يجمع اتفاق مكة السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي يختبر قدرة ثلاث قوى إقليمية على تحويل تكاملها العسكري والاقتصادي إلى نفوذ استراتيجي فعلي. وبينما يعكس تنامي الاعتماد على الشراكات الإقليمية وتراجع اليقين بالدور الأميركي، تبقى مصداقية الاتفاق رهناً بقدرته على الصمود أمام أزمات اليمن وإيران والهند، وبمدى قدرة أطرافه على بناء مؤسسات وآليات دفاع مشترك تتجاوز حدود الإعلان السياسي.
يرى الباحث والأكاديمي التركي سيدهان أحمد أتش، أستاذ الاقتصاد في جامعة أنقرة للعلوم الاجتماعية والباحث في جامعة أكسفورد، أن اتفاق مكة للدفاع المشترك يحمل وزناً جيوسياسياً محتملاً في الشرق الأوسط، وقد يشكل خطوة نحو تعاون أمني واقتصادي أوسع. لكنه يحذر من التسرع في وصفه بـ”الناتو الإسلامي”، مؤكداً أن مصداقيته ستتوقف على قدرة أطرافه على تحويل مبدأ الدفاع المشترك إلى آليات عملية، وعلى الصمود في أزمات إيران واليمن أو مواجهة محتملة بين باكستان والهند، فضلاً عن التوفيق بين التزامات تركيا الجديدة وعضويتها في الناتو.
اتفاق ثلاثي يعزز توازنات القوة الإقليمية
يقول أتش، في مقال نشرته “أوكسفورد جيوبوليتيكا”، منصة التحليل والرأي التابعة لمركز أوكسفورد جيوبوليتيكس البريطاني المستقل، إن أهمية الاتفاق تنبع من جمعه ثلاث دول ذات قدرات متكاملة: السعودية بثقلها الاقتصادي والمالي ومكانتها في أسواق الطاقة، وتركيا صاحبة ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وصناعة دفاعية متنامية، وباكستان الدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة التي تمتلك قدرة نووية معلنة، بترسانة تقدر بنحو 170 رأساً نووياً.
تكمن الميزة الأساسية في تكامل نقاط القوة والضعف. فباكستان تمتلك السلاح النووي والقوة العسكرية، لكن اقتصادها هش. والسعودية تمتلك المال والطاقة، لكنها اعتمدت تاريخياً على التكنولوجيا العسكرية الأجنبية والشراكات الأمنية الخارجية. أما تركيا فتجمع بين جيش كبير وصناعة دفاعية محلية متطورة، لكنها تعتمد على الطاقة المستوردة وتواجه ضغوطاً اقتصادية. ويبقى السؤال: هل تنجح الدول الثلاث في دمج الموارد؟
يحدد أتش أربعة عوامل لتوقيت الاتفاق، أبرزها تصاعد عدم الاستقرار الإقليمي، وتوسع النفوذ العسكري الإسرائيلي، وأمن البنية التحتية للطاقة وخطوط النقل، وتزايد الشكوك في الدور الأمني الأميركي مستقبلاً. ولا يرى الاتفاق تحولاً مفاجئاً، إذ سبقه اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان في أيلول 2025، وتعميق العلاقات بين أنقرة والرياض. لذلك، يمثل الترتيب الجديد ترسيخاً لتقارب قائم أكثر من كونه ولادة لتكتل جديد.
الصناعة الدفاعية … وسوريا ساحة محتملة للتعاون
يتوقع أتش أن تكون الصناعة الدفاعية أول اختبار لقدرة الاتفاق على إنتاج تعاون حقيقي، من خلال برنامج “كان” التركي للمقاتلات من الجيل الخامس، الذي يحتاج إلى رؤوس أموال وقدرات إنتاجية وتكنولوجية متقدمة، وأبدت الرياض اهتماماً بالمشاركة والاستثمار فيه. ويرى أن الاستثمار السعودي والمشاركة الباكستانية والتكنولوجيا التركية قد تحول المشروع من برنامج وطني إلى مشروع دفاعي متعدد الجنسيات، فيما يمكن للإنتاج المشترك والشراكات التكنولوجية واتفاقات التوريد أن توسع حضور الصناعة الدفاعية التركية في الخليج وجنوب آسيا.
