صموئيل ويندل : موقع “المونيتور” الأميركي
استعادت السلطات السورية الجديدة السيطرة على أهم حقول النفط في البلاد في كانون الثاني/يناير بعد هجوم سريع على “قوات سوريا الديمقراطية” بقيادة الكرد. وقد بثّ هذا التطور تفاؤلاً حذراً في تقييمات قطاع الطاقة المنهار في البلاد، على الرغم من أن المخاطر الأمنية المستمرة والبنية التحتية المتضررة وضعف المؤسسات تُهدد بتعقيد أي انتعاش.
في 21 كانون الثاني/يناير، توقعت شركة “وود ماكنزي” للاستشارات في مجال الطاقة أن يبدأ إنتاج النفط والغاز السوري بالتعافي في عام 2026، بعد أن أعادت الحكومة تأكيد سيطرتها على الأصول الرئيسية في محافظتي دير الزور والرقة عقب انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية”. ووصفت الشركة مزيجاً من تسليم الأراضي، وتخفيف العقوبات، والانخراط المبكر من الخارج بأنه يُمثل “نقطة تحوّل هيكلية” محتملة بعد أكثر من عقد من الصراع.
يأتي هذا في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة السورية، التي وصلت إلى السلطة في كانون الثاني/يناير 2025 عقب انهيار نظام الأسد، إلى جذب استثمارات من شركات النفط العالمية، بما في ذلك شركة “شيفرون”، التي أرسلت ممثلين عنها للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق في كانون الأول/ديسمبر. وسيمثل أي انتعاش في الإنتاج دفعة قوية للحكومة الجديدة في سعيها لإعادة بناء اقتصاد البلاد.
مع ذلك، يحذر الخبراء من أنّ السيطرة وحدها لن تحقق انفراجة اقتصادية قريبة المدى. وقد حذر بنيامين فيف، كبير محللي الأبحاث في شركة “كرم شعار” الاستشارية المتخصصة في الشأن السوري، من الخلط بين السيطرة على الأراضي وانتعاش الإنتاج. وقال فيف لموقع “المونيتور”: “إن السيطرة على حقول النفط والغاز في شمال شرق البلاد تُحسّن بشكل طفيف من آفاق السلطة الجديدة على المدى القريب من خلال توسيع خياراتها في السياسات المالية وسياسات الطاقة، لكنها لا تُؤدي، في حد ذاتها، إلى انتعاش سريع في الإنتاج”.
ويؤكد كاسبار هوبهاوس، محلل الأبحاث في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، والذي يتابع قطاع الطاقة في سوريا، هذا الرأي، مشيراً إلى أنّ السيطرة على حقول النفط تُمثل بالتأكيد لحظة مهمة محتملة للحكومة المركزية، لكن من غير المرجح أن تُحدث أي تغييرات جوهرية على المدى القريب. وأضاف لموقع “المونيتور”: “لا يزال الوضع الأمني يُمثل مشكلة في المنطقة، وسيستمر في التأثير سلباً على الاستثمار”.
قطاع مُنهك
قبل اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011، كان إنتاج سوريا من النفط متواضعاً نسبياً وفقاً للمعايير العالمية، إذ بلغ متوسط الإنتاج نحو 400 ألف برميل يومياً. كان هذا كافياً لجعل البلاد المنتج الرئيسي للنفط والغاز الطبيعي في شرق المتوسط، حيث شكّل هذا القطاع ما يقارب 25% من إيرادات الحكومة، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.
انهار القطاع مع اتساع رقعة القتال وانسحاب شركات النفط العالمية. وسرعان ما فقدت دمشق السيطرة على مناطق الإنتاج الرئيسية، حيث تضررت البنية التحتية وانخفض الإنتاج بشكل حاد. وفي نهاية المطاف، سيطرت “قوات سوريا الديمقراطية” على جزء كبير من شمال شرق البلاد، حيث أشرفت على إنتاج ضئيل في حقول من بينها حقل العمر، أكبر حقول البلاد. وبحلول عام 2025، انخفض إنتاج سوريا من النفط إلى أقل من 100 ألف برميل يومياً.
ومع ذلك، لا تزال موارد الهيدروكربونات موجودة، بانتظار استغلالها. بحسب شركة “وود ماكنزي”، تمتلك سوريا ما لا يقل عن 1.3 مليار برميل من المكافئ النفطي في مواردها المكتشفة، مع وجود مساحات شاسعة من البلاد لا تزال غير مستكشفة. كما تتمتع سوريا بفرص كبيرة غير مستغلة في مجال التنقيب البحري.
مكاسب تدريجية
بعد عقد من السيطرة، تلاشت قبضة “قوات سوريا الديمقراطية” على قلب سوريا النفطي مطلع عام 2026. وعقب الإطاحة بالأسد، برزت مسألة الحكم الذاتي الكردي بقوة في خضم المفاوضات مع الحكومة المركزية الجديدة. وبعد أشهر من التوترات، اندلعت اشتباكات جديدة في كانون الثاني/يناير، تمكنت خلالها القوات الحكومية في نهاية المطاف من السيطرة على مناطق رئيسية منتجة للنفط. ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لمدة أربعة أيام في 20 كانون الثاني/يناير، لكن الوضع لا يزال متقلباً حتى كتابة هذه السطور.
وأشار فيف إلى أنّه من الناحية النظرية، تمنح السيطرة الموحدة دمشق إمكانية الوصول إلى طاقة إنتاجية تزيد على 120 ألف برميل يومياً، والقدرة على إعادة دمج المحروقات في نظام وطني للكهرباء والإيرادات. إلا أنه من الناحية العملية، قال: “إن البنية التحتية المتهالكة، والمنشآت المتضررة أو المفككة، وانعدام الأمن اللوجستي، وثغرات الحوكمة، تعني أن المكاسب ستكون تدريجية وهشة وليست تحويلية”.
ويتوافق هذا التقييم إلى حد كبير مع توقعات “وود ماكنزي”. تتوقع الشركة الاستشارية أن يكون أي انتعاش أولي في إنتاج النفط مدفوعاً بإجراءات منخفضة التكلفة، مع اعتماد النمو الحقيقي على رأس المال الأجنبي ونقل التكنولوجيا واستعادة طرق التصدير. وفي الوقت نفسه، تتوقع الشركة أن تعود شركات الغاز أولاً، ما يعكس الأولوية الاستراتيجية لتوليد الطاقة.
وأشار فيف إلى أنه ينبغي للمراقبين النظر إلى ما هو أبعد من التصريحات الرئيسية والتركيز على مؤشرات التنفيذ. وقال: “ستحدد هذه العوامل ما إذا كانت السيطرة ستترجم إلى إنتاج قابل للاستخدام وتخفيف الأعباء المالية”، مشيراً إلى دمج الكوادر الفنية في المؤسسات الحكومية، وإصلاح خطوط الأنابيب ومحطات الغاز، وتحسين الأمن في دير الزور، وقدرة الحكومة على الحد من التهريب وتسرب الإيرادات.
آفاق الاستثمار
منذ الإطاحة بالأسد، أعادت الحكومة الانتقالية، بقيادة الشرع، التواصل بحماس مع مستثمري الطاقة الأجانب، وسط جهود ناجحة لتخفيف العقوبات المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بحلول عام 2025. ورغم عدم سيطرتها على أهم حقول النفط في البلاد، وقّعت دمشق سلسلة من الاتفاقيات التي تركز على الطاقة، بما في ذلك مذكرات تفاهم مع شركات مثل “كونوكو فيليبس”، و”دانا غاز”، والعديد من الشركات السعودية، وغيرها. وفي أيار/مايو، وقّعت الحكومة السورية صفقة بقيمة 7 مليارات دولار مع أربع شركات، بقيادة شركة “يو سي سي” القابضة القطرية، لتوسيع شبكة الكهرباء.
ورغم هذا الزخم، كان تحوّل الاستثمارات الفعلية بطيئاً في عام 2025 وسط تساؤلات مستمرة حول العقوبات والأمن. وفي 19 كانون الثاني/يناير، أفادت وكالة “رويترز” أنّ رئيس شركة البترول السورية، يوسف قبلاوي، صرّح بأن شركة “شل” النفطية العملاقة طلبت الانسحاب من حقل العمر النفطي ونقل حصتها إلى شركات النفط المملوكة للدولة في سوريا. لكن قبلاوي صرّح أيضاً بأن شركة “كونوكو فيليبس” ستعود للاستثمار في حقول الغاز السورية بعد توقيع اتفاقية مبدئية في تشرين الثاني/نوفمبر، وأنّ شركة “شيفرون” ستستثمر في الحقول البحرية. كما أشار المسؤول التنفيذي إلى أنّ سوريا ستصدر قريباً النفط والغاز.
ورغم التصريحات الرسمية ومذكرات التفاهم، يرى فيف أن فرص الاستثمار الأجنبي واسع النطاق في قطاع التنقيب والإنتاج ضئيلة على المدى القريب. وقال: “تواجه شركات النفط العالمية الكبرى عوائق مستمرة”، مشيراً إلى المخاطر الأمنية، والقيود المصرفية وقيود الامتثال غير المحسومة، وعدم وضوح إمكانية إنفاذ العقود، وسوء حالة الأصول. وأضاف المحلل أنّ المشاركة الأجنبية على المدى القريب من المرجح أن تقتصر على جهات إقليمية أو مدعومة من دول، ومقاولين، ومشاريع إعادة تأهيل محدودة النطاق، بدلاً من عودة شركات النفط العالمية بشكل كامل.
قرارات دمشق
قال فيف إنه في غياب رؤوس أموال أجنبية ضخمة، لا يزال بإمكان سوريا السعي لتحقيق انتعاش جزئي، وذلك بالتركيز على “المكاسب التشغيلية السهلة” مثل إعادة التيار الكهربائي إلى الحقول وإعادة تشغيل معالجة الغاز بشكل انتقائي. وأضاف: “يمكن لهذه الخطوات أن تُثبّت الإنتاج وتزيده بشكل طفيف، لكن الإمكانات لا تزال محدودة. فالتوسع الحقيقي يتطلب في نهاية المطاف رؤوس أموال ومعدات وتقنيات خارجية”.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن استعادة السيطرة على موارد سوريا من الهيدروكربونات ستكون اختباراً للحوكمة أكثر منها اختباراً للجيولوجيا. ويرى هوبهاوس أنّ أحد أهم المحاور التي يجب مراقبتها هو كيفية اختيار دمشق للموازنة بين أمن الطاقة المحلي وإعطاء الأولوية لقطاع التصدير. وأشار المحلل إلى وجود إمكانات كبيرة إذا تمكنت دمشق من استعادة السيطرة بسرعة وإبرام بعض الصفقات الكبرى، لا سيما في مجال البنية التحتية ذات الصلة، لكن الصورة العامة لا تزال مليئة بالتحديات. واختتم هوبهاوس قائلاً: “لن تحل احتياطيات النفط والغاز وحدها مشاكل سوريا”.