ما حدث مع كريستيانو رونالدو في معسكر المنتخب البرتغالي لم يكن مجرد خبر عابر، ولا مجرد خلاف فني مع المدرب انتهى بمغادرة اللاعب لمعسكر البرتغال بشكل مفاجئ قبل مواجهة الدنمارك في دوري الأمم الأوروبية، بعد أيام من جلوسه على مقاعد البدلاء وعدم مشاركته أمام النرويج، وبعد أن تحدث المدرب جورجي جيسوس عن وجود استياء لدى اللاعب من قرار عدم إشراكه. رونالدو أعلن أنه سيكشف لاحقاً عن أسباب مغادرته، في مشهد معقد أكبر من مجرد خلاف بين لاعب ومدرب؛ لأنه أعاد طرح سؤال كان مؤجلاً منذ نهاية مونديال 2026: هل كان ينبغي لرونالدو أن يضع حداً لمسيرته الدولية، أم أن من حقه أن يواصل ما دام قادراً على العطاء؟
في ليلة غيابه، فازت البرتغال على الدنمارك (4-2)، في مباراة حمل فيها رافاييل لياو الرقم 7 الذي ارتبط طويلاً برونالدو، ما يعني أننا أمام نهاية فعلية لعلاقة رونالدو بالمنتخب، وليس مجرد أزمة عابرة يمكن أن تنتهي بالعودة، على الرغم من تدخل رئيس الاتحاد والوزير ورئيس الحكومة، وحتى الرئيس البرتغالي، والذين عبروا عن دعمهم وتقديرهم لمشوار رونالدو وتاريخه، والإرث الذي خلفه من خلال 234 مباراة دولية، سجل فيها 146 هدفاً، وفاز فيها ببطولة اليورو، ودوري الأمم مرتين، إلا أنه قرر الاستمرار في قراره ووقع في الفخ، وتحولت قيمة الإرث إلى صعوبة في قبول النهاية من طرف لاعب كان يصنع القرار إلى لاعب ينتظر قرار المدرب.
تغيرت المعادلة ورونالدو في سن الـ41 سنة، ومدربه الجديد هو جورجي جيسوس، الذي يعرفه جيداً من تجربتهما مع النصر، أمسى مطالباً بأن يتعامل معه مثل أي لاعب آخر عندما يتعلق الأمر بالاختيار الفني، وهنا ظهر الاحتكاك بعد أن غاب رونالدو أمام النرويج، وكان غاضباً من القرار بحسب جيسوس، وبعد ذلك غادر المعسكر عشية مواجهة الدنمارك قائلاً إنه سيكشف الحقيقة لاحقاً، في حين لم يُعلن الاتحاد البرتغالي نهاية مسيرته الدولية، كما أن التقارير تحدثت عن محاولة من جيسوس ورئيس الاتحاد بيدرو بروينسا لإقناعه بالبقاء في كوبنهاغن، لكنها لم تنجح.
من الناحية الرمزية، كان الاعتزال بعد مونديال 2026 سيمنح قصة رونالدو نهاية واضحة ومفهومة بعد آخر كأس عالم، آخر بطولة كبرى، وكان من الممكن أن يغادر وهو يختار توقيت النهاية بنفسه، بدل أن تصبح نهاية مسيرته الدولية مرتبطة بخلاف مع مدرب أو قرار فني يغادر إثره المعسكر، لكن من الناحية الرياضية، لا يمكن القول إن استمرار رونالدو كان بلا مبرر، فحتى في سن 41، ظل قادراً على التسجيل، وهو لا يزال يطارد حاجز الألف هدف في مسيرته، كما أنه لم يعلن اعتزاله كرة القدم بشكل كامل، بل قال في أغسطس إن هذا الموسم قد يكون على الأرجح الأخير له في كرة القدم الاحترافية، فلماذا يُغلق باب المنتخب طالما أنه لا يزال يرى في نفسه قدرة على المساهمة؟
هذا سؤال مشروع أيضاً، لكن مشكلة رونالدو لم تكن في الاستمرار من عدمه، بل في كيفية الاستمرار، إذ كان عليه أن يقبل أن البرتغال لم تعد منتخب رونالدو وحده، وأن الجيل الجديد يحتاج إلى مساحته، وأن المدرب يجب أن يمتلك حرية اتخاذ قراراته حتى عندما يكون القرار متعلقاً بأكبر اسم في الفريق. في المقابل كان على المدرب أن يعرف كيف يدير حضور لاعب بهذه القيمة التاريخية، لأن إخراج رونالدو من الحسابات ليس قراراً عادياً، كما أن إشراكه لمجرد اسمه ليس حلاً، بل حقيقة الميدان هي التي تحدد صيغة المعادلة، فيلعب إن كان قادراً على تقديم الإضافة، ويبقى في كرسي الاحتياط إذا لم يكن في أحسن أحواله، وإذا صارت مشاركته محدودة، فعليه أن يتقبل ذلك مثلما يفعل أي لاعب محترف.
المسألة لا تخص رونالدو وحده؛ لأن المنتخب البرتغالي يحتاج في مرحلة ما إلى الانتقال من جيل رونالدو إلى جيل جديد، ولا يعني الانتقال بالضرورة طرد القائد التاريخي من المشهد، بل يمكن أن تكون هناك مرحلة وسطى، يستمر فيها رونالدو بدور محدود، ويساهم بخبرته، بينما يحصل اللاعبون الشباب على أدوار أكبر، لكن هذا الانتقال يحتاج إلى وضوح، فالأسوأ للمنتخب أن يعيش في منطقة رمادية: لا هو منتخب رونالدو القديم، ولا هو منتخب جديد قادر على التحرر من إرثه، ومع ذلك فقد كان بإمكان رونالدو أن يختار النهاية الهادئة والسلسة بعد مونديال 2022، لكنه اختار الانتظار فدخل في أزمة.
وهنا تبدو المفارقة معقدة للاعب كان يريد أن يُحدد بنفسه موعد النهاية، فوجد نفسه الآن أمام ظروف تفرض عليه أن يُعيد التفكير فيها ويتخذ أصعب قرار في مسيرته الدولية بالطريقة التي تناسب تاريخه، دون الحاجة إلى مباراة أخيرة ليثبت أنه أسطورة برتغالية، ودون الحاجة إلى هدف جديد حتى يثبت قيمته، بعد أن فعل ما يكفي وأكثر؛ لأن اللاعب العظيم لا يكتب فقط تاريخ بدايته وصعوده وانتصاراته، بل يكتب أيضاً كيفية رحيله. عاش رونالدو أكثر من 20 سنة وهو يفرض شروطه على المباراة، والآن، ربما حان الوقت لأن يقبل أن المباراة هي التي بدأت تفرض شروطها عليه، وهنا تكمن صعوبة النهاية وجمالها أيضاً.