بعد نحو شهرين من الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، لا يزال من غير الواضح متى، أو ما إذا كنا، سنشهد وقف إطلاق نار أكثر ديمومة، وما إذا كان مضيق هرمز سيُفتح. أما السجال الكلامي الواسع بين البلدين حول وضع المفاوضات، وما إذا كان الاتفاق قريباً أو بعيداً، وما قد تكون عليه شروطه، فليس في معظمه سوى ما يسميه الصينيون “إطلاق مدافع فارغة”
في الجوهر، لا نملك سوى تصريحات منقوصة، وغالباً متضاربة، من طهران وواشنطن، وتسريبات مجهولة المصدر يصعب التحقق من موثوقيتها. والتنبؤ في مثل هذه الأجواء محفوف بالمخاطر، لكنني أخشى أن اتفاقاً سيئاً آتٍ لأميركا وإسرائيل ودول الخليج العربية. فدونالد ترمب يريد بوضوح اتفاقاً يتيح له إعلان الانتصار والمضي قدماً بعيداً من هذا الصراع. ولا أحد يعرف من يمسك بزمام القرار في طهران، لكن العناصر المتشددة في الحرس الثوري تبدو في موقع الغلبة.
حماسة ترمب لإبرام صفقة مدفوعة بحسابات سياسية داخلية، لا بتحليل استراتيجي لمتطلبات الأمن القومي. فأسعار النفط العالمية لا تزال مرتفعة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وهو ما أبقى أسعار الوقود في أميركا مرتفعة أيضاً، ورفع معها كلفة الغذاء والسلع الاستهلاكية على المواطن الأميركي العادي. وقد أصبحت حال عدم اليقين الاقتصادي قضية رئيسة يستثمرها خصوم ترمب السياسيون. ويزداد قلق الجمهوريين في الكونغرس من خسارة السيطرة على مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ، في الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني).
يقول ترمب علناً إنه لا يبالي بارتفاع الأسعار، لكن أحداً لا يأخذ هذه التصريحات على محمل الجد. فهو حريص خصوصاً على ألا يبدو كمن أبرم اتفاقاً سيئاً، خشية كلفة سياسية داخلية. وفي النهاية، ستدفعه ثقته بقدرته على “تسويق” حتى الاتفاق السيئ للناخبين إلى الاعتقاد بأن بوسعه المجازفة بقبول شروط بعيدة من المثالية. وبالطبع، لن يعترف بهذه المشكلات، بل سيعلن النصر ويحاول الانتقال سريعاً إلى ملفات أخرى.
لكن المخاطر على الأمن القومي الأميركي قد تكون هائلة. والأهم أن أحداً لا يعتقد أن تمديد وقف إطلاق النار، وهو محور أي اتفاق قريب، سيعالج شيئاً من القضية الأشد أهمية: برنامج إيران للأسلحة النووية. ولن يتناول الطرفان أيضاً برامج طهران للصواريخ الباليستية والمسيّرات، ولا دعمها جماعات إرهابية مثل “حزب الله” و”حماس” والحوثيين، ولا قمعها الشعب الإيراني. ومع أن تسريبات المفاوضات تشير إلى أن مضيق هرمز سيُفتح “من دون شروط”، بالتزامن مع إنهاء الحصار الذي تفرضه واشنطن على الشحن الإيراني، فإن تنفيذ ذلك أسهل قولاً منه فعلاً.
والأهم أنه، حتى لو سمحت إيران بحرية كاملة للملاحة الدولية في الخليج والمضيق كما كان الحال قبل الحرب، فستبقى هناك مخاطر هائلة تهدد الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل. فمن شبه المؤكد أن طهران ستخلص إلى أنها خرجت منتصرة دبلوماسياً في مسألة حركة الملاحة البحرية، لأن الولايات المتحدة خشيت استخدام القوة لفتح المضيق وحماية الخليج. ومع إعادة الحرس الثوري بناء قدراته العسكرية المدمرة، سيعيد من دون شك تشكيل أسطوله المخصص لزرع الألغام، وسيتخذ خطوات أخرى لزيادة قدرته على إغلاق المضيق مجدداً في المستقبل.
ولا يكفي الحل الدبلوماسي وحده لإعادة بناء الردع في مواجهة سعي طهران إلى امتلاك القدرة على فتح العبور عبر المضيق وإغلاقه متى شاءت. وينبغي أن يكون مثل هذا المآل مرفوضاً تماماً لدى دول الخليج العربية، لأنه سيضعها أمام هيمنة إيرانية فعلية على المنطقة. وقد تصبح الأمور أسوأ إذا نجحت الأصوات الانعزالية داخل إدارة ترمب في إقناعه بتقليص بعض القواعد الأميركية على الضفة العربية من الخليج، أو التخلي عنها جزئياً أو كلياً.
ومن الواضح أيضاً أن إيران ستجني مكاسب كبيرة إذا انتهى الحصار الأميركي، ورُفعت العقوبات الاقتصادية عن صادراتها النفطية، وحصلت على مبالغ كبيرة من أصولها المجمدة. والمؤكد أن الحرس الثوري لا يعنيه كثيراً الوضع المعيشي للإيرانيين، على خلاف ترمب الذي يضع الناخب الأميركي في حساباته. فالاقتصاد الإيراني كان مأزوماً أصلاً قبل هذه الحرب، ثم جاءت الضربات الأميركية – الإسرائيلية بما خلّفته من دمار واسع، ومعها خسارة العائدات بسبب الحصار الأميركي، لتعمّق الأزمة. لكن الحرس الثوري سيعيد بناء قوته هو، لا اقتصاد البلاد.
ومن المفارقات أن بعض أخطر المشكلات السياسية الداخلية التي قد تواجه ترمب تكمن في بنود الاتفاق التي تتمسك بها طهران أكثر من غيرها. فعلى سبيل المثال، لا يزال الإفراج المباشر للنظام عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في صدارة أولوياتها. غير أن خطوة كهذه ستستحضر حتماً، وبدرجة كبيرة، صورة “رزم الأموال النقدية” التي نقلها أوباما إلى إيران في إطار الاتفاق النووي لعام 2015. وخلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 2016 وما بعدها، لم يتوقف ترمب عن انتقاد أوباما بسبب هذه المسألة. أما اليوم، فسيجد ترمب نفسه في مواجهة انتقادات حادة من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، ستسلط الضوء على تناقضه.
ثمة مستشارون أساسيون لترمب وأعضاء في الكونغرس يدركون أن حساباته السياسية القصيرة المدى قد تخاطر بزيادة تهديدات طهران الطويلة المدى للأمن الأميركي. ومع وضوح أن المصالح الوطنية لكل من دول الخليج العربية وإسرائيل على المحك، ينبغي لهم أن يعترضوا بصورة مشتركة على أي اتفاق يعزز نظام طهران، وأن يوضحوا لترمب الحقائق الاستراتيجية الحاسمة. فلنأمل أن ينجحوا في ذلك.
