الرياض- تكتسب زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض أهمية تتجاوز جدول العلاقات الثنائية، ليس بسبب ما أعلن عن مباحثاته مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان فحسب، وإنما أيضاً لتزامنها مع تصعيد واسع في اليمن وتحرك سعودي لإعادة ترتيب معادلات الأمن حول البحر الأحمر وباب المندب.
وبحسب المعطيات الرسمية، بحث الشرع والأمير محمد بن سلمان الثلاثاء العلاقات بين البلدين وسبل تطويرها، إلى جانب مستجدات الأوضاع في المنطقة والقضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار. ولم تتضمن البيانات المعلنة إشارة مباشرة إلى اليمن أو الحوثيين أو أي دور عسكري سوري في التحرك السعودي.
لكن توقيت اللقاء يضعه في بيئة إقليمية مختلفة عن اللقاءات السابقة. فالسعودية تخوض، بالتوازي مع دعمها للقوات الحكومية اليمنية، مواجهة متصاعدة مع الحوثيين، فيما أصبحت السيطرة على المناطق القريبة من باب المندب وأمن الملاحة في البحر الأحمر جزءاً أساسياً من المعادلة العسكرية والسياسية. وأعلنت القوات الحكومية اليمنية أخيراً تقدمها في مناطق قرب المضيق ضمن عملية مدعومة من التحالف الذي تقوده الرياض.
◄ الزيارة جزء من محاولة سعودية لبناء شبكة علاقات أكثر اتساعاً مع دول المنطقة، لكن ليس بالضرورة ضمن تحالف عسكري موحد
ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه الرياض إلى توسيع دائرة الشراكات الأمنية التي يمكن أن تساعدها على التعامل مع تداعيات التصعيد. فقد أفادت تقارير بأن السعودية وتركيا وباكستان فعّلت ترتيبات دفاعية مشتركة في ظل الهجمات الحوثية، مع اتفاق على تحريك قدرات عسكرية لدعم المملكة، في خطوة تعكس اتساع البعد الإقليمي للأزمة اليمنية.
وفي هذا السياق، يصعب فصل التحرك السعودي في اليمن عن أمن البحر الأحمر. فالممر البحري لا يمثل مجرد ساحة في الحرب اليمنية، وإنما يرتبط بحركة التجارة والطاقة، وبالأمن الاقتصادي للسعودية ودول المنطقة. وكلما طال أمد التهديد للملاحة، اتسعت الحاجة إلى ترتيبات أمنية تتجاوز حدود العمليات داخل اليمن.
غير أن إدراج سوريا في هذه المعادلة يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فلا توجد، في المعطيات المعلنة عن زيارة الشرع الحالية، مؤشرات على بحث مشاركة سورية عسكرية في العمليات ضد الحوثيين، كما لا توجد إشارة رسمية إلى انضمام دمشق إلى الترتيبات الدفاعية التي تعمل الرياض على تطويرها مع شركائها.
الأرجح أن جوهر العلاقة السعودية السورية يظل في هذه المرحلة مرتبطاً بدعم استقرار سوريا وإعادة دمجها في محيطها العربي، إلى جانب المصالح الاقتصادية والاستثمارية. فقد توسعت الشراكة بين البلدين خلال العام الحالي، وشملت اتفاقات ومشاريع في قطاعات متعددة، فيما سبق أن قدمت الرياض دعماً مباشراً للاقتصاد السوري، من بينها منحة لتوفير النفط الخام بهدف دعم تشغيل المصافي السورية.
كما أن اللقاء الحالي ليس منفصلاً عن مسار اتصالات متواصل بين القيادتين. ففي أبريل الماضي، التقى الشرع ومحمد بن سلمان في جدة، وبحثا العلاقات الثنائية وفرص دعمها وتطويرها، إضافة إلى مستجدات المنطقة وتنسيق الجهود بشأنها.
وتكشف صياغة “تنسيق الجهود” التي تكررت في الاتصالات السابقة عن اتساع مساحة النقاش بين الرياض ودمشق لتشمل قضايا تتجاوز الاقتصاد. وفي مارس الماضي، أكد الشرع، خلال اتصال مع ولي العهد السعودي، دعم بلاده وتضامنها مع المملكة ورفض أي انتهاك لسيادتها أو المساس بأمنها واستقرارها.
◄ السعودية وتركيا وباكستان فعّلت ترتيبات دفاعية مشتركة في ظل الهجمات الحوثية، مع اتفاق على تحريك قدرات عسكرية لدعم المملكة
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة زيارة الشرع باعتبارها جزءاً من محاولة سعودية لبناء شبكة علاقات أكثر اتساعاً مع دول المنطقة، لكن ليس بالضرورة ضمن تحالف عسكري موحد. فالرياض تتحرك في ملفات متعددة في وقت واحد: دعم الحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين، حماية أراضيها ومنشآتها من الهجمات، تعزيز أمن البحر الأحمر، وتوسيع الشراكات الدفاعية والسياسية مع قوى إقليمية.
وتطرح سوريا، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها العربية المتنامية، نفسها في هذا التصور بوصفها دولة يمكن أن تستفيد من إعادة الاستقرار الإقليمي، وأن تصبح جزءاً من شبكة اقتصادية وتجارية أوسع. وكانت دمشق نفسها قد بدأت خلال الأشهر الماضية في تقديم موقعها باعتباره جزءاً من طرق التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد الإقليمية، مع التركيز على أن استقرار سوريا يمكن أن يخدم مصالح دول الخليج والمنطقة.
لكن تحويل هذا التقارب السياسي والاقتصادي إلى شراكة أمنية مباشرة يظل مسألة مختلفة. فالأولوية السورية المعلنة تتصل بتثبيت الاستقرار الداخلي وإعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد، بينما تتحرك السعودية في اليمن ضمن مواجهة عسكرية مفتوحة ومتطلبات أمنية مرتبطة بالحدود والمنشآت الحيوية والممرات البحرية.
لذلك، فإن أهمية زيارة الشرع لا تكمن بالضرورة في انتظار إعلان دور سوري في الحرب اليمنية، وإنما في اختبار مدى اتساع مفهوم الشراكة السعودية السورية. فإذا كانت العلاقات قد بدأت من بوابة دعم سوريا اقتصادياً وسياسياً، فإن تطورات المنطقة تضع أمامها أسئلة جديدة تتعلق بالأمن الإقليمي، وحماية طرق التجارة، ومستقبل التوازنات العربية بعد اتساع التهديدات العابرة للحدود.
وفي ظل التصعيد حول باب المندب، يصبح السؤال المطروح في الرياض ودمشق أقل ارتباطاً بانضمام سوريا إلى تحالف عسكري، وأكثر اتصالاً بموقعها في منظومة إقليمية آخذة في التشكل. وحتى الآن، تبقى حدود هذا الدور غير واضحة، فيما تشير الوقائع المعلنة إلى أن السعودية تواصل توسيع شبكة شراكاتها الأمنية، بينما تتحرك مع سوريا على مسار موازٍ يجمع الدعم السياسي والتعاون الاقتصادي والتنسيق بشأن قضايا المنطقة.