ما كان أحد من جيلنا ليتصوّر يومًا أن العلوم الاجتماعية، من سوسيولوجيا، وأنثروبولوجيا، وعلوم نفسية، سوف تندرج في العصر البصري بشكل غريب، وتتحول إلى علوم اجتماعية بصرية بدورها. فالعلاقة التي تربط هذه العلوم بالأفراد والجماعات، وطابع الملاحظة الدقيقة للظواهر والوقائع الذي يميزها، لم يكن إلا ليحررها، من جهة، من خوفها التليد من الصورة والتباسها، وليزج بها، من جهة أخرى، لا في تناول الصورة موضوعًا لها (فذلك ما قام به السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو من عقود)، وإنما في استعمال الصور وسيلة للتحقيق الميداني، واعتمادها سندًا إجرائيًا ومنهجيًا ومعرفيًا لتطوير نظرة الباحث في هذه المجالات…
قد يبدو من باب الحشْو والإطناب الحديث بعبارات من قبيل “السوسيولوجيا البصرية”، أو الأنثربولوجيا البصرية”، باعتبار أن هذين المبحثين الاجتماعيين يعتمدان أصلًا وضرورة على البصر، كما على الملاحظة العينية للممارسات والسلوك والعوائد في الحياة الاجتماعية. بيد أن الطابع الوضعي الذي طغى على هذه العلوم جعلها تحترس من الطابع الموارب والملتبس للصورة، معتبرة إياها حصرا على الفن والأدب. ومن الغريب الأغرب أن هذه العداوة التاريخية يكمن خلفها، ويا للمفارقة، تزامن تاريخي في النشأة. فقد ظهرت السوسيولوجيا (ومعها الإثنوغرافيا) في معمعان القرن التاسع عشر، منجزتين معًا تحول الفلسفة إلى علم مجتمع، وظهرت الفوتوغرافيا لتحدث منعطفًا في الفنون البصرية، وتحول الفن من الفردانية النخبوية إلى الذيوع التقني من خلال الاستنساخ. إنها مفارقة ستدوم قرنًا بالكامل من التجاهل، لتنحل عقودًا بعد ذلك معلنة عن مصالحة تاريخية ستعمل على تطوير العلوم الاجتماعية ومنحها نَفَسًا جديدًا. وهي مصالحة لن تأخذ طابعها الأكيد والمنهجي إلا مع بوادر الصورة الرقمية.
تحولات استشرافية
| من فيلم “سجلات يومية لصيف”: إخراج جان روش، وإدغار موران |
“هذا الفيلم مهدى للرجال والنساء الذين منحوا تجاربهم للمشاهدين”- إنه مطلع فيلم استثنائي قلّما يُذكر في تاريخ السينما الفرنسية، بعنوان “سجلات يومية لصيف”، من إخراج جان روش، وإدغار موران. وقد حاز الفيلم في مهرجان كان لعام 1961 على جائزة النقاد، إلى جانب جوائز أخرى لأفلام مخرجين كبار من قبيل فليني، وفيسكونتي، وغيرهما، ويرى فيه مخرجاه تطويرًا لمفهوم “الكاميرا الحقيقية”، الذي بلوره المخرج السوفياتي دزيغا فيرتوف. والمعروف عن جان روش أنه عالم إثنوغرافيا، ورجل سينما مختص بأفريقيا جنوب الصحراء وأنه ترك رصيدًا من الأفلام الوثائقية والروائية عن تلك البلدان. أما موران فهو عالم اجتماع ومفكر معروف لا يزال على قيد الحياة متجاوزًا المائة عام.
