل كلفة تتراكم بعيداً من ضجيج السياسة.
ومع ذلك، سيكون من السهل أكثر مما ينبغي تحميل “بريكست” كل أزمة بريطانية، من ضعف الاستثمار وأزمة السكن إلى تعثر الخدمات العامة، إذ إنها مشكلات لا تختفي بمجرد رفع العلم الأوروبي.
والعودة ربما تحسن شروط النمو، لكنها لا تعفي لندن من إصلاح بيتها الداخلي، ومن يعِد البريطانيين بأن العضوية ستعالج كل شيء يعيد إنتاج الخطأ نفسه الذي جعل الخروج يبدو علاجاً لكل شيء.
والعقبة الأعمق سياسية، فالاقتناع بأن الخروج خيّب الآمال لا يساوي تلقائياً الاستعداد للعودة، فمن الممكن أن يفضل ناخب علاقة تجارية أوثق، ثم يرفض الالتزامات التي تتطلبها العضوية، ولذلك يحتاج مشروع العودة إلى إجابة واضحة عن المساهمات المالية وحرية التنقل والقواعد المشتركة وحدود القرار الوطني، وإلى تفويض ديمقراطي يستطيع الصمود أمام تبدل الحكومات.
ثم إن القرار ليس بريطانياً وحده، فالانضمام يتطلب موافقة أوروبية بالإجماع وموافقة البرلمان الأوروبي وتصديق الأطراف على معاهدة الانضمام، ولا ينبغي افتراض أن الترتيبات والاستثناءات التي تمتعت بها لندن سابقاً ستعود تلقائياً معها، ومن المعقول سياسياً أن يبحث الأوروبيون عن شريك مستقر في اختياره، لا عن علاقة يمكن أن تبدأ مفاوضات خروجها من جديد بعد انتخابات أخرى.
لهذا أرجح طريق الخطوات الصغيرة، ووضعت قمة مايو (أيار) عام 2025 إطاراً لتعاون أوسع، شمل شراكة أمنية ودفاعية وأجندة لتعزيز العلاقة، فمثل هذه الخطوات تسمح باختبار المنافع العملية للتقارب وبناء الثقة وتخفيف الاحتكاك الذي صنعه الانفصال.
لكن التقارب يطرح مفارقة تخص أنصار السيادة أنفسهم، إذا اقتربت بريطانيا من القواعد الأوروبية لتسهيل التجارة، وظلت خارج المؤسسات التي تصنع تلك القواعد، فربما تحصل على بعض المنافع مقابل نفوذ محدود، عندها من المرجح أن تتحول العضوية من قضية حنين إلى سؤال عملي عن المشاركة في القرار.
في المقابل، من الممكن أن ينجح التعاون الجزئي بما يكفي لتبريد المطالبة بالعودة الكاملة، إذ لا توجد سكة تاريخية تسير عليها بريطانيا حتماً نحو بروكسل، فهناك خيارات، ولكل خيار ثمن.
هل تعود إذاً؟ أرى أن بريطانيا ستقترب من الاتحاد قبل أن تحسم أمر العودة له، وإذا جاءت العضوية يوماً، فلن تكفيها عبارة “لقد أخطأنا”، ستحتاج إلى اقتناع أوسع بأن المشاركة تخدم البلد أكثر من الوقوف عند الباب.
لقد اختُبر وعد الخروج في الواقع، وأي وعد بالعودة يستحق الاختبار نفسه، فمستقبل بريطانيا أكبر من انتصار معسكر على آخر، والسيادة تُقاس أيضاً بما يستطيع البلد إنجازه بها.