قد تمتد آثار الاتفاق إلى ما وراء الصناعات الدفاعية، وتصبح سوريا ساحة للتعاون بين السعودية وتركيا. فرأس المال السعودي، إذا اقترن بالحضور التجاري التركي وقطاع الإنشاءات وإمكان الوصول إلى سوريا، قد يوفر قاعدة لمشاريع أوسع لإعادة الإعمار. وقد وقعت تركيا والسعودية مذكرة لتعميق التعاون في النقل واللوجستيات والبنية التحتية والتكنولوجيا والتدريب، فيما تعمل أنقرة على تعزيز الربط البري عبر سوريا والأردن باتجاه الخليج.
واشنطن وطهران
لا يعتبر أتش التكتل الجديد تحدياً للدور الأميركي، إذ تحتفظ الدول الثلاث بعلاقات أمنية مهمة مع الولايات المتحدة، كما أن تحمل قوى إقليمية صديقة مسؤولية أكبر عن أمنها ينسجم مع رغبة واشنطن في تقاسم أعباء الدفاع. وبالنسبة إلى السعودية، يوفر الاتفاق وسيلة لتقليص الاعتماد على المظلة الأميركية.
يعكس الاتفاق توجهاً نحو تنويع الشراكات: السعودية توسع علاقاتها خارج واشنطن، وتركيا تنتهج سياسة أكثر استقلالية رغم عضويتها في الناتو، وباكستان توسع خياراتها بين الصين والخليج والولايات المتحدة. وبذلك يعكس الاتفاق نظاماً دولياً أكثر تشتتاً، تتبنى فيه القوى المتوسطة مواقف مرنة.
أما إيران، فرغم أن الاتفاق ليس موجهاً رسمياً ضدها، ستراقبه عن كثب، إذ يمكن للتنسيق العسكري بين ثلاث دول كبيرة ذات أغلبية سُنية أن يعقد بيئتها الاستراتيجية. وتنبع أهميته لطهران من تكامل القوة المالية والنفوذ في الطاقة لدى السعودية، والقدرات العسكرية والتكنولوجية لدى تركيا، والقوة العسكرية والردع النووي لدى باكستان.
اختبارات المصداقية
يرى الباحث أن مصداقية اتفاق مكة لن تتحدد بالنص على أن الهجوم على أحد الأطراف هجوم على الجميع، بل بمدى استعداد الدول الثلاث لترجمة الالتزام إلى أفعال عند وقوع أزمة حقيقية.
أول الاختبارات قد يأتي من اليمن: تعرضت السعودية لهجمات حوثية، فهل ستتدخل تركيا وباكستان ومتى؟ أما السيناريو الإيراني فيمثل اختباراً أكثر تعقيداً؛ فإذا دفعت ضربة أميركية أو إسرائيلية ضد إيران طهران إلى استهداف البنية التحتية النفطية السعودية كما حدث، فهل ستكون أنقرة وإسلام آباد مستعدتين لاتخاذ إجراء عسكري دفاعاً عن الرياض؟ هنا تصطدم إعلانات التضامن بحسابات الواقع، خصوصاً أن تركيا وباكستان لا ترغبان في مواجهة مباشرة مع طهران، فيما تواجه إسلام آباد حساسية إضافية بحكم حدودها الطويلة مع إيران.
في حال دخلت باكستان في مواجهة كبرى جديدة مع الهند، سينقلب السؤال: إلى أي مدى ستكون السعودية وتركيا مستعدتين للوفاء بالتزاماتهما تجاه إسلام آباد؟ كما تضيف عضوية تركيا في الناتو تعقيداً، إذ سيتعين على أنقرة التوفيق بين التزاماتها الجديدة والتزاماتها داخل الحلف.
من اتفاق إلى تحالف؟
يخلص أتش إلى أن السؤال المحوري هو ما إذا كان اتفاق مكة قادراً على التحول إلى تحالف حقيقي. فتجميع الموارد العسكرية والاقتصادية لا يكفي، بل يتطلب تخطيطاً عسكرياً مشتركاً، وتوافقاً عملياتياً وتبادلاً للاستخبارات، وتدريبات مشتركة، وآليات قيادة وتنسيق، وتكاملاً دفاعياً، وقدرة على اتخاذ قرارات سريعة أثناء الأزمات. والأهم أن الاستمرارية السياسية لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية. فقوة الاتفاق ستقاس بقدرته على العمل عندما تقع الأزمة. وبنجاحه في بناء مؤسسات دائمة قادرة على الصمود أمام التحولات السياسية الداخلية.