كان ذلك الفيلم تدشينًا للقاء تاريخي بين السينما والبحث الاجتماعي، يوثق للحياة اليومية للفرنسيين كما يحكونها ويعيشونها. وهو من ثم بلورة للممارسة البصرية لجان روش الذي كان وراء تأسيس مهرجان السينما الإثنوغرافية عام 1982 المخصص للأفلام التسجيلية ذات الطابع الإثنوغرافي (وقد سنحت لي الفرصة خلال دراستي بباريس لحضور نسخته الثانية، وحظيت خلالها بلقاء جان روش بتواضعه الجمّ، الذي كنت قد تعرفت قبلئذ على أفلامه بالنادي السينمائي بمدينة فاس). كما أنه تدشين للسينما الإثنوغرافية، أو بلغة معاصرة، للأنثربولوجيا البصرية خارج اللغة ومن خلالها. فما حققه هذا الفيلم يجاوز بكثير استعمال البصري لخدمة البحث الاجتماعي، لأنه يشكل تجربة إثنوغرافية وجمالية في الآن نفسه، مؤشرًا بذلك على السؤال الذي سيؤرق بال السوسيولوجيا البصرية في وقتنا الراهن، ويحله بشكل مميز وخاص: كيف يمكن استخدام الصورة وسيطًا للبحث ومنحها طابعًا جماليًا في الآن نفسه؟
إنه فيلم ينضاف إلى تجربة سابقة عليه ورائدة وأنموذجية في هذا المضمار، تمثلت في الكتاب المشترك بين الأنثربولوجية الأميركية مرغريت ميد، وشريكها في البحث غريغوري باتيسون: “شخصيات بالينية: تحليل فوتوغرافي” (1942)، الذي وصفته م. ميد نفسها بأنه “ابتكار تجريبي”. وتلتقي التجربتان السينمائية والفوتوغرافية في مجال العلوم الاجتماعية في أن التحليل يعتمد على الصورة أساسًا لا على اللغة، وأن الحكاية تتشكل من تضافر اللغة والصورة في السينما، ومن خلال صمت الصورة الناطق في حال م. ميد. فلقد سعت هذه الأخيرة إلى التمثيل البصري للحركات والإشارات واللمسات من خلال 750 صورة تشمل عشرة مواضيع مختلفة فوتوغرافية مرفقة بالتعليقات البحثية.
في ما بعد، يمكننا اعتبار تجربة بيير بورديو مع التصاوير الفوتوغرافية التي التقطها في الجزائر استمرارًا في هذا النهج. لكن بورديو، وإن قارب الفن والصورة سوسيولوجيًا، إلا أنه كما اعترف بذلك لاحقًا كبح هذا الانفتاح الشخصي والذاتي على الصورة، وسعى إلى إبعادها من مجاله النظري والمنهجي والبحثي. يمكننا في المساق نفسه أن نضيف تجربة ثالثة اعتمدت على الأرشيف الفوتوغرافي الإشهاري. يتعلق الأمر بكتاب إرفين غوفمان (1979) عن القوالب الجاهزة المتعلقة بالنوع. يتصل هذا التحقيق بالسوسيولوجيا التي تعتمد الصورة. إن هذه الأمثلة القليلة تبين فقر العلاقة بين العلوم الاجتماعية والصورة، بحيث إنها تشكل من ثم تجارب معزولة أشبه بالمغامرة الباحثة عن أفق أرحب للممارسة البحثية الاجتماعية. وهذا ما يفسر اقتصارها على العالم الأميركي الأوروبي، والفرنسي تحديدًا.
الصورة في قلب العلوم الاجتماعية:
من الغياب إلى الحضور
لقد شكل ما سماه الباحث الأميركي و. ج. ت. متشيل “المنعطف البصري” تحولًا من التمركز حول اللغة وصرامتها المنطقية إلى الانفتاح الفينومينولوجي على الصورة. وبهذا الصدد، لا يخفي صاحب هذا المفهوم امتعاضه من السيميائيات البصرية، بالرغم من اعتماده الوضعاني على كتابات فتغنشتاين: لا لأنها فقط تقدم نفسها بوصفها علمًا خاصًا بالصور، ولكن لأنها تحصر تحليلها في البحث عن المعنى. والحال أن الصور، كما بين بارت من خلال مفهوم “البونكتوم”، ورانسيير من خلال مفهوم الصورة المتفكرة، تجاوز التناظرية والمحاكاة لتنتج خزانًا من المعاني الإضافية التي تتطلب التأويل.
في 1975، بدأت معالم السوسيولوجيا البصرية تتوضح في الفضاء الأميركي لكي تُكرّس لها المجلات المتخصصة، ولكي يظهر بتواز مع الدراسات الثقافية مبحث أُطلق عليه الدراسات البصرية. ولا يخفى أن هذه التحولات المنهجية والمعرفية قد جاءت تعبيرًا عن الضرورة الملحة لمجاوزة صرامة العلوم الاجتماعية وانكفائها على نفسها وإيمانها الأعمى بعلميتها المفترضة. أدرك بورديو في نهاية حياته أنه كان سيغدو مؤسسًا للسيوسيولوجيا البصرية، لأنه كان ميالًا للتصوير الفوتوغرافي، غير أنه فوت الفرصة هذه على نفسه. لذلك صرح في نهاية حياته: “في الواقع، لقد جعلني الانهمام بالجدية والعلمية أكبت في نفسي البعد الأدبي: فلقد مارست الرقابة والمنع على عدد من الأشياء؛ وأنا أعتقد أن المرحلة الأولى من مركز علم الاجتماع الأوروبي كانت تتسم بالتشجيع الضمني (من غير أن يكون ذلك أمرًا مفروضًا) على منع كل ما هو فلسفي وأدبي”. لقد اجترحت الصورة في قلب العلوم الاجتماعية منافذ هامة لفرض وجودها فقط وللمساهمة في نزع الطابع الأحادي عنها، وحملت معها، بالتباسها وصعوبة الإمساك بجوهرها، ريح التعدد المبحثي التي عصفت بوهم الموضوعية والعلمية التي ظلت تتمسك به ردحًا من الزمن. وليس من الغريب أن هذا الترابط حدث في وقت تحولات فكرية حملتها في نهاية القرن الماضي أسئلة فوكو ودولوز وسعيد، وعززها، في القرن الحادي والعشرين، بزوغ الصورة الرقمية والدراسات مابعد الكولونيالية والنسوية والثقافية التي أسست للتعدد المعرفي والعلمي وللتفاعلية بين التخصصات والمباحث.
| يشير دانييل فاندر غوشت (الصورة) إلى ثلاثة أنواع من العلاقة: سوسيولوجيا الصور، والسوسيولوجيا في صور، والسوسيولوجيا بالصور |
ثمة كما يشير إلى ذلك بوضوح دانييل فاندر غوشت (2017، ص 62 ــ 63) ثلاثة ضروب من اندراج الصورة في السوسيولوجيا: “يمكننا فرز ثلاثة أنماط من استعمال الصورة الثابتة، أو المتحركة، لدى علماء الاجتماع، تحدد ثلاثة ميادين من الفعل في السوسيولوجيا البصرية: سوسيولوجيا الصور، وتستعمل الصورة باعتبارها توضيحية؛ والسوسيولوجيا في صور، وتستخدم السند السمعي البصري كأداة تربوية في شكل معرض للصور، أو عروض ديابوراما، أو أشرطة تربوية، أو سينما سوسيولوجية، بل في شكل أشرطة مرسومة أيضًا؛ والسوسيولوجيا بالصور، وهي في المقابل تستلهم من الشريط الوثائقي همّ الكشف والشهادة، وفهم وتفسير الأوضاع الإنسانية من منظور سوسيولوجي من خلال الوسيط السمعي البصري، وتعبر عن نفسها باللغة البصرية”. بهذا تكون علاقة العلوم الاجتماعية البصرية (حتى نعمّم هذا المقترح) علاقة تمازج تتجاوز فيها الصورة دورها التربوي والاستعمالي لتغدو وسيطًا فاعلًا وموجّهًا. تكف الصورة اليوم عن أن تكون فقط وسيطًا توثيقيًا يحل محل الملاحظة العينية، لتغدو لغة كاملة مكتملة تحلل الوقائع الاجتماعية وتقدمها، حسب مبتغيات الباحث، بطريقة دلالية وجمالية. إنها تفرض على الباحث امتلاك تقنيات التصوير وبلورة نظرته بطريقة تسمح له بخلق المتعة أيضًا.
تساهم الصورة، حتى إن ظلت حبيسة الجانب التوثيقي، في بلورة نظرة جديدة للتحقيق الميداني. إنها تجعل من الملاحظة المباشرة ملاحظة جمالية أيضًا. فالتوثيق البصري يخضع لتأطير اللقطة، ولزاوية النظر، وللاشتغال على تباين النور والضوء. والباحث، وإن ابتغى الصدق والموضوعية، وحرص عليهما، يجد نفسه منغمسًا في التصوير الذاتي والشخصي لوقائع العينة الاجتماعية. إنه يعيد خلقها وتأويلها بصريًا من غير تحليل، أو تأويل لغوي. وهو، إن اشتغل على الأرشيف البصري، فإنه يتناول بشكل مغاير ومستجَدّ نظرات مجهولة وقفت وراء الكاميرا وحمّلت الصور المدروسة من معينها الفكري والأيديولوجي هالة من المعطيات لا يمكنه إلا أن يواجهها ويحللها ويؤولها.
| إرفين غوفمان اعتمد في دراساته على الأرشيف الفوتوغرافي الإشهاري |
الصورة إذا كانت وراء تذويت الطابع “العلمي” المفترض للعلوم الاجتماعية، فذلك لكونها تلائم أكثر حركية المجتمع الراهنة ومتخيلاته البصرية. لقد وجد الباحث في العلوم الاجتماعية البصرية نفسه اليوم يشتغل في مرآة مجتمعه الحركي. ومنذ 1974، تساءل عالم الاجتماع الأميركي، هوارد بيكر، عن الدور الأساس الذي يمكن أن تلعبه الصورة وأجهزتها التقنية في الإمساك المباشر بالوقائع والظواهر الاجتماعية. واليوم، وقد غدت هذه الأسئلة متواضعًا عليها، يمكننا الإقرار بالدور البرهاني والتحليلي للصور في بناء المعرفة السوسيولوجية والأنثروبولوجية. بيد أن هذه المعرفة، وعلينا الاعتراف بذلك، مخالفة للمعرفة االتقليدية التي بنتها العلوم الاجتماعية في تاريخها، لأن الصورة، حتى إن استخدمت وسيطًا فقط، ووسيلة للتحقيق الميداني، تغير شكل الميدان ونمط التحقيق، من خلال أمرين هامين: طبيعة المعرفة التي تنتجها، والانفتاح المفاهيمي والتعدد المعرفي الذي تستدعيه. الصورة ببساطة فتحت المعارف بعضها على بعض، وخلقت بارادغما جديدًا شبكيًا ومتحولًا، بحيث قد نتوقف في العقود المقبلة عن الحديث عن سوسيولوجيا، وأنثروبولوجيا، أو عن علوم اجتماعية بمعنى حصري ومحدد. فهل ستكون الصورة الفيروس، أو الترياق، الذي سيتحول إلى سمّ قد يعلن عن النهاية البطيئة للعلوم الاجتماعية؟ وهل ينبئ اندراج الصورة في العلوم الاجتماعية عن معرفة اجتماعية جديدة تقترب أكثر من روح العصر، وتفكك بشكل ضمني صرامة العلوم الاجتماعية وموضوعيتها التليدة، وتجعلها تنفتح أكثر فأكثر على المعارف الأخرى، بعد أن عاش كل “علم” منها لمدة طويلة في قلعته الآمنة العتيدة؟